ادبای عرب در دوران جاهلیت و صدر اسلام
أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام
ژانرها
وقد كان زهير - كما عرفوه - قاضيا يصلح بين المتخاصمين، وحكيما ينصح الناس ويرشدهم، ويدعوهم إلى العمل الصالح. وفي شعره أمثلة كثيرة تدل على عنايته بخير مجتمعه القبلي وتقويم أخلاقه. وجميل بالشاعر أن يكون له هدف إصلاحي يتجه إليه، وإن كان الفن يستوحي الحياة على إطلاقها، ويجد كل ناحية صالحة لأن تكون له مادة وصورة. فالشاعر عضو في مرافق الجماعة الإنسانية له رسالة سامية يبلغها بجمال فنه وما فيه من بهجة للنفوس وإرهاف للعواطف، ولكن من الخير أن يجتمع إلى جمال الفن جمال الغاية فيستطيع الشاعر أن يضيف إلى رسالته الأدبية رسالة الإصلاح. وهذا قلما تأتى لشاعر يعتمد أحكام العقل والمنطق، فينصرف إلى سن القوانين الخلقية وضرب الأمثال، فتغلب عليه صفة المعلم الاجتماعي، كما غلبت على زهير؛ لأن طريق الشعر في تطهير الأخلاق غير طريق الوعظ والخطابة. على أن الشاعر يمكنه أن يؤدي رسالته الإصلاحية بأن يكون إنسانيا في شعره فيتصور الخير والجمال دمى في خياله، ويحسهما إحساسا بليغا في أعماق نفسه، حتى إذا أصبحا جزءا من حياته، أو ذاتا من ذاته، أخرج عنهما صورا وأنغاما متعددة الألوان، مؤتلفة الأجزاء، تتحرك فيها عناصر الحياة بما نفحها الشاعر من إحساسه ونفسه، فيتراءى الخير في جماله، والشر في قباحته، وترضى الأخلاق ولا يغضب الفن.
وهذا لا يعني أننا نحاول النيل من لغة زهير وبلاغته، فهو كسائر الجاهليين، مستطيل على الألفاظ والتراكيب، وتمتاز لغته بشدة أسرها، ودقة إحكامها، خاصة عرف بها شعراء مضر لإعراقهم في البداوة، وبعدهم عن الأمصار، ولكن لغته، بروحها واتجاهها وفنها، لغة خطابية منطقية تصلح للشعر الاجتماعي الذي يتصل بالعقل أكثر منه بالخيال والعاطفة، وفيها اعتماد ملحاح على المادة لإظهار الحقائق واضحة ملموسة، على منطق راجح وحب إقناع. وحسبنا أن ننظر إلى عنايته بتبيان مغبة الحرب في صور محسوسة بارزة الخطوط، وإلى مجادلاته ومواعظه وأمثاله بغية الإقناع، ثم إلى فحصه عن مادة اللون وصورته:
علون بأنماط عتاق وكلة
وراد حواشيها مشاكهة الدم
48
لنعلم مبلغ تعلقه بالحقائق على ما يرتضيه المنطق ويقبله العقل. حتى إن المتقدمين - في تفضيلهم إياه - كانوا من أنصار العقل في الشعر فمدحوه بقولهم: «إنه كان واضح الغرض لا يقول إلا ما يعرف.»
فمادية زهير، واعتماده على ما يعرف من الحقائق جعلا شعره واضح الغرض. ويكفي القارئ أن يفهم ألفاظه الغريبة ليستولي على أفكاره ومقاصده، لا أمثاله وآرائه وحدها، بل الأشياء التي يتناولها وصفا وتصويرا، فإنه لتدقيقه في جلائها، جعلها ناتئة الملمس، خالصة من الغموض، على ما فيها من جمال الصورة وبلاغة التعبير:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة
فهن ووادي الرس كاليد في الفم
فزهير في حكمه وأمثاله وجدله ومواعظه، شاعر حكيم، وخطيب اجتماعي، وقاض يرشد ويصلح، ومنظوماته - في كثرتها - ليست من الشعر الخالص، وإن كان لا يعدوها جمال العبارة وحسن التصوير. وربما وجدت فيها برودة وجفافا يتمثل بهما صاحبها الوقور الهادئ الرصين. حتى إن غزله، في هدوئه وصلابته. لا يثير عاطفة ولا يحرك قلبا. يصرف عنايته إلى ذكر الديار الخالية، ووصف فراق الأحبة، ومرافقة الظعائن في انتقالها من مكان إلى آخر. وقلما وصف الحبيبة وأظهر محاسنها. فغزله - في جملته - يدل على أن صاحبه قد تقدمت به السن. قاله في حرب داحس والغبراء أو بعدها، فهو ذكريات شيخ يحن إلى امرأته أم أوفى التي طلقها، أو يأسف لأن العذارى أصبحت تناديه: يا عمي! بدلا من أن تناديه: يا أخي!
صفحه نامشخص