تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك

تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك

ویرایشگر

عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي

ویراست

الثانية

مناطق
سوریه
•
امپراتوری‌ها و عصرها
ممالیک
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
وضمنه:
كتاب النور اللامع فيما يعمل به في الجامع
تأليف
قاضي قضاة دمشق
نجم الدين إبراهيم بن علي الحنفي الطَّرَسوسي
٧٢٠ - هـ ٧٥٨ هـ
دراسة وتحقيق: عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي
النسخ المعتمدة
في التحقيق
اعتمدت في تحقيق كتاب "تحفة الترك " على خمس نسخ، واحدة من برلين تحت رقم ٥٦١٤وأربع من سليمانية استانبول. ورمزت إلى نسخة برلين بحرف "ب ". وإلى نسخ استانبول بالحرف: " س١ "، " س٢ "، " س٣ "، " س٤ ". ١ - نسخة برلين (ب): بها ٥٣ لوحة، في كل لوحة ٢٣ سطرًا، بمعدل ١٠ كلمات بالسطر الواحد. كتبت بخط رقعة جيد ليس بها محو ولا بياض ولا بتر، لم يسجل عليها اسم ناسخها، ولا تاريخ تحريرها ولئن كانت بها أخطاء لغوية ونحوية وإملائية أكثر من غيرها، فإن بها فقرات وجملًا تكمل ما سقط من بعض النسخ الأخرى؛ والراجح أنها لم تراجع من قبل أهل العلم، لأن حواشيها خالية من أي تصويب أو تعليق أو شرح. قدم لها ب: (كتاب تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك من مؤلفات القاضي العلامة المعروف بابن الطرسوسي الحنفي، مواهب الرحمن، قال: وهذا الكتاب من حقه أن يكتب بالذهب لأن فيه علومًا وفوائد وهو من الذخائر النفيسة وله أيضًا كتاب: "الوسائل إلى تحرير المسائل "، وهو كتاب نفيس وله أيضًا: " النور اللامع " وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا آمين يا رب العالمين) . وختم الكتاب بقوله: (وهذا آخر ما قصدته بهذا الكتاب، والله أعلم بالصواب صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا) . ٢ النسخة التركية الأولى " س ١ " في مكتبة السليمانية، قسم فرع أياصوفيا، رقم: ٢٨٥٣؛ عدد لوحاتها ١١٣ لوحة، في كل لوحة ١٣ سطرًا بمعدل ٧ كلمات في السطر الواحد؛ كتبت بخط النسخ كتابة متوسطة، ولكنها واضحة جدًا، أخطاؤها قليلة وإن سقطت منها بعض الجمل والفقرات التي وجدتها في النسخ الأخرى؛ لم يسجل عليها اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها، إلا أن بحاشية صفحتها الأولى دوِّن أنها وقف للحرمين الشريفين، بخط رقعة جيد، هكذا: " قد وقف هذه النسخة الجميلة، سلطاننا الأعظم، والخاقان المعظم، مالك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، السلطان بن السلطان، السلطان الغازي محمود خان وقفًا صحيحًا مرعيًا حرره. .؟ . أحمد الشيخ زاده، المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين غفر لهما ". فالنسخة بهذا قد تكون من عهد السلطان التركي محمود الأول (١٧٣٠م ١٧٥٤م) . يبدو أن هذه النسخة روجعت من قبل بعض ذوي العلم، لأن بحواشيها شروحًا وتعاليق مفيدة وتصحيحات أخطاء، وإن كنت لم أستطع قراءة بعضها. بدئ المخطوط ب: (كتاب تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، تأليف قاضي القضاة العلامة المعروف بابن العز الحنفي، صاحب حاشية الهداية، وله أيضا: كتاب " الوسائل إلى تحرير المسائل " وله أيضا: " النور اللامع " وله غير ذلك، ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه بمحمد وآله آمين. وهذا الكتاب من حقه أن يكتب بالذهب، لأن فيه علومًا وفوائد جمة وهو من الذخائر النفيسة) . وختم الكتاب ب: (والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين) . ٣) النسخة التركية الثانية " س ٢ ": من مكتبة السليمانية فرع برتفنيال رقم ٩٦ " pertevnyal "، لوحاتها ٧٥ لوحة في كل لوحة ١٧ سطرًا، بمعدل ٩ كلمات في السطر الواحد، نوع الخط: تعليق، أخطاؤها نادرة وإن سقطت منها بعض الجمل التي وجدتها في غيرها، ليس بحواشيها شروح أو تعاليق أو تصويبات. جاءت ضمن مجموع، من الصفحة ٧٥ إلى ١١٢. (١٨٨ × ١٢٩ مم، ١٣٩ ×٦٣ مم) . حررها حسن بن حسين بن علي الكاتب بمحكمة تفتيش الحرمين الشريفين، وأتم تحريرها في اليوم السابع من شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين ومائة وألف للهجرة. (١١٧٥ هـ) . ومما يزيد من أهميتها أن ناسخها أشار في ختامها إلى أنها قوبلت تكرارًا مع نسخة المؤلف الأصلية. قدم لها ب: (تحفة الترك، بما يجب أن يعمل في الملك، لشيخ الإسلام بهاء الدين بن علي الطرسوسي رحمة الله عليهما) . وختمت ب: (قال مؤلفه ﵀: هذا آخر ما قصدته، واتفق الفراغ منه يوم الأربعاء رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، رحمة الله عليه رحمة واسعة. وكان الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة، في اليوم السابع من شهر ربيع الآخر لسنة خمس وسبعين ومائة وألف، بيد أفقر الورى، حسن بن حسين بن علي الكاتب بمحكمة تفتيش الحرمين الشريفين غفر الله لهم، ولجميع المؤمنين والمؤمنات بحرمة سيدنا وسندنا محمد (ص) وعلى آله وصحبه أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين. تمت مقابلة بنسخته تكرارا ً) . ٤) النسخة التركية الثالثة " س٣ ": من مكتبة السليمانية، قسم أو فرع حكيم أوغلو علي باشا، رقم ٣٥٥ hakim oglu ali pasa، عدد لوحاتها ٥٣ لوحة في كل لوحة ٢١ سطرًا، بمعدل ١١ كلمة في السطر الواحد، كتبت بخط نسخ جيد جدًا، كتابتها واضحة، ليس بها بتر أو محو أو بياض، أخطاؤها قليلة جدًا، وليس بحواشيها أي شروح أو تعليقات أو تصويبات، سوى أنه دون بعض العناوين الرئيسية في الهامش لزيادة لفت انتباه القارئ. لم يُدَوَّن عليها اسم ناسخها وإن كانت مع " س ٤ " أقدم ما وصلنا إلى الآن؛ فقد تم تحريرها يوم الثلاثاء خامس ربيع الثاني سنة ١١١٩ هـ، إلا أن نسخة " س ٢ " فاقتها بالمقابلة مع نسخة المؤلف نفسه.

1 / 1

جاءت هذه المخطوطة ضمن مجموع للمؤلف نفسه، وفي أول صفحة من المجموع جاء ما يلي: (مؤلفات مؤلف هذا الكتاب: أنفع الوسائل، الفوائد المنظومة وهي هذا الكتاب. وشرحها، وهي ألفية من أبحر مختلفة على قوافٍ متغيرة، الإعلام بمصطلح الشهود والأحكام، الاختلافات الواقعة في المصنفات، رفع الكلفة عن الإخوان في كشف ما قدم فيه القياس على الاستحسان، وله مؤلف في تعدد الجمعة، وله تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك وهو كتاب جليل جدا ً) وقد تضمن هذا المجموع أيضا: الزوائد على الفوائد، رسالة في لبس الحرير، فوائد جمة ومسائل في القراءات العشرة. وجاء مخطوط " تحفة الترك " من الصفحة ١٨٢ إلى ٢٢٣. قدم لها ب: (تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك. قاضي القضاة، نجم الدين تغمده الله برحمته ورضوانه آمين) . وختمت ب: (قال مؤلفه رحمه الله تعالى: هذا آخر ما قصدته، واتفق الفراغ منه يوم الأربعاء رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، ووافق الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء المبارك خامس شهر ربيع الثاني من شهور سنة ١١١٩ من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام الأكملان الأتمان، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وآل كل والصحابة والتابعين. وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) . ٥) النسخة التركية الرابعة " س٤ ": من مكتبة السليمانية، فرع خالد أفندي رقم ٥٣٥ " Halet ef. "، عدد لوحاتها ٥٥ لوحة في كل لوحة ٢٣ سطرًا بمعدل ١٠ كلمات للسطر الواحد، ناسخها يدعى أحمد بن محمد، كتبت بخط نسخ جيد جدًا، كتابتها واضحة قليلة الأخطاء نادرتها، ليس بها بتر ولا بياض ولامحو. ليس بحواشيها أي تعاليق أو شروح أو تصويبات، مع أنها كتبت في الأصل الذي نسخت عنه، لقاضي القضاة محمد أفندي بن حسن كتخدا زاده، الذي تولى قضاء قضاة دمشق قادمًا من حلب في ١١ ذي الحجة سنة ٩٩٨هـ، خلفًا للقاضي مصطفى أفندي ابن بستان، في عهد النائب العثماني سنان باشا الوزير الأعظم بالشام [١] ولهذا تعتبر ذات أهمية علمية، ولتقدم تاريخها عن غيرها مما هو معروف لحد الآن تُعدُّ ذات أهمية تاريخية أيضا. جاءت المخطوطة ضمن مجموع، من الصفحة ١٣٠ إلى ١٥٨ (الأخيرة) . لكن باقي المجموع ليس للطرسوسي، فهناك: أصول الأحكام في النجوم (وهو مخطوط فارسي) ملجأ القضاة للبغدادي، أدب الدين والدنيا للماوردي، تحفة الترك. قدم لهذه النسخة ب: (تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك تأليف شيخ الإسلام، مفتى الأنام ابن علي الطرسوسي الحنفي، رحمة الله عليه ورضوانه آمين) . وختمت ب: (هذا آخر ما قصدته، واتفق الفراغ منه يوم الأربعاء رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، والله أعلم بالصواب، قد من الله تعالى وأنعم بإتمام هذا الكتاب المبارك في يوم الأحد المبارك، الموافق لسادس شهر جمادى الثاني من شهور سنة ١١٣٤، وذلك على يد أفقر العباد إلى الله، أحمد بن محمد غفر الله له وذلك برسم سيدنا ومولانا شيخ الإسلام، فخر قضاة الأنام، مولانا محمد أفندي كتخدا زاده، رزقه الله الحسنى وزيادة، وحفظه وأعطاه في الدارين سؤله، وحفظ عليه من يحب وبلغه مأموله، إِنه على ما يشاء قدير تم) . كما أن هناك نسخة خامسة من مكتبة السليمانية، فرع وهبه البغدادي أفندي رقم ١٠٤٢ في مجلد واحد، وفي حالة جيدة يضم ٤٢ صفحة بكل منها ٢٣ سطرًا (٢٧٤ × ١٩٣ مم)، (١٩١ × ١١٠ مم) الخط: تعليق. ويبدو أن هذه النسخة مطابقة لنسخة " س٣ "، لأن ناسخهما واحد، وتاريخ النسخ واحد، وهما متطابقتان تمامًا حتى فيما ختمتا به وهو: (قال مؤلفه ﵀: ... ووافق الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الثلاثاء المبارك خامس شهر ربيع الثاني من شهور سنة ١١١٩ من الهجرة النبوية؟ .الخ) . وجاء فيها: (بلغ مقابلة بأصله المنقول عنه) . هذه هي النسخ التي اعتمدت عليها في التحقيق وهي شافية كافية [٢]، وقد وجدت لدى مسؤولي مكتبتي السليمانية وبرلين كل تعاون، وحسن سلوك، وأدب ومصداقية وأخلاق سامية، تليق بالمؤتمنين على تراث الإنسانية، مما يجعلهم قدوة لغيرهم في هذا الميدان، فلهم وافر الشكر والامتنان.
منهج التحقيق
في حالة تعدد النسخ، وحاجة كل منها إلى الأخريات، يكون المنهج التلفيقي أوفى بالنتائج وأكثر تحقيقًا للهدف، وهذا ما نهجته في هذا الميدان. سرت في عملي بالخطوات التالية: ١ تحقيق نسبة المخطوطة إلى مؤلفها الحقيقي، وهو إبراهيم بن علي الطرسوسي الحنفي، المتوفى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة للهجرة (١٣٥٧ م) . لاسيما وقد نسبت المخطوطة في نسختي "ب " و"س١ "، إلى ابن العز والصواب غير ذلك. ٢ وضعت للنسخ رموزًا هي: نسخة برلين: " ب ". السليمانية الأولى: " س ١ ". السليمانية الثانية: " س ٢ ". السليمانية الثالثة: " س ٣ ". السليمانية الرابعة: " س ٤ ". ٣ اتخذت من نسخة " س١ " أصلًا تبنيت ترتيب صفحاته، وبنيت عليه المنهج التلفيقي الذي سرت عليه، وصححته من النسخ الأخرى بإضافة الجمل الساقطة، وتصحيح الأخطاء اللغوية والإملائية والنحوية الصرفية، والألفاظ الغريبة أو غير الواضحة أو ما به محوٌ أو بياضٌ. ٤ خرجت شواهد المصنف من القرآن الكريم، وأثبت أرقامها وأسماء سورها. ٥ خرجت الأحاديث النبوية الشريفة، وبينت مراجعها من كتب السنة. ٦ حاولت قدر المستطاع توثيق النصوص التي وردت في المصنف، مقتبسة من كتب الفقه والأصول والعقيدة، وعزوها إلى أماكنها.

[١]- كتاب قضاة دمشق ص ٣٣٦ [٢]- انظر في آخر الكتاب نماذج (رواسم) من نسخ هذه المخطوطات

1 / 2

٧ - حاولت التعرف على مصادر المؤلف، وعرفت بها قدر الإمكان. ٨ أصلحت الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية والصرفية، المشتركة بين جميع النسخ دون أن أشير إليها، إلا عند الضرورة رغبة في التخفيف على الهوامش. ٩ شرحت من ألفاظ النص، ومعانيه ما أراه ضروريًا للفهم، من توضيح لمبهم، أو تجميع لمفرق، أو ترجيح لرأي، أو بيان لوهم، أو مقارنة لاجتهادات بين المذاهب. ١٠ بينت الكلمات والمصطلحات الغريبة، وغير العربية تركية أو فارسية أو عامية، بالرجوع إلى عدة قواميس. ١١ تركت ذكر الفروق بين النسخ في ألفاظ الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبينا محمد (ص)، والترضي والترحم على الصحابة والأخيار، وغير ذلك مما لا يضر ترك ذكره ومما يثقل الهامش. ١٢ ترجمت للأعلام الوارد ذكرها في المصنف قدر المستطاع ترجمة شبه وافية، كي يستفيد منها القارئ، وذكرت بعض أهم مراجع الترجمة لمن أراد التوسع في ذلك. ١٣ أثبت النص المحقق، المستخلص من النسخ كلها، وفق قواعد الإملاء الحديثة. ١٤ أثبت الفروق بين النسخ، في هامش كل صفحة من صفحات النص، مرقمة بأرقام هندية؛ وأثبتت في الهامش الجانبي الأيمن بيان بداية كل صفحة من صفحات المخطوطات مرقمة بأرقام هندية. ١٥ التعليقات والشروح المثبتة في حواشي المخطوطة، أشرت إليها ضمن الفروق بين النسخ في هامش كل صفحة بأرقام هندية، أما الحواشي التي هي من صميم النص فقد أدرجتها في النص وأشرت إلى ذلك في الهامش. ١٦ التعليقات على القسم الدراسي والنص، مما سوى الفروق بين النسخ، رقمتها بأرقام عربية، ودونتها في هامش خاص آخر الكتاب، نظرًا لطولها وأهميتها، وتعذر استيعاب هوامش صفحات النص لها. ١٧ مهدت للكتاب المحقق، بدراسةٍ عن تطور الأوضاع السياسية في الدول الإسلامية منذ وفاة رسول الله (ص) إلى عصر المؤلف، ورصدٍ لحركة تطور الفقه السياسي طيلة الفترة نفسها، وبيان لأهم ما أثارته " التحفة " من مواضيع فقهية وسياسية، وترجمةٍ لحياة المؤلف وأسرته، وشيوخه ومصنفاته، وعصره، ومدى تأثيره، مما رأيته ضروريا لفهم الكتاب ومكانته بين كتب الأحكام السلطانية التي سبقته. ١٨ وضعت ثبتًا لأهم المراجع التي استفدت منها في الدراسة والتحقيق. ١٩ وضعت من الفهارس ما رأيته ضروريًا لزيادة الفائدة.
القسم الدراسي
مدخل إلى عصر المؤلف
تمهيد
يشكل العصر الذي عاش فيه نجم الدين إبراهيم الطرسوسي (١) القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي - نقطة تحول خطيرة في التاريخ الإسلامي؛ ففيه تراكمت كل سلبيات نظم الحكم السابقة، وأنتجت ثمارها في جميع مجالات السيادة والسياسة، والاقتصاد والاجتماع والقوة العسكرية. وكان بذلك قاعدة الارتكاز التي استندت إليها معظم حالات الانهيار والتفسخ، والممارسات المنحرفة التي آلت إليها أوضاع البلاد والعباد؛ من بداية عهد بني أمية، إلى أن اقتسم المماليك أقطارها، ثم ورثها بعدهم آل عثمان. ومن سقوط الأندلس وكافة جزر الأبيض المتوسط في يد الصليبيين، إلى أن سقطت البلاد كلها بيد الاستعمار، في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين؛ ثم تحررت شكليًا منه في إطار دويلات قطرية، تتعاقب عليها - رغم أنف شعوبها - نظم عشائرية أو عسكرية، بنهج وراثي أو انقلابي تحت مظلة الحماية الأجنبية. ولا عبرة بحالات عابرة مرت بها المنطقة منذ عصر الأمويين، أطلق عليها مراحل نهوض ويقظة وتقدم، لأنها لم تكن سوى طفرات عابرة، أثمرتها محاولات فردية فوقية تحكمية، لم تؤسس على قاعدة متينة من نظام سياسي رشيد، أو نضج فكري، أو نظرة عميقة تستشرف المستقبل وتخطط له. في هذا القرن لاحت لدى أمم النصرانية في أوربا مؤشرات التوجه نحو النهضة، بانبعاث الروح الدينية لدى حكامها وشعوبها، مع ما صاحب ذلك من الشعور بالانتماء إلى أرض الأندلس وجزر المتوسط، ومواطن مقدساتهم في الشام، والبغض الشديد للمسلمين الذين اعتبروهم أغرابًا عن دينهم وقومهم وأرضهم؛ فكانت هذه العوامل كفيلة بتوحيد صفوفهم، وتجاوز تناقضاتهم القطرية والعرقية واللغوية، وخلافات أسرهم الحاكمة، من أجل أهداف توحد ولا تفرق ومناهج في مكافحة المسلمين تعصم من التآكل الذاتي، وتوجه لالتهام أراضي الغير وممتلكاته. كما ظهرت لديهم بوادر النضج السياسي، ببروز ملامح دولة المؤسسات، التي تتكامل فيها مراكز القوة ولا تهيمن على بعضها، ويضيق فيها مجال الاستئثار بالقرار والاستبداد بالرأي، فكانت مؤسسة الكنيسة المستقلة بنفوذها لدى الحكام والشعوب، ومؤسسة الإقطاع بقوته الاقتصادية التي تمول الحروب وتستثمرها، ومؤسسة الأسر الحاكمة المحتاجة إلى تزكية الكنيسة وأموال الإقطاع؛ وتكونت من هذه الأقانيم الثلاثة وحدة القرار الأوربي، فتحقق بها مستوى معقول من الرشد السياسي والحربي في الميدانين الداخلي والخارجي، ووضعت أوربا بذلك رجلها في طريق النهضة التي آلت بها إلى حالة الغلبة والهيمنة، التي تعيشها في العصر الحاضر. بدأت أوربا نهضتها من أسفل السلم، من الجهل والضياع، ثم بالتجربة والتعقل وحرية الفكر، تدرجت في معارج النضج والتطور والقوة والرقي. أما المسلمون فبالعكس، وضعهم الإسلام في قمة الرشد السياسي، حرية فكر، ومساواة، وشورى، وسلمًا اجتماعيًا؛ ثم ما لبثوا أن ارتكسوا في رعوناتهم وأهوائهم، وتدحرجوا في مهاوي فتنة الحكم وصراع السلطة، جيلًا بعد جيل، نزوًا على الكراسي ونطًا على العروش، بمختلف الأساليب الهمجية، وراثة وغلابًا.
فترة الرشد السياسي لدى المسلمين
كان الرشد أول عهد المسلمين بأمر الحكم؛ فالقرآن الكريم جعل أمرهم شورى بينهم، لا فرق بين عربي وأعجمي أو أبيض وأسود وأحمر، إلا بالتقوى. والرسول (ص) عندما حضرته الوفاة لم يستخلف أحدًا؛ وكل ما قيل أو روي في موضوع الاستخلاف لا يثبت عند السبر والنقد. والثابت أن المسلمين تركوا أحرارًا في اختيار القيادة الجديدة. إلا أن ولاءهم كان موزعًا بين عدة مراكز للاستقطاب العائلي والقبلي، كما هو شأن المجتمعات القبلية ذات العصبية. فكان أولاهم بالأمر، بمقياس العلم والفقه والعصبية الدينية والعائلية والقبلية، علي بن أبي طالب (٢) ﵁ لدى بني هاشم وقريش والمسلمين؛ وبمقياس عصبية القبيلة والنصرة سعد بن عبادة (٣) لدى الخزرج، وأسيد بن حضير (٤) لدى الأوس؛ وبمقياس عصبية الأسرة والقبيلة والرئاسة في الجاهلية، دهاة بني أمية، أبو سفيان (٥) ومعاوية (٦) ومروان بن الحكم (٧) وحليفهم عمرو بن العاص (٨) . وكان حريًا بكل قبيلة أن تتخذ من زعيمها - إن بويع بالخلافة -، جسرًا لاحتكار السلطة وتداولها بعد وفاته. وكانت قبائل من العرب - ضمنها أهل مكة أنفسهم - يتململون نحو الردة. فلو اجتمعت فتن الردة، والصراع على السلطة، والتشوف لاحتكارها، على المسلمين، لكانت الطامة الكبرى على الإسلام نفسه. وهذا مفتاح فهم تصرفات قادة الصحابة المبرزين بعد وفاة الرسول (ص)، علي وأبي بكر (٩) وعمر (١٠) ﵃. في هذه الفترة الحرجة قيض الله للأمة هؤلاء الأقطاب الثلاثة، أمدهم بالرشد والوعي، وبعد النظر، وإيثار بقاء الإسلام على تحقيق أي مكاسب دنيوية.

1 / 3

أما الأول، علي بن أبي طالب، المعروف ببعد نظره، وعلمه وفقهه وفضله وأحقيته، فقد اتضح له ما يراد بالإسلام، وما ينتج عن دخوله في التنافس على السلطة فاحتفظ بكامل رشده، لم يستفزه الحزن لوفاة الرسول (ص)، ولم يستثره الطموح إلى الزعامة، ولم يستغفله دعاة الشر والكيد للأمة، وآثر بقاء الإسلام على بقاء نفوذ آل البيت الأكرمين، والتمكين للإسلام على التمكين للعترة الطاهرة الشريفة، واشتغل بالإشراف على غسل الرسول (ص)، وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وتنظيم مراسم التعزية والمواساة؛ فلم يحضر سقيفة، ولم يجار أحدًا في حديث عن الخلافة، وفسح المجال بذلك لقيام مؤسسة الخلافة الراشدة، التي هي أمر للمسلمين كافة، والتي هي المحجة السياسية البيضاء في الكتاب والسنة. حرضه عمه العباس (١١) على أن يسأل الرسول (ص) عند احتضاره، عن الأمر فيمن تركه؟ فأبى علي وقال: " والله لا أسألها رسول الله أبدًا " وعرض عليه العباس ثانية بعد وفاة الرسول (ص) وقبل السقيفة، أن يبايعه على ملأٍ من الناس، فيقولون: " عم رسول الله بايع ابن عمه "، فلا يختلف عليه أحد، فرفض ذلك أيضًا. وعندما بويع أبو بكر أتى أبو سفيان عليًا - كرم الله وجهه - وقال له: " إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف (١٢)، فيم أبو بكر من أموركم؟، أين المستضعفان؟ أين الأذلان، علي والعباس؟ ما بال الأمر في أقل حي (١٣) من قريش؟ ". ثم قال لعلي: "ابسط يدك أبايعك، فوالله لو شئت لأملأنها عليه خيلًا ورجلًا "، فأبى علي ﵁، فتمثل أبو سفيان بشعر المتلمس (١٤): ولن يقيم على خسف يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يبكي له أحد فزجره علي وقال: " والله إنك ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرًا، ولا حاجة لنا في نصيحتك ". وعندما مارس أبو بكر مهامه في تسيير أمر المسلمين، وخرج شاهرًا سيفه للمشاركة عمليًا في حرب الردة، كان علي - كرم الله وجهه - أشد الصحابة حرصًا على أمنه وسلامته، لما في ذلك من أمن للإسلام وبقاء له. اعترض سبيل أبي بكر وثناه عن عزمه قائلًا: " شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام "، فرجع أبو بكر وأمضى الجيش. وعندما بايع الناس عثمان (١٥) قال له عبد الله بن عباس (١٦): " قد خدعوك حتى رضيت بخلافة عثمان "، فقال علي: " إنهم لم يخدعوني، بل إني رأيت الجميع راضون به، فلم أحب مخالفة المسلمين حتى لا تكون فتنة بين الأمة ". وبعد مقتل عثمان ﵁، اجتمع أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فأتوا عليًا فقالوا له: " إنه لابد للناس من إمام "، فقال: " لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت به "، فألحوا عليه فبالغ في الرفض وقال: " لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا "، فقالوا: " والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك "، فقال: " لا حاجة لي في البيعة، دعوني والتمسوا غيري. " ولما بالغوا في الإلحاح قال لهم: " عليكم بطلحة (١٧) والزبير (١٨) "، ثم ذهب معهم إلى طلحة وطلب منه أن يبسط يده ليبايعه الناس فرفض وعرض الأمر على الزبير فرفض، وأصر الجميع على مبايعة علي. بهذه الروح العالية، والنظرة البعيدة، والتقوى العميقة، نظر الإمام علي إلى أمر الحكم، فجنب المسلمين كوارث وفتنًا، ما لبثوا أن وقعوا فيها بإرادة من جاء بعد صفوة الصحابة ممن ملأ حب السلطة قلوبهم. وليس بغريب هذا الرشد وعلو الهمة من الإمام علي، فهو نتاج تربية النبوة، وهو الذي لم يسجد لصنم قط، وهو الصبي الذي نشأ في عبادة الله، فلم يختلط في قلبه وذهنه أبدًا جاهلية بإسلام. أما القطب الثاني، أبو بكر ﵁، فإنه بادر بالالتحاق بأهل سقيفة بني ساعدة درءًا للفتنة، ولكنه لم يدع وصية من الرسول (ص)، ولم يحتج بآية أو حديث على أحقية قريش بالأمر من دون الأمة؛ وإنما برر ذلك بالمصلحة، وضرورات العقل وتجنب النزاع؛ ثم عندما روى حديث: " لا نورث، ما تركناه صدقة " كرس مفهوم انتفاء وراثة النبي (ص) مالًا ونبوة وسلطة (١٩) . ثم عندما بويع، أكد عدم تميزه عن المسلمين بقوله: " وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؟ (٢٠) "، فكان ﵁ بحلمه ودماثة خلقه وحكمته وعلمه بطبائع الخلق وأنساب العرب وعصبياتهم، وما اقتبسه من نور النبوة، بلسمًا للمسلمين، جنبهم الفتن في أشد فترات نشأة دولتهم حرجًا، وحال دون هيمنة الأسر القوية على شؤون الحكم، وسد ذرائع تُحَوِّلُ أمره إلى نظام وراثي استبدادي. وعند وفاته لم يحاول الاستخلاف إلا خوف الفتنة، ومجاراة لرأي المسلمين الذين ألحوا عليه فيه. ومع ذلك عندما أمر عثمان بكتابة وصيته، قال له: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين " ثم أغمي عليه لشدة مرضه، وربما لكراهيته الاستخلاف، فأضاف عثمان إلى الكتاب وأبو بكر في غيبوبة: (فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آل خيرًا) ثم أفاق أبو بكر فأقر ما كتب عثمان (٢١) . وبالرغم من أن بعض الصحابة يوم اشتد المرض برسول الله (ص) وقال لهم: " ائتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعدي أبدًا "، تنازعوا وارتفعت أصواتهم وقال عمر: " إن رسول الله (ص) قد اشتد به الوجع، وعندكم القرآن " فأمرهم الرسول (ص) بالخروج فلما ندموا ورجعوا إليه، وقد هموا بامتثال أمره، قال لهم: " دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه " (٢٢) .

1 / 4

وبالرغم من أن الوصية لا تجوز في ما لا يملكه المرء، وأمر المسلمين ليس ملكًا لأبي بكر، كما أن وصية المرء في ماله لا تجوز إلا في الثلث، ولغير الورثة، وعند انتفاء الضرار، وبالرغم من أن الوصية بالاستخلاف أمر استحدثه أبو بكر اجتهادًا منه للمسلمين لرأي رآه غالبيتهم ونصحوا به، وألحوا عليه فيه، جمعًا للكلمة واتقاءً للفتنة، فإن المسلمين عندما تلقوا عهد أبي بكر لعمر، لم يتنازعوا كما تنازعوا عند رسول الله (ص)، وبايعوا عمر، وتجنبوا بذلك فتنة ما كانت لتذر أخضر ولا يابسًا. وعندما ولي عمر أمر المسلمين، سار على النهج نفسه، مكرسًا مساواة المسلمين في الحقوق والواجبات فلم يستأثر برأي، ولم يستكبر عن مشورة، وأبقى على مؤسسة الخلافة ملكًا للجميع سواسية. وهو وإن اعتمد في الفقه والقضاء والسياسة على آل البيت، فكان يستفتي عبد الله بن عباس على صغره، ويقول له: " غص يا غواص "، ويستشير عليًا في الأمر كله، ويقول عنه عندما نهاه عن رجم من ولدت لستة أشهر، وعن رجم المرأة الحامل: " لولا علي لهلك عمر "، فإنه سار في أمر توزيع المسؤوليات التنفيذية على نهج يبعد عنها بني هاشم، بإسناده أهم الولايات إلى غيرهم حذر أن تتحول المناصب جسرًا للاستئثار بالسلطة وتوارثها، لا سيما وهم أقرب الناس إلى استحقاقها. ثم لما حضرته الوفاة نصحه بعضهم باستخلاف ولده عبد الله (٢٣)، فأبى بشدة، وقال: "حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر شئ ". ثم التفت إلى ولده عبد الله فقال له: " يا عبد الله، إياك ثم إياك، لا تتلبس بها ". ثم كان آخر وصيته ألا يتحول أمر المسلمين إلى وراثة؛ فقال لعلي - رضى الله عنه -: " لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله (ص)، وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس " وقال لعثمان: " يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله (ص) وسنك وشرفك وسابقتك، فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس ". وما كان عمر ينوي أن يوصي لأحد، لولا إلحاح المسلمين وإصرارهم، فهو عندما طالبوه بالاستخلاف أول الأمر، قال لهم: " والله لا أحملكم حيًا وميتًا " (٢٤) . أما في أواخر عهد عثمان ﵁، فقد حاد نظام الحكم عن النهج الرشيد، واستبدت قبيلة الخليفة من وراء ظهره بالأمر؛ فبدأ السوس ينخر مؤسسة الخلافة من داخلها، وتغلب الانتماء العائلي على الانتماء للجماعة، فكانت الفتنة التي ذر قرنها باغتيال عثمان مظلومًا، ثم باغتيال علي شهيدًا. بعد أن رفض بإصرار أن يستخلف، اقتداءً منه برسول الله (ص)، الذي لم يستخلف كما أخرج ذلك أحمد في مسنده بتحقيق أحمد شاكر (٢/٢٤٢ رقم ١٠٧٨) بإسناد صحيح، عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع،قال: " سمعت عليًا يقول: " لتخضبن هذه من هذا، فما ينتظر بي الأشقى؟ " قالوا: " يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبير عترته "، قال: " إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي "، قالوا: " فاستخلف علينا "، قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (ص) " قالوا: " فما تقول لربك إذا أتيته؟ "، وقال وكيع مرة: " إِذا لقيته "، قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم ". ثم تحول أمر المسلمين بعد ذلك ملوكية وراثية استبدادية؛ على يد بني أمية سفيانيين ومروانيين، ومن رضي من دينه بأكلة دسمة أو دينار ذهب، أو درهم فضة. ثم وضع السيف في أمة محمد ﵊، وكل من أنكر بيده أو لسانه أو قلبه. وبذلك تحقق ما أخبر به (ص) بقوله: " لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وأولهن نقضًا الحكم " (٢٥)؟ وقوله: " وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة " (٢٦) . ولعل ما أصاب المسلمين إلى اليوم من محن بسبب فتنة الحكم، عقاب إلهي، لما تنازعوا أمام النبي (ص) عند احتضاره، ولا ينبغي عند نبي تنازع، ولعله لحِكَمٍ أخرى يعلمها الله وحده. وتربع معاوية على أريكة الملك الذي أسموه خلافة، وتخلص من مناوئيه بالسيف تارة، وبالرشوة أخرى؛ وشفى غيظ قومه باضطهاد آل البيت، وتسميم أعيانهم، ولعنهم على المنابر. ثم جمع الأتباع على بيعة ولده الفاسق " يزيد " (٢٧)، وأكره كرام الصحابة على ذلك تحت بارقة السيف؛ بل حتى عبد الله بن عمر ﵁ الذي بايعه وبايع يزيد، قتله الحجاج بن يوسف غيلة بأخس ما تتفتق عنه ذهنية شيطان (٢٨) . وخلف معاويةَ ولدُه يزيد، فشرب الخمر وجاهر بالفاحشة، وواصل قتل آل البيت واضطهاد الصحابة، واستباحة الحرمين الشريفين - مكة والمدينة -؛ فكان بذلك عهد بني أمية بابًا للفتنة الصماء التي هاجت وماجت بالأمة، ومازالت تعيث فيها إلى عصرنا الحاضر، وفيما يستقبل إن لم يتداركنا الله بالرشد، ويهدنا للعودة إلى نبع القرآن الكريم.
فترة الفتنة السياسية
انتقضت عروة الحكم على يد بني أمية، فلم يحل ذلك دون انتشار الإسلام وتوسع رقعته، وامتداد آفاق الفتح ونور الدعوة؛ لأن قوة الدفع وزخم الاندفاع من عهد النبوة بقيا فاعلين في جميع الميادين الدعوية والثقافية والسلوكية والجهادية لقرون عدة، مكث فيها الملوك والسلاطين في قصورهم بين الجواري والغلمان، وانصرف خلالها الصادقون إلى ما هو خير لهم من فتنة الحكم، إلى الفتح والدعوة وتبليغ رسالة الإسلام. فأسسوا حضارة، وأناروا قلوبًا وعقولًا، وامتد بذلك نفوذ الإسلام من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. إلا أن هذه الاندفاعية أخذت تفقد قوتها بفساد السلطة، وابتعاد الأمة عن مركز الانطلاق، مكانًا وزمانًا، وثقافة وسلوكًا، وبمحاولات التشويه والتحريف والالتفاف على النصوص، ووضع الأحاديث والأخبار لأغراض سياسية. فتفرقت الأمة أحزابًا ومللًا ونحلًا واتخذت كل طائفة من الكتاب والسنة بتأويل يخدم هدفها، ومن الآثار الموضوعة والمنكرة والضعيفة مستندًا ومرجعًا؛ فأدى ذلك كله إلى الانشقاق في السلطة السياسية المركزية، وانفراط عقد الدولة الإسلامية الواحدة، وأخذت تظهر في أطراف المملكة الأموية ثم العباسية بعدها دويلات مستقلة؛ فظهرت في الغرب الإسلامي: دولةالأمويين بالأندلس سنة ١٣٩ هـ - ٧٥٦ م والأدارسة بالمغرب سنة ١٧٢ هـ - ٧٨٨ م والأغالبة بتونس سنة ١٨٤ هـ - ٨٠٠ م والطولونيين بمصر سنة ٢٥٤ هـ - ٨٦٨ م والفاطميين بمصر سنة ٢٩٨ هـ - ٩٠٩ م والإخشيديين بمصر سنة ٣٢٣ هـ - ٩٣٤ م والكلبيين بصقلية سنة ٣٣٦ هـ - ٩٤٧ م

1 / 5

ودول أخرى كالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والوطاسيين، والسعديين والحفصيين والزيانيين، وأخريات مكروسكوبية لا تكاد تذكر أو تظهر. وفي الشرق الإسلامي ظهرت: الطاهرية بخراسان سنة ٢٠٥ هـ - ٨٢٠ م والصفارية بفارس سنة ٢٥٤ هـ - ٨٦٨ م والزيارية بجرجان سنة ٣١٦ هـ - ٩٢٨ م والسامانية بفارس وما وراء النهر سنة ٢٦١ هـ - ٨٧٤ م والبويهية بفارس سنة ٣٢٠ هـ - ٩٣٢ م والغزنوية بأفغانستان والهند سنة ٣٦٦ هـ - ٩٧٦ م والمزيدية بالجزيرة وما بين النهرين سنة ٤٠٣ هـ - ١٠١٢ م والمرداسية بحلب سنة ٤١٤ هـ - ١٠٢٣ م والسلجوقية بإيران وبلاد الروم سنة ٤٢٩ هـ - ١٠٣٧ م والأرتقية بماردين وديار بكر سنة ٤٨٣ هـ - ١٠٩٠ م والخوارزمية بإيران سنة ٥٣٣ هـ - ١١٢٧ م والأيوبية بمصر سنة ٥٦٧ هـ - ١١٣٨ م والمملوكية بمصر والشام سنة ٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م ثم بعد الغزو المغولي قامت دويلات ضعيفة لا تكاد تعرف أو تؤثر، وبقي أمر المسلمين في تآكل وانهيار مستمرين، برغم قيام مملكة آل عثمان وجهودها التوحيدية؛ إلى أن سقطت البلاد كلها بيد الاستعمار الأوربي الصليبي غربًا، والسيطرة الروسية قيصرية وشيوعية شرقًا، ثم بعد حين أعلن الاستقلال في إطار دول قطرية غرست فيها جميع مفاسد المستعمرين، وعريت عن كل محاسنهم، وتحكمت فيها أنظمة يعرف رؤساؤها أنفسهم، وتعرفهم شعوبهم، وما لعطر بعد عرس من خفاء.
عصر المؤلف
كان لزامًا أن نقدم بهذا الموجز المختصر لمسيرة الأمة في الميدان السياسي، منذ تخلت مكرهة عن نظام الشورى، بما فيها من ضمانات الوحدة والتكافؤ والمساواة، وحرية الرأي والاختيار والتعلم والعمل والكسب. وقد اكتفينا بالخطوط العريضة، لأن من التطويل الممل الاستطراد بالجزئيات والتفاصيل؛ كاستعانة الحكام بمرتزقة الأجناس والأديان، وحرصهم على احتكار الأموال والأقوات، وانكبابهم على المتع الحسية المحرمة، وعدم تورعهم عن قتل آبائهم وأبنائهم وأرحامهم وخيانة عهودهم في سبيل الملك، وغير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره، وإن كان من عوامل الانحطاط والتفسخ أيضًا. أما إيجابيات العصور الإسلامية في مجالات العلوم والفنون والآداب والحكمة والفقه والأصولين، والحديث والتفسير والتاريخ وغيرها، فإنها لم تكن أبدًا ثمرة للنظم الحاكمة، وإن تبنتها في بعض العصور لأغراض سياسية؛ بل كانت بفضل جهود المستضعفين من جمهور الأمة، الراغبين عن الأبواب، المبتعدين بدينهم ودنياهم عن مواطن الفتن. ولئن كان قلة من الفقهاء قد ركنوا إلى السلطة وأهلها فلكل منهم تأويله الخاص.

1 / 6

وإذا ما اتجهنا إلى عصر المؤلف - الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي - لدراسة بيئته التاريخية، ألفيناه ينقسم سياسيًا إلى ثلاث مناطق تختلف عن بعضها شكلًا، وتتشابه في التمزق والتآكل والانحطاط مضمونًا. فهناك صدر الوطن الإسلامي أو قلبه - مصر والشام، وكان بيد المماليك الترك والشركس، البحرية ثم البرجية. وهناك الغرب الإسلامي، الأندلس التي كانت تحتضر، وأقطار المغارب - طرابلس وتونس والجزائر والمغرب - التي تموج بحروب زناتة وبني هلال (٢٩) وسليم (٣٠) ومعقل (٣١) ورياح (٣٢) وحفص وغيرهم. ثم هناك شرقًا، الأرض المحروقة بعد الغزو المغولي، ما وراء النهرين،حيث إيران والهند والسند، وأفغانستان وما إليها؟ .
الشام ومصر
المماليك لغة: الأرقاء، ج مملوك، وهم حكام مصر والشام في هذا العصر. وظاهرة حكم المماليك في الدولة الإسلامية من الظواهر الغريبة التي ندر حدوثها في التاريخ؛ وإن كانت الأحداث التي سبقتها قد مهدت لها طبقًا لسنن الاجتماع البشري وقواعده. ونظام الرق معروف لدى جميع الشعوب، ومنهم العرب. وكان مصدره التقليدي الأسر في الحروب، والقرصنة والاختطاف من البلاد النائية والبدائية؛ لا سيما في فترات المجاعة والكوارث الطبيعية. وعندما بعث الرسول (ص) وجد نظام الرق أحد أهم دعائم الاقتصاد في المجتمع الجاهلي، فوضع الإسلام لتصفيته تشريعات متدرجة، كفيلة بتصفيته. أغلق أولًا باب الرق مما سوى الحروب التي كانت خاضعة لقانون المعاملة بالمثل، وحرم الاسترقاق بالاختطاف والقرصنة ومختلف أساليب التعدي (٣٣)، ثم كفل للأسرى - الرقيق الحربي - مجالًا واسعًا إنسانيًا، يتمتعون فيه بحريتهم الدينية والفكرية والعلمية والإنتاجية، وحقوقهم البشرية زواجًا وطلاقًا وإنجابًا وكسبًا، وهو ما لم توفره لحد الآن، أمة من الأمم للأسرى على مدار التاريخ؛ كما فتح لتحريرهم من الرق أبوابًا أخرى لم تفتحها لهم أمة أبدًا، عتقًا بمختلف الكفارات، وعتقًا إذا اعتدي عليهم بالضرب أو اللطم، وعتقًا بالتطوع والفداء، والمن والمكاتبة. وسار التشريع الإسلامي في هذا المجال إلى أبعد الحدود، فجعل هزل العتق جدًّا، حفاظًا على كرامة الأسرى وحماية لهم من الهزل والسخرية. ولو استمرت أحوال المسلمين طبقًا لما شرعه الإسلام في هذا المجال، لصفي الرق في وقت مبكر من تاريخ الإنسانية. لكن ملوك المسلمين استطابوا خدمات الرقيق إناثًا وذكورًا، وضربوا بتعاليم الإسلام في أمره عرض الحائط، وشجعوا استجلابه بكل الوسائل والطرق غير الشرعية وغير الإنسانية، واستخدموا العبيد والإماء في خدمات الأرض، والفلاحة والإسطبلات والبيوت، وفي الأعمال (الترفيهية) غناء ورقصًا؟. برز هذا الاتجاه في عهد المعتصم العباسي (٣٤)، وكانت أمه تركية، حيث اعتنى باقتناء أطفال الترك واستخدامهم في حرسه وجنوده، اتقاء لخطر العرب الساخطين، والفرس الناقمين؛ وكان يجلبهم من أقاليم ما وراء النهر، من سمرقند وفرغانة والسند، وأشروسنة والشاش والقوقاز، فبلغ ما اقتناه منهم بضعة عشر ألفًا حكم بهم البلاد، ثم ما لبث هذا الجيش أن صار وبالًا على العباسيين أنفسهم. وعقب ذلك نشط سوق الرقيق لدى جميع الدويلات المنشقة عن السلطة المركزية، فاتخذه الطولونيون والإخشيديون والأيوبيون، وغيرهم في مشارق الوطن الإسلامي ومغاربه؛ ولم يقتصر امتلاكه على الملوك والسلاطين، بل شغف به قادة الجيش والأمراء والأغنياء والفقهاء، حتى صار الرق سمة رقي ورفعة ونبل؛ فاتسعت مصادره باتساع تجارته، وشملت أعالي نهر جيحون وخوارزم ونيسابور ومرو، وبلغاريا العظمى الممتدة من بحر قزوين إلى الأدرياتيكي، عبر ميناء الدربند - باب الأبواب - عاصمة أذربيجان، وجميع طرق التجارة في ذلك العصر، كما اتخذت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والأندلس والسلوفاك وبولونيا وروسيا والقسطنطينية طرقًا أخرى لهذه التجارة؛ ونشط اليهود - كعادتهم - في هذا المجال، خاصة يهود سكسونيا الشرقية، وأنشؤوا مراكز تجمع للرقيق، ومراكز خصاء، وأسواق نخاسة خاصة للكبار والأعيان، وأسواقاعامة لغيرهم. وكان " السادة " يتسلَّمون مماليكهم أطفالًا، ويسلمونهم في أوقات فراغهم من الخدمة إلى فقهاء يربونهم على الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم، ثم يلحقونهم بدورات للتدريب على الفروسية والقتال، ثم يلتحقون بالخدمة العسكرية، ويرقون فيها بالتدريج، من الإسطبلات إلى الحراسة الأمنية، إلى قيادة عشرة، إلى إمارة السرايا والجيوش، إلى الإمارة على بعض المرافق السلطانية. وشكلت فرق المماليك في عهد الفاطميين قوة هائلة كبحت جماح العناصر العربية في كل المجالات. ثم بعد تصدع دولة السلاجقة (٣٥) نجح مماليكهم " الأتابكة (٣٦) " في إقامة عدد من الدويلات، مثل أتابكية دمشق، وأتابكية الموصل وأتابكية أرمينية، وأتابكية أذربيجان؟. ثم قامت دولة نجم الدين أيوب (٣٧) في مصر، واستكثر من المماليك الأتراك، وكون منهم معظم جيشه؛ فلما مات وقتل ولده توران (٣٨)، خلفته على سلطنة مصر سنة ٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م، حظيته المملوكة شجرة الدر، فتزوجت وزيرها المملوك عز الدين بن أيبك؛ وبعد أن قَتَلَتْ زوجَها ثم قُتِلَتْ عقبه، تتابع المماليك على سلطنة مصر إلى سنة ٩٢٣ هـ - ١٥١٦ م وكان منهم في عصر المؤلف - النصف الأول من القرنين الثامن الهجري، والرابع عشر الميلادي - على التتابع، ابتداء من سنة ٦٩٨ هـ - ١٢٩٩م: ركن الدين بيبرس الثاني - الناصر محمد بن قلاوون - المنصور بن الناصر - الأشرف علاء الدين كجك بن الناصر - شهاب الدين بن الناصر - الصالح إسماعيل بن الناصر - شعبان الأول بن الناصر - حاجي الأول بن الناصر - الحسن بن الناصر - صلاح الدين بن الناصر - الحسن بن الناصر في ولايته الثانية التي دامت من ٧٥٥ هـ - ١٣٥٤ م، إلى سنة ٧٦٢ هـ - ١٣٦١ م، وفي عهده توفي المؤلف نجم الدين الطرسوسي سنة ٧٥٨ هـ. وكون المماليك في مصر عصبية متينة لا عهد للأمة الإسلامية بها، هي عصبية الرق، بعد أن تفتتت عصبية الدين مللًا ونحلًا، وعصبية الدم قبائل وشعوبًا؛ وساعد على تقوية عصبية الرق وتمتينها عدة عوامل، أهمها الحياة القاسية التي عاشها المماليك في صغرهم؛ فقد اختطف أكثرهم وانتزعوا من أسرهم صبية، وذاقوا مرارة الغربة والشتات والرعب، وتجرعوا قسوة الخصاء والنخاسة، ومهانة الاستخدام لدى الأمراء والأغنياء، وتناقض الدين الجديد الذي لقنوه مع واقع الأسياد الذين انتحلوه، فجففت هذه المحن قلوبهم من الرحمة واللين، والوفاء والشفقة، وملأتها حقدًا على غيرهم، سواء من الأسياد، أو من الشعوب العربية الخانعة لهؤلاء الأسياد. فلما استولوا على السلطة كونوا من بني (رقهم) جيشًا ضاربًا قويًا، وتمسكوا بالحكم، ودافعوا عنه بشدة؛ وكان منهجهم في ذلك القتل بالشبهة، والاستئثار بالأموال والإقطاع وسائر الخيرات، وترك العامة لمصيرهم المظلم جوعًا وفاقة وجهلًا ومرضًا؛ واستعانوا بطائفة من الفقهاء في الميادين المتعلقة بشؤون العامة، قضاء وحسبة وأوقافًا ووعظًا وتدريسًا، وتنفيذًا للشريعة مواريث وأنكحة وحدودًا وتعازير.

1 / 7

فكان الحكم في هذا العهد بين طائفتي المماليك والفقهاء، المماليك في السلطة والسياسة والمال والقوة العسكرية، والفقهاء في الشرع وأحكامه، وتوظيف استنباطاته لترويض العامة وحملهم على طاعة ولي الأمر. كما استحدث المماليك أسلوبًا شيطانيًا لضمان ولاء الفقهاء وضبطهم والتحكم فيهم، أسلوبًا مبنيًا على التفرقة وتسليط بعضهم على بعض، وإخضاع بعضهم ببعض، فعينوا لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة قاضي قضاة له نواب في المناطق النائية. (٣٩) ووزعوا قضاء العسكر والحريم والأوقاف والنظارة والحسبة على فقهاء السنة، وحرضوهم على بقايا التشيع التي تركها الفاطميون في المنطقة؛ فكان الرجل ينتقد الفساد المستشري، فيتهم بشتم الصحابة أو التشيع، وتقام عليه الحجة بعدول (٤٠) (الوقت)، ثم يحال على القاضي المالكي الذي يجيز قتل ثلث الأمة استصلاحًا. ثم أذكوا نار التحاسد والبغضاء بين فقهاء السنة أنفسهم، وألقوا إليهم الأموال، فتكونت من بعضهم طبقة من الأثرياء لا هم لهم إلا التنافس على ثلاثة مكاسب دنيوية: أيهم أكثر ولاء للمماليك واستنباطًا للأحكام التي تضفي الشرعية على نظامهم وتصرفاتهم، فيزداد قربًا منهم وتمكينًا لديهم، وأيهم يكون أكثر أموالًا وأتباعًا من غيره، وأيهم يؤلف الكتب ويهديها إلى كبار رجال السلطة فترتفع منزلته عندهم. ثم استحدث المماليك سلاحًا آخر لضبط العلماء، هو عبارة عن مجالس تأديبية منهم، لمحاكمة بعضهم بعضًا؛ فكان الفقيه إذا أظهر تأففًا أو إنكارًا لمنكر، أو بدا منه ما يشير إلى صحوة ضمير، استغلت خلافاته الفقهية الاجتهادية مع منافسيه وخصومه من الفقهاء، وانتحلت له تهمة مخالفة الشرع، وعقد له مجلس من قضاة المذاهب وفقهائها، ثم عوقب تشهيرًا أو جلدًا أو سجنًا؛ وقد ذهب ضحية هذه الأساليب القمعية أعيان من الفقهاء المجتهدين الأفذاذ، على رأسهم ابن تيمية (٤١) ﵀. إن عصر المماليك هذا كانت له آثار سلبية مدمرة، في عدة ميادين اجتماعية واقتصادية وثقافية، إلا أن منجزاته في مجال الدفاع عن أرض الإسلام كانت إيجابية ورائعة وليس لها مثيل؛ ذلك أن الحياة القاسية التي عاناها المماليك في صباهم، والتربية الدينية والعسكرية التي نُشِّئوا عليها، كونت منهم مقاتلين أشداء، وفرسانًا أقوياء، ومدافعين عن سلطانهم مستميتين؛ واجهوا المغول وألحقوا بهم الهزائم، وأوقفوا زحفهم، وواجهوا بقايا الصليبيين في الشام، وأجلوهم عن المنطقة نهائيًا. وفي الوقت الذي انحسر فيه النفوذ العربي عن السلطة في مشارق الوطن ومغاربه، وانكفأ العرب في غمار العامة المستضعفين، قيض الله للأمة هذه الطائفة من الأعاجم الغرباء، قاتلوا أعداءها وجاهدوهم، فأبلوا في ذلك البلاء الحسن. وإذا ما استعرضنا الوضع العسكري في ظروف قيام دولة المماليك، تبين لنا أن البلاد كانت بين مطرقة المغول شرقًا، وسندان الصليبيين غربًا؛ فنصارى أوربا برغم هزيمتهم على يد صلاح الدين، بقيت لهم في الساحل الفلسطيني حصون ومستعمرات كثيرة، مثل طرابلس وصور وحيفا وصيدا وغيرها؛ كما ظلت الحملات الصليبية تتوالى على الشام ومصر وسواحل إفريقية؛ فكانت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ملك ألمانيا هنري السادس سنة ٥٩٤ هـ - ١١٩٧ م، والحملة الرابعة بجنودها من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا سنة ٥٩٨ هـ - ١٢٠٢م، والحملة الخامسة بقيادة لويس التاسع وجان دي بريين ملك بيت المقدس (٦١٦ هـ - ١٢١٩م)، والحملة السادسة بقيادة ملك صقلية فريدريك الثاني، بعد أن دعاه الملك الكامل محمد ليسلم إليه ثانية بيت المقدس، نظير أن يساعده ضد أخيه المعظم عيسى (٦٢٤ هـ - ١٢٢٧ م)؛ ثم استرجع بيت المقدس منهم الناصر داود في ٦ جمادى الأولى سنة ٦٣٧ هـ - ١٢٤١ م، والحملة السابعة التي قادها لويس التاسع على مصر سنة ٦٤٦ هـ - ١٢٤٨م وانتهت بهزيمته وأسره، على يد القائد المملوكي بيبرس البندقداري (٤٢) . وفي أول عهد المماليك أيضًا (١٩ محرم ٦٥٦ هـ - ١٢ /٢/ ١٢٥٨م)، دخل المغول (٤٣) بقيادة هولاكو بغداد واقتحموا أسوارها، وأحاطوا بقصر الخليفة المستنصر العباسي يرشقونه بالنبال، فلم يشعر الخليفة بسيطرتهم على مقر الخلافة إلا بعد أن أصيبت بسهم من النافذة، جاريته " عرفة " التي كانت ترقص أمامه وتضاحكه، كما ذكرذلك ابن كثير في البداية والنهاية (٤٤) . وبدلًا من أن يناصر حكام المسلمين بعضهم في هذه المحنة، أرسل سلطان دمشق الناصر بالهدايا إلى هولاكو ببغداد، والتمس منه المساعدة على استخلاص مصر من المماليك، فكان جواب هولاكو أن غزا ديار بكر وآمد، وحران والبيرة وحلب وفتحها قهرًا، ثم حاصر دمشق فهرب الناصر، وسلمها أعيان الفقهاء إلى المغول، نظير وعود كاذبة لم يوف بها (٤٥) . هذا هو الوضع العسكري الذي وجد المماليك أنفسهم فيه؛ ولكنهم كانوا أهلًا لمقارعته ومغالبته. فما أن استتب الأمر للمملوك قطز (٤٦) حتى أخذ في جمع الأموال والأقوات وتجييش الجيوش والتحريض على الجهاد؛ ثم توجه لقتال المغول ببطولة نادرة، فهزمهم بعين جالوت يوم الجمعة ٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ - ١٢٦٠م، ثم ضم عقب ذلك الشام من الفرات إلى سلطنة مصر. وواصل خلفه بيبرس بنفس الشجاعة والإقدام مقاومته المغول، وجحافل الصليبيين، وحلفائهم الأرمن والحشاشين الباطنية، فافتتح ما يقرب من ستين بلدًا وحصنًا. وكانت معاركه ضد الصليبيين ٢١ معركة، وضد التتار ٩ معارك، وضد الأرمن ٥ معارك، وضد الحشاشين ثلاث معارك، انتصر فيها كلها. وفي عهد خلفه قلاوون استرد حصن المرقب، وأسقطت إمارة طرابلس الصليبية. وفي عهد ابنه الأشرف فتحت عكا سنة٦٩٠ هـ، واستردت صور وحيفا وعتليت وانطرسوس وصيدا؛ وانتهى بذلك الوجود الصليبي في الشام. وفي بداية القرن الثامن الهجري (٢ رمضان ٧٠٢ هـ)، حقق الجيش المملوكي نصرًا آخر مؤزرًا على المغول في مرج الصفر عند قرية شقحب قرب دمشق، فتوقف بذلك المد المغولي عند العراق وفارس. وبعد إجلاء الصليبيين عن الشام، اتخذوا من جزر قبرص وأرواد ورودس، قواعد لتوجيه العدوان على الشواطئ الإسلامية، بقيادة بطرس الأول ملك قبرص، وفرسان رودس والبندقية، في سنتي ٧٦٧ هـ، ٧٦٨ هـ؛ فتصدى لهم المماليك وردوهم. ثم عقدت بين الطرفين معاهدة صلح سنة ٧٧٢ هـ - ١٣٧٠م. وكانت أهم نتائج جهاد المماليك دحر الأعداء المتكالبين على الأمة من شرقها وغربها، وتوحيد الشام بمصر؛ وهذا بحق أعظم إنجاز تحقق في تلك العصور (٤٧) .
الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية
في عهد المماليك
جمع المماليك بين طرفي نقيض، الرق والإمارة؛ وتعايشت في نفوسهم نزعتا الشعور بالاضطهاد الذي نالهم في صباهم، والاعتزاز بالجاه الذي نالوه في كبرهم، فولَّدَ ذلك لديهم حقدًا واستكبارًا على الأمة التي استعبدتهم صغارًا، وخضعت لهم كبارًا. واحتفظوا - نتيجة هذا الشعور - بمميزاتهم الشخصية والعرقية، ولغتهم الأجنبية ومجالسهم العائلية، فلم يختلطوا بالعامة ولم يثقوا بهم، وعاشوا حياة مزدوجة، حياة السكر والعربدة والفساد وارتكاب المنكرات، واغتصاب الأعراض والأموال في خفي أمرهم، وحرصوا على الظهور أمام العامة بمظهر حماة الدين؛ فشيدوا المساجد والمدارس وأكثروا من الأوقاف الخيرية والدينية والثقافية، وأرسلوا الهدايا والأموال وأغطية الكعبة في المحامل المهيبة إلى الحرمين الشريفين، وتزوجوا بنات الفقهاء والعلماء والقضاة. ولكن نفقات أعمال البر لديهم كانت كلها من الأموال المغتصبة، والممتلكات المصادرة، والأراضي الزراعية التي انتزعوها من أصحابها وحولوها إقطاعًا.

1 / 8

وقد استعانوا في ضبط مملكتهم بثلاث فئات: فئة الجيش الذي وزعت عليه أحسن الأراضي الزراعية إقطاعًا، والذي بيده العقوبات السلطانية، التي استحدثت لها أساليب للتعذيب لا تخطر على ذهن بشري سوي؛ فالتوسيط والعصر واستئصال الأعضاء جزءًا جزءًا من أهون ضروبها وأنواعها. وقد ذكر ابن تغري بردي في " النجوم الزاهرة ٩/٣٢٣ " أن الرجل كان ينعل بالحديد كما تنعل الخيل والحمير، أو يعلق بيديه وتعلق عليه الأثقال حتى تنخلع أعضاؤه ويموت. كما ذكر ابن كثير في " البداية والنهاية ١٤/٢٦٥ " أن المماليك عندما أوقعوا بقرية حوران، أمروا بقطع رؤوس القتلى وتعليقها في أعناق الأسرى، ثم ساقوهم إلى الأمير، فكان الأسير إذا أعيى قطع رأسه وعلق في عنق صاحبه، حتى إنه علق في عنق أب شيخ كبير رأس ولده الذي قطع أمام عينه. وفئة الفقهاء الذين بيدهم العقوبات الدينية، التي تطبق فقط على المستضعفين من العامة؛ وقد جعلت لهذه الفئة الرواتب المغرية، وأطلقت أيديها في أموال الأوقاف والأيتام، والصدقات والقضاء والحسبة والرشوة؛ فأصبح تعلم الفقه وعلومه وسيلة أمام أبناء المستضعفين والفقراء للخروج من الفاقة، فكثر عدد الفقهاء والمتفقهة وترفت أحوالهم ونعموا بطيب العيش. والفئة الثالثة هي طبقة الإداريين والمحاسبين الماليين؛ وكانوا ينتقون من أهل الذمة يهودًا ونصارى، ثقة في ولائهم وكفاءتهم وقدرتهم على ابتداع أساليب جلب الأموال من العامة بدون رحمة؛ وقد أطلقت أيديهم كذلك في أموال الأمة فازدادوا غنى وثراء. أما الجماهير المغلوبة على أمرها، الشعب المقهور، الخائف الجائع، الذي لا ينظر إليه بأي نظرة تميزه عن الحيوان إلا بكونه مصدرًا لجمع الأموال السلطانية، فإنه أخذ يبادل الطبقة الحاكمة مماليك وفقهاء وإداريين احتقارًا باحتقار، وازدراء بازدراء، وإذ أطلق عليه حكامه لقب " الفلاحين " أطلق على السلاطين وجنودهم لقب " المماليك والجلبان والأجلاب "، وعلى الفقهاء والقضاة لقب " أهل العمامة "، لأن عمائمهم كانت أكبر من عمائم غيرهم، وكانت تتناسب في حجمها تناسبًا طرديًا مع رتبهم ومنزلتهم لدى الحكام، وعلى الإداريين من أهل الذمة لقب " أرباب الأقلام ". أما أساليب جمع الأموال فكانت تبدأ من المصادرة المباشرة، والعقوبات المالية التي يبيع لها الناس بناتهم في السوق، كما ذكر ابن كثير في " البداية والنهاية ١٤/٢٦٩ "، وتمر عبر ما سموه " الحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية "، التي تشمل فرض دينار على كل مواطن ذكرًا أو أنثى، فقيرًا وغنيًا، وأجرة شهر عن الأملاك والأوقاف والغيطان والسواقي، وزكاة الأموال معجلة، وثلث أموال الأجانب المقيمين، ناهيك عن عصابات المماليك والجلبان التي تجوب الأسواق للنهب والتخريب، في فترات المجاعة والكوارث الطبيعية (٤٨) . حتى الدعارة نظموها وجعلوها تحت إشراف قيمة مسؤولة عنها، أطلقوا عليها لقب "ضامنة المغاني "؛ ومن المضحك المبكي أنها هي نفسها جعلوها أيضًا مسؤولة عن الواعظات والقارئات ومحترفات النياحة في المآتم، وفرضوا على كل واحدة منهن ضريبة لخزانة السلطان؛ واتخذت للدعارة بيوت خاصة وأحياء وشوارع معينة، فكان الذي يخطئ الطريق ويمر منها يرغم على ارتكاب الفاحشة، فإن رفض فدى نفسه بمال. وكان من نتيجة هذا الوضع ازدياد نفوذ الجواري والإماء والمغنيات والداعرات في قصور السلاطين، إلى حد كنّ فيه يشاركن في أمور الدولة، ويرفعن ويخفضن، وتقدم إليهن الهدايا والرشاوى، حتى إن الأمير الحاج ملك، نائب السلطنة، كان إذا سأله أحد شيئًا قال له: " يا ولدي، رح باب الستارة، أبصر طواشي، أو توصل لبعض المغاني، تقض حاجتك " (٤٩) . أما عن الحياة الثقافية، فقد اعتورت اللغة العربية هنات وهنات، واختلطت باللغات الأعجمية السائدة، وعمت الركاكة الشعر والنثر، وإن كان المتأدبة والأدباء أكثر في هذا العصر من غيره، لأن الأدب لم يعد حرفة للتكسب بقدر ما صار نوعًا من الظرف والكياسة؛ إلا أن العلوم الدينية نفقت سوقها وكثر مريدوها، فكان هذا العصر أزهى عصورها وأكثرها علماء وفقهاء وجهابذة، من أمثال ابن كثير (٥٠)، وابن القيم (٥١)، والزركشي (٥٢) ومن في طبقتهم؛ وما ذلك إلا رد فعل للنكبة التي أصابت المسلمين بالغزوين الصليبي والمغولي، حيث قتل العلماء وأحرقت المكتبات، وضاعت مئات آلاف الكتب القيمة حرقًا على يد المغول، أو نقلًا إلى أوربا على يد الصليبيين؛ كما كان للمكانة العظمى التي حظي بها العلماء في السلم الاجتماعي أثر بليغ في ازدهار الثقافة الإسلامية ونضجها، باستثناء ما يتعلق بالأحكام السلطانية وسياسة الحكم، أو أبحاث الإمامة العظمى، فإنها لم تتطور، وظلت أسيرة الولاء للحاكم، وتبرير أعماله وإضفاء الشرعية على نظامه، دفعًا للفتن وتجنبًا للمحظور الأكبر، بارتكاب المحظورات الصغرى كما يعبر عنه لدى بعض الفقهاء. ولعل هذا هو سبب تغاضي أنظمة العصر الحديث، عن عملية إحياء التراث الفقهي لعصر المماليك وطبعه ونشره، وعدم التعرض له بالمصادرة والمنع؛ ذلك أن تجاهل هذا التراث للقضايا السياسية إلا من زاوية الحث على طاعة أولي الأمر ولو جاروا أو فسقوا، والصحوة الإسلامية الحالية العطشى إلى الثقافة الإسلامية، مما شجع الحكام على التسامح معه، وشجع دور النشر ومحققي التراث على الإقبال عليه.
الغرب الإسلامي
هذا الجناح كان يشمل الأندلس والشمال الإفريقي المجزأ إلى ثلاثة مغارب: الأقصى وبه المرينيون، والأوسط - تلمسان - وبه بنو عبد الواد، والأدنى - بجاية وقسنطينة، وتونس - وبه بنو حفص.
الأندلس
بعد هزيمة الموحدين في موقعة العقاب (٥٣)، ضعف شأن أمرائهم في الأندلس وصاروا إلى التنافس واستظهار بعضهم على بعض بالنصارى، فاتفق رجالات الأندلس على إخراجهم. وتولى بعدهم محمد بن هود الجذامي وآله. ثم بنو الأحمر. وتنازع بنو هود فيما بينهم، وأخذوا بدورهم يتقربون إلى النصارى ويتحالفون معهم ضد بعضهم، فضاعت بذلك ثغور كثيرة، منها قرطبة وإشبيلية. وبعد انقراض بني هود، استمر بنو الأحمر إلى آخر المائة التاسعة للهجرة، وكان أول ما قاموا به عندما استتب لهم الأمر، أن عقدوا صلحًا مع النصارى تنازلوا بمقتضاه عن جميع البسائط الأندلسية، وانحازوا إلى ساحل البحر واتخذوا من غرناطة عاصمة لمملكتهم. ثم عندما ضاق بهم الأمر استنجدوا بيعقوب المريني سنة ٦٧٣ هـ. فاجتاز إلى الأندلس وأوقع بالنصارى، وقتل قائدهم (دون نونه)، وأرسل برأسه إلى محمد بن الأحمر تثبيتًا له وطمأنة. ولكن ابن الأحمر دبت في نفسه الظنون والمخاوف؛ فطيب رأس القائد النصراني وأكرمه، وبعث به إلى العدو، إظهارًا للولاء لهم، وخوفًا منهم، وانحرافًا عن السلطان يعقوب. ولما اجتاز يعقوب اجتيازه الثاني إلى الأندلس سنة ٦٧٦ هـ، وحاصر "جيان " وطلب صاحبها الصلح بعد أن أشرف على الهزيمة، صالحه ابن الأحمر.

1 / 9

وعندما استنجد ملك الإسبان (هراندة) على ولده (سانجه) بيعقوب، ورهن عنده تاجه، وقبل يده أمام الملأ، تحالف ابن الأحمر مع (سانجه) ضد جيوش المسلمين؛ ثم لما رأى انتصارات المسلمين رجع وصالحهم. وعندما كان وفد يعقوب في مجلس ملك الإسبان للتفاوض على الصلح، وصل وفد بني الأحمر وعرض التحالف ضد المسلمين، فما كان من ملك الإسبان إلا أن ردهم ردًا مهينًا أمام وفد السلطان المريني قائلًا لهم: " إنما أنتم عبيد آبائي، فلستم معي في مقام السلم والحرب وهذا أمير المسلمين على الحقيقة ولست أطيق مقاومته ولا دفاعه عن نفسي، فكيف عنكم؟ ". ومع ذلك عامل يعقوب بني الأحمر بمنتهى الرفق والتسامح الذي هو أقرب إلى الضعف والغباء السياسي. فما أن هم بالعودة إلى المغرب حتى أمر بألا يحدث ضرر ببني الأحمر، وتنازل لهم عن كثير من الثغور الأندلسية ما عدا الجزيرة ورندة، وكان ذلك سنة ٦٨٥ هـ. ولما نقض (سانجه) معاهدة الصلح، وأغار ثانية على ثغور المسلمين سنة ٦٩٠ هـ، حاول يوسف بن يعقوب المريني الاجتياز إلى الأندلس، فتصدى له (سانجه) في المضيق وهزمه. ثم لما حاول الاجتياز ثانية تحالف بنو الأحمر مع (سانجه) لمنع المسلمين من المرور إلى الأندلس. ثم اتفق بنو الأحمر مع ملك الإسبان (سانجه) على تمكين النصارى من احتلال جزيرة (طريف) التي كانت مركزًا عسكريًا مرينيًا، على أن يسلموها لبني الأحمر في مقابل ستة حصون سلموها من قبل للنصارى. ولكن (سانجه) عندما احتل طريف احتفظ بها وبالحصون الستة الأخرى. فندم بنو الأحمر وطلبوا الصلح مع يوسف المريني فصالحهم أيضًا. وتنازل لهم - تقوية لهم - عن الجزيرة ورندة وعشرين حصنًا أندلسيًا سنة ٦٩٢ هـ. وفي سنة ٧٠٣ هـ عاد بنو الأحمر إلى ممالأة النصارى. كما أوعزوا إلى أبي سعيد صاحب مالقه بأن يغدر بأهل سبتة ففعل واستولى عليها. وفي سنة ٧٠٩ هـ عندما استرد أبو الربيع المريني سبتة خاف بنو الأحمر وأرسلوا وفدًا للصلح إلى فاس، فقبل المرينيون. ولكن رسل الأندلس (مثلوا قومهم خير تمثيل)، فعكفوا أثناء سفارتهم في فاس على معاقرة الخمر، والمجاهرة بارتكاب الفواحش، وخرجوا إلى شوارع المدينة يعيثون ويعبثون بالعامة. فأقام القاضي الحد على بعضهم، فغضبوا وثاروا مستعينين بالوزير عبد الرحمن الوطاسي، وكتيبة مرينية من مرتزقة النصارى بقيادة (غنصالو)، ثم تجيشوا قرب نهر سبو. فخرج إليهم أبو الربيع ففروا إلى تلمسان وتفرق شملهم. في هذه الظروف كان المسلمون بالأندلس قد يئسوا من بني الأحمر فتولوا تنظيم الدفاع عن بلدهم بأنفسهم، بحرب شعبية يقود كتائبها المجاهد عثمان بن أبي العلاء. فأوقعوا بالنصارى أفدح الهزائم. وفي سنة ٧١٨ هـ استغل النصارى فرصة انشغال أبي سعيد المريني بالفتن الداخلية فزحفوا على عاصمة بني الأحمر "غرناطة "، فاستنجدوا بأبي سعيد، فطلب نظيرًا لنجدتهم تسليمه قائد المجاهدين عثمان بن أبي العلاء. فلم يستطيعوا تلبية رغبته فرفض نصرتهم ولكن غرناطة نجت من الغزو الصليبي هذه المرة بدفاع عثمان بن العلاء عنها وقتله قائدي جيش النصارى، جوان، وبطره بن سانجه. وواصلت كتائب المجاهدين ضربها في عمق النصارى، وإلحاق الهزائم بمعسكراتهم إلى أن غدر بهم بنو الأحمر فقبضوا عليهم ثم نفوهم إلى تونس. وفي سنة ٧٤٠ هـ أرسل السلطان أبو الحسن المريني ولده أبا مالك لمقاتلة نصارى الأندلس فهزموه وقتلوه. وفي آخر سنة ٧٤٠ هـ عسكر أبو الحسن المريني نفسه بجزيرة طريف فغزاه النصارى وهزموه، فرجع إلى المغرب، ثم غزوا الجزيرة واحتلوها وأجلوا المسلمين عنها إلى المغرب. فاستنجد أبو الحسن بالسلطان إسماعيل بن قلاوون المملوكي في مصر، فلم ينجده، وأرسل إليه جوابًا من إنشاء خليل الصفدي شارح لامية العجم، قال فيه: (؟ وما لنا غير إمدادكم بجنود الدعاء الذي نرفعه نحن ورعايانا، والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول من سجايانا؟) . وهكذا قطعت طرق نجدة الأندلس وفتحت الطريق مشرعة لخروج بني الأحمر والمسلمين منها، على يد جيوش النصارى المتحالفة، من البرتغال وقشتالة، والأرغون، وبيزه، وجنوه، وسائر العالم المسيحي آنذاك.
الشمال الإفريقي
كانت المنطقة بعد سقوط الأدارسة، وانفلاتها من السلطة المركزية ببغداد، دولة بين فرعين أساسيين من البربر، هما البرانس، وبنو ما دغيس البتر. فمن البرانس كانت صنهاجة ومصمودة. وصنهاجة: طبقتهم الأولى كان منهم آل زيري بن مناد ولاة العبيديين، وبنو خراسان، وآل حماد، وملوك بني حيوس بن ماكسن من بني زيري. وطبقتهم الثانية هم الملثمون، أصحاب دولة المرابطين. أما مصمودة فهي أكبر القبائل وأوفرها، منهم برغواطة التي كانت لها دولة قبل الإسلام وصدره. ومنهم غمارة التي شايعت الأدارسة وحمتهم بعد نكبتهم، وكانت منها دولة أبي القاسم العزفي بسبتة أول عهد المرينين سنة ٦٦٨ هـ. أما مصمودة جبل درن بالأطلس الكبير، وهنتانة في القلب منهم، ومراكش عاصمتهم، ففيهم كانت الرئاسة والريادة، ودولة الموحدين. أما بنو مادغيس البتر فمنهم زناتة. وهي قبيلة كبيرة استعربت باختلاطها بالهلاليين. طبقتها الأولى كانت منها دولة مغراوة بفاس، وبنو يفرن بسلا. وطبقتها الثانية كانت منها في عصر المؤلف دولة بني مرين في فاس. ودولة بني عبد الواد في تلمسان. ثم دولة بني وطاس في فاس بعد ذلك. أما المغرب الأدنى - تونس - فكان به في عصر المؤلف بنو حفص من هنتاتة المصامدة من البرانس (٥٤) .
بنو مرين (٥٥)
بعد وقعة العقاب وبيعة الموحدين للصبي يوسف الناصر، وحدوث الوباء العظيم بالمغرب، خلت البلاد من أهلها وحاميتها. فلما أقبل نجع قبائل بني مرين كعادتهم من بلاد القبلة (زاب إفريقية إلى سجلماسة) للارتفاق والميرة، شجعهم الوضع الاجتماعي، والفراغ السياسي، وخلو البلاد من أهلها، على الاستقرار والهيمنة على بسائط المغرب الخصبة. ولما حاول الموحدون مكافحتهم، كان الظهور لبني مرين، سواء في المعركة الأولى بوادي النكور قرب تازة، أو في معاركهم التالية عندما قاتلهم الموحدون مستعينين بقبائل بني عسكر، ورياح، ومرتزقة النصارى. فانفسح الطريق بذلك أمام بني مرين لإقامة دولتهم. ونستطيع أن نقسم عهد بني مرين إلى ثلاث فترات:

1 / 10