254
وشهد الوقعة فيمن شهدها من المهاجرين: عبد الله بن مسعود، وكان خفيفا نحيفا ضئيل الشخص، قليل اللحم، موفور النشاط، سريع الحركة، لا يكاد يرى في مكان حتى يرى في مكان غيره، شأنه في قريش المحاربة كشأنه في قريش بمكة حين كانت تفتن المسلمين، وهو يعدو هنا ويعدو هناك، ويطير في الميدان من مكان إلى مكان. وإنه لفي بعض ذلك وإذا هو يرى ابني عفراء قد صرعا أبا جهل وأثبتاه،
255
فيسرع إليه ابن مسعود ويدركه وفيه رمق يتيح له أن يرى وأن يسمع وأن يعقل، ويتيح له أن يتكلم في بعض الجهد، فيجلس ابن مسعود على صدره وهو يقول: ها قد أخزاك الله يا عدو الله!
قال أبو جهل في صوته المتهالك المتقطع: ها أنت ذا يا راعي الغنم! لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
قال ابن مسعود: لقد أخزاك الله بما قدمت إلى المسلمين من شر، فذق عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد بأسا وأعظم تنكيلا. ثم يحتز رأسه، ثم يمضي خفيفا مسرعا، فينبئ النبي بمقتل أبي جهل. قال النبي: الله الذي لا إله غيره؟! قال ابن مسعود: الله الذي لا إله غيره. فكبر النبي وكبر من حوله من المسلمين، ووقف النبي بعد ساعة على صرعى قريش وقد ألقوا في القليب فقال: «يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا.» قال بعض أصحاب النبي: إنهم موتى يا رسول الله! قال: «إنهم ليسمعون كما تسمعون إلا أنهم لا ينطقون.»
19
كان بلال من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان أول من أذن في الإسلام، وقد جعل النبي الأذان إليه حين نظمت جماعة المسلمين، وليس من شك في أن قد كان بين العرب من المهاجرين والأنصار من كان أندى صوتا من بلال، وربما كان بينهم كذلك من كان أفصح منه لغة وأنصع منه منطقا! ولكن الله يؤتي فضله من يشاء.
وقد عرف رسول الله لبلال سبقه إلى الإسلام وسبقه إلى الأذان، فجعله صاحب أذانه ما أقام في المدينة، فإذا غاب عنها أذن مكانه أبو محذورة، فإذا غاب أبو محذورة وبلال أذن مكانهما عمرو بن أم مكتوم. وكان بلال يتحرى الوقت بالأذان فلا يؤخره، فإذا فرغ من أذانه أقبل حتى وقف على باب رسول الله ليؤذنه، وقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا رسول الله. ثم تنحى وقام ينظر، حتى إذا خرج رسول الله ورآه بلال أخذ في الإقامة، وكان بلال يسعى بالعنزة
256
صفحه نامشخص