من أحكام الفقه الإسلامي وما جاء في المعاملات الربوية وأحكام المداينة

من أحكام الفقه الإسلامي وما جاء في المعاملات الربوية وأحكام المداينة

ناشر

الجامعة الإسلامية

ویراست

الثالثة

سال انتشار

١٤٠٩هـ/١٩٨٩م

محل انتشار

المدينة المنورة

من أحكام الفقه الإسلامي وما جاء في المعاملات الربوية وأحكام المداينة
جمع الفقير إلى الله تعالى الشيخ: عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أحلّ ما ينفعنا، وحرّم علينا ما يضرّنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، رحمةً بنا وإحسانا إلينا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي ما ترك خيرًا إلا دلّنا عليه، ولا شرًّا إلاّ نهانا عنه وحذّرنا منه. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد طلب مني بعض الإخوان أن أُفرد من كتابي "بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين" ما يتعلّق بالمعاملات الربوبية التي وقع فيها كثيرٌ من الناس، وطرق الكسب الحرام، تحذيرًا منها ومن سوء عاقبتها، وما يتعلّق بالاقتصاد في النفقات وأحكام المدايَنة. فأجبتهم إلى ذلك.
سائلًا الله تعالى أن ينفع بها من قرأها أو سمعها، وأن يعظِّم الأجر والمثوبة لمن كتبها، أو طبعها، أو نشرها، أو عمل بها.

1 / 3

وهو حسبنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
المؤلف.

1 / 4

من أحكام الفه الإسلامي
...
من أحكام الفقه الإسلامي
الفقه: في اللغة: الفهم. ومعناه شرعا: معرفة الأحكام الشرعيّة بأدلّتها من القرآن الكريم، والسنة المطهّرة، والإجماع، والقياس الصحيح.
والأحكام الشرعيّة خمسة:
١ الواجب، يُثاب فاعله ويعاقب تاركه مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبِرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ونحو ذلك.
٢ الحرام ضدّه، يثاب تاركه ويعاقب فاعله مثل: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والمعاملة بالربا، وحلق اللحى، وشرب الدخان، وتصوير ذوات الأرواح من الأدميِّين والبهائم، ونحو ذلك كالأغاني.
٣ المسنون، ومثله المستحب والمندوب، يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه مثل: نوافل الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، والذكر، والدعاء، والاستغفار.

1 / 5

٤ المكروه ضده، يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله مثل: تقديم اليسار عند دخول المسجد، واليمين عند دخول الحمّام، وفرقعة الأصابع في الصلاة وتشبيكها
٥ المباح، فعله وتركه سواء مثل: فضول الأكل والشرب والنوم والمشي.
وينقسم الواجب إلى:
فرض عين: يطلب حصوله من كل مسلم بالغ عاقل. مثل: أصول الإيمان الستّة، وأركان الإسلام الخمسة.
وإلى فرض كفاية: يطلب حصوله من عموم المسلمين، إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، كتعلُّم العلوم والصناعات النافعة، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة أمر به الإسلام، وكلّ ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة نهى عنه.
وقد أباح الله لنا كلّ طيِّب نافع، وحرّم علينا كلّ خبيث أو ضار لأجسامنا وعقولنا وأموالنا؛ رحمةً بنا وإحسانا إلينا، قال الله تعالى في وصف نبينا محمد ﷺ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ

١ سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.

1 / 6

الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
ويجب على كلِّ مسلم مكلّف: أن يتعلّم من الفقه كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته، ليعبد الله على علم، وليكون على بصيرة من أمره، وليفهم كيف يصلِّي؟ وكيف يزكِّي؟، وكيف يصوم؟، وكيف يحج؟، وكيف يبيع؟، وكيف يشتري؟. فلا يُعذر أحدٌ بالجهل، لأن الله ركّب فينا العقول، وأرسل الرسول، وأنزل القرآن، وقامت حجة الله على عباده، ومن لا يستطيع أن يتعلّم فليسأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ ٣.
ويجب على المسلم أن يتعلّم العلم والفقه في دين الله، ثم يعمل به ويدعو إليه، ويصبر على ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ

١ سورة البقرة، الآية: ٢٩.
٢ سورة البقرة، الآية: ١٧٢.
٣ سورة النحل، الآية: ٤٣. وسورة الأنبياء، الآية: ٧.

1 / 7

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١.
فالعلم بما يجب لله على عباده فرض عين، أما بقيّة أنواع العلوم كعلوم الصناعة والزراعة والطب والهندسة، وعلم القضاء والإفتاء؛ فهذه فرض كفاية، وقال النبي ﷺ: "من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدين" يعني: يوفِّقه للعلم والعمل به. والحديث متّفق عليه.
ومفهوم الحديث: أن من لم يُرِد الله به خيرًا أعرض عن طلب العلم النافع والعمل به، فأصبح من الخاسرين.
قال العلماء: "وطريقة التفقّه في الدّين: أن يحفظ الطالب في كل فنّ أصلًا يبني عليه، فأول ذلك: يفهم القرآن الكريم وما فيه من الأوامر فيمتثلها، والنواهي فيجتنبها، ثم السنة المطهّرة، يحفظ فيها مختصرًا ككتاب "عمدة الأحكام في أحاديث خير الأنام"، ثم يحفظ مختصرًا في الفقه، مثل: "عمدة الفقه" عند الحنابلة، و"قرة عيون الأبصار" عند الأحناف، و"مختصر خليل" عند المالكيّة، و"مختصر المزني" أو "منهاج الطالبين" للنووي عند الشافعية. ومورد هذه المذاهب وهذه

١ سورة التوبة، الآية: ١٢٢.

1 / 8

الكتب واحد وهو القرآن والسنة، وغالبها متّفق عليه والحمد لله، وإنما اختلفوا في فهم بعض النصوص أو في صحّتها وضعفها، وكلهم مجتهدون، رحمهم الله تعالى وغفر لنا ولهم.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الاقتصاد في النفقات
التوسط والاعتدال في إنفاق النفقات خلق فاضل، بين خُلُقين مذمومين متطرِّفين، وهما: الإسراف والتبذير، والبخل، والشُّح، والتَّقْتير.
فإن الله تعالى امتنّ على العباد بالأموال ليشكروها باستعمالها في مرضاته، وليقوم بها أَوَدُهم١، ويُنفقوا منها في الواجبات والمستحبّات، وحرّم عليهم تبذيرها والإسراف في إنفاقها في غير الوجوه المشروعة، قال تعالى:

١ اعوجاجهم.

1 / 9

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١ وإذا كان لا يحبّهم فهو يبغضهم ويَمْقتهم.
والسرف: إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، والسرف بالمأكولات التي تضرّ بالجسم. وإما أن يكون بزيادة الشَّرَه والتنوّع في المآكِل والمشارِب والملابس فوق الحاجة. وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.
فالسرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى ربما أدّت به الحال إلى أن يعجز عن ما يجب عليه من النفقات.
وفي الحديث: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير إسراف ولا مخيلة " رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح.
وقد نعى الله على قوم تعجّلوا شهواتهم، وأذهبوا طيّباتهم في هذه الحياة، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ٣ أي: أشباههم في السَّفَه، والتبذير، وترك

١ سورة الأعراف، الآية: ٣١.
٢ سورة الأحقاف، الآية: ٢٠.
٣ سورة الإسراء، الآية: ٢٧.

1 / 10

طاعة الله، وارتكاب معصيته. فإن الشيطان يدعو إلى كل خصلة ذميمة؛ فيدعو الإنسان إلى الشح، والبخل، والإمساك، فإنْ عصاه دعاه إلى الإسراف والتبذير، وإنفاق الأموال بالباطل والمحرّمات؛ كاشتراء الاسطوانات والبكمات والأشرطة التي سُجِّلت فيها الأغاني المحرّمة، واشتراء الصور ذوات الأرواح، وكإنفاق المال في الدخّان الخبيث الضار بالصحّة والاقتصاد. فكلّ ذلك وما في معناه فالنفقة فيه نفقة بغير حق، وقد قال رسول الله ﷺ: "إنّ رجالًا يتخوّضون في مال الله بغير حقّ فلهم النار يوم القيامة" أخرجه البخاري.
وقد مدح الله المؤمنين بالعدل في إنفاقهم بقدر الحاجة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ١ أي: لم تصل نفقتهم إلى حدِّ السَّرَف، ولم تنقص إلى حد البُخل، وكان إنفاقهم بين البخل والتبذير بقدر ما تقوم به حاجتهم، وتندفع به ضروراتهم.
وقد حدَث التوسُّع الزائد في هذه الأوقات في النفقات والولائم والحفلات، حتى وصلت إلى حدِّ الإسراف والتبذير.

١ سورة الفرقان، الآية: ٦٧.

1 / 11

وهذا ضررٌ عظيم مخالِفٌ للشرع، ومضارُّه شاملة للغني والفقير.
وقد جعل الله الأموال قياما للناس، تقوم بها المصالح والمنافع، فمن صرفها في غير وجهها الشرعي فقد ضيّع الأمانة المُلْقاة على عاتقه، وهذا النوع من النفقة لم يضمن الله للمنفق خلفها.
إنّ هذا التوسُّع يُرغم العاجزين ومن ليس لهم مقدرة بالتزام ذلك مجاراة للأغنياء والقادرين، فلو أن الرؤساء والأغنياء الذين هم قدوة لغيرهم التزموا الاقتصاد في النفقات، واتّفقوا عليه، لشكروا على ذلك، وكان فيه خير للمجتمع، قال تعالى في الحَثِّ على هذا السبيل: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ١ فإنك إن قصّرت بالنفقات، وبخلت بالواجبات؛ لامك الناس على الإمساك، ولاموك على البخل، وإن أسرفت في الإنفاق فوق طاقتك، نفد ما عندك، فأصبحت حاسر اليد فارغها. فالاقتصاد من أسباب بقاء المعيشة ودوامها فإنه "ما عالَ من اقتصد".
والسخاء المحمود شرعا: هو بذل ما يُحتاج إليه، وأن يوصل ذلك إلى مستحقّه بقدر الإمكان. وليس كما قيل: "حدّ

١ سورة الإسراء، الآية: ٢٩.

1 / 12