ثم ماذا في هذه الجملة التي غمت الأمين: «قضى الأمر الذي فيه تستفتيان»؟! ألم يكن فيها متأول حسن - لو شاء؟! ألم يسمعها عقب دعاء له بداوم ملكه، وإعزاز سلطانه، وكبت عدوه؟ فإذا قضى هذا الأمر فقد تم له ما أراد!
ولكن إخوان هذا الخليقة - كما يقول أبو العلاء - لا يحملون الأشياء الواردة على الحقيقة!
ومن أجمل ما رووه عن التطير والتفاؤل قول الرسول - عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يسلم منهن أحد؛ الطيرة والظن والحسد.» قيل له: «فما المخرج منهن يا رسول الله؟» قال: «إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ.»
إذا أقررنا ذلك سهل علينا أن ندرك كيف كان أبو العلاء ساخطا ولم يكن متطيرا، أما «ابن الرومي» فربما لم يكن شديد السخط على الحياة، ولكنه كان على - الرغم من ذلك - إماما من أئمة المتطيرين، وفي رسالة الغفران ورسالة ابن القارح ما يزيدك اقتناعا بطيرته، وحسبك أن تعلم أنه كان لا يلبس ثيابه إلا بعد أن يتعوذ، فإذا وصل إلى الباب نظر من خلال ثقب المفتاح، فإذا رأى ذلك الأحدب الذي تعود مضايقته جالسا، جبن فلم يخرج، وخلع ثيابه ثانية، وقد عرف «ابن الرومي» كيف ينتقم منه، ويثأر لنفسه منه، ببيتيه اللذين وسمه بهما آخر الأبد، وهما قوله:
قصرت أخادعه وغاب قذاله
فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما قد ذاق أول صفعة
وأحس ثانية لها فتجمعا
ولابن الرومي - في تطيره - أخبار شتى، منها أن أبا الحسن الأخفش - غلام المبرد - كان كثيرا ما يقرع بابه، فإذا رد عليه ابن الرومي مستفسرا أجابه: «مرة بن حنظلة» فيتطير من ذلك ولا يجسر على الخروج بقية يومه، وقد هجاه في ديوانه مررا هجاء مؤلما مقذعا.
ولما كان هذا المقام لا يحتمل شيئا من الإسهاب في تفصيل هذه النزعات وتحليلها، والمقارنة بينها، فإنا نكتفي بهذا القدر - على إيجازه - ونشير إلى رأي أبي العلاء في مذهب المتطيرين والمتفائلين، وتهكمه اللاذع بأصحابه، وسخريته الشديدة منهم، علاوة على ما ترى في هذا الفصل من حججه
صفحه نامشخص