============================================================
يا فتى، إن الحالة التي تجمع لك الحالات هي كلها في حالة واحدة: هي المراقبة، فالزم نفسك وقلبك دوام العلم بنظر الله إليك في حركاتك وسكونك وقعودك، وذهابك ومجيئك، فإنك بعين الله عز وجل، في جميع منقلبك، وإنك في قبضته حيث كنت، وإن عين الله على قلبك، فناظر إلى سرك وعلانيتك.
وهذه الصفة يا فتى بحر ليس له شطان، بحر تجري منه السواقي والأنهار وتسري فيه المراكب إلى معادن الغنيمة قلت : فما معنى قولك في البحر، والتمثيل به ؟
قال : أما البحر فهو العلم الذي وصفته لك، وهو العلم الذي ليست له نهاية ولا غاية، وهو علم القلب بقرب الرب، وهو العلم الذي يؤدي الى العظمة، وهو البحر الذي ليس له حد ولا نهاية حصرت قلوب العارفين عن التفتيش بكيفيته، وانقطعت أوهام الموقنين باستدراكها بالكلية، ورجعت أبصار قلوبهم جاسئة هائبة، إجلالا وتعظيما لما سارت أوهامها في بحر المعرفة، ولججت في تيارها، وأقلعت بها شرعها(5)، رجاء سرعة السير إلى كنوز العلم منها .
قلت : أي شيء بلغوا من ذلك ؟
قال: إنما مبلغهم من ذلك على ما طاب لهم الريح، وسارت بهم الريح، واستقاموا على الاستواء حتى وصلوا إلى معادن الجواهر، فتخيروا منها نورا يسطع بالهداية قلت: رحمك الله، قد صعبت على الأنوار، ودققت على المذاهب وأبعدت على الشقة، بعد أن رجوت بلوغها، وحدثتني نفسي بطول المدة قبل بلوغ الغاية.
5) شرعها : بضم الشين والراء جمع شراع.
صفحه ۲۸۱