349

============================================================

عزة مقام التائبين فهذا كان طريقه، وهو الذي نصبه الله تعالى للمريد ليؤدب نفسه فلا يزهد الجاهل في مقام المريد المقبل على ربه عز وجل: تراه من الدنيا متقللا، ذليلا خاشعا، حزينا باكيأ، منقبضأ عن أبناء الدنيا(1) مظلوما لا ينتصر(2)، ومسلوبا لا يكافأ، شعثا اغبر، متقشفا، منفردا غريبا.

لو اطلع الجاهل على قلبه، وما استودعه الله تعالى من إحسانه، وما أعقبه مما ترك من زينة الحياة الدنيا ونعيمها، لرغب في مقامه، وعلم آنه الغني الجميل، المتلذذ الفرح المسرور، لأنه قد أدرك بغيته، وظفر بطلبته من ربه، لأنه فارق المنغص من الدنيا، المكدر الذي لا ينال إلا بهموم الحرص، ونصب الطلب. وشغل القلوب به أن تناله، وخوفها أن يزول فتفتقر بفقده(2)، مع أسقام وأمراض، وآفات ومصائب، وفجائع ومكاره لا ينفك منها من ركن إلى (1) المراد بأبناء الدنيا : عشاقها، الحريصون عليها، المشتغلون بها عن الله، أما الماملون في عمرانها على مقتضى امر الله تعالى، المراقبون لله في كل اعمالهم فليسوا مرادين هنا، ولم يؤمر المؤمنون جانتهم . انظر: (الكاسب 174) (2) وذلك عملا بقوله تعالى : (فمن عفا وأصلح فاجره على الله) (3) ليست هذه دعوة للسلبية، وإنما هي الايجابية في العمل لعمران الحياة كما أمر الله، والسلبية بالنسبة اللحرص الذي يشغل الانسان عن دينه وريه

صفحه ۳۴۹