تحفة الإخباري بترجمة البخاري
تحفة الإخباري بترجمة البخاري
وهو حسبنا ونعم الوكيل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأكرم الأولين والآخرين، المبعوث هاديا للأمة، كاشفا للغمة، والمنعوت بالرأفة والرحمة، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين، وتابعيهم بإحسان إلي يوم الدين، وسلم تسليما.
وبعد:
فهذه ترجمة محررة، وحلية محبرة، تكشف عن شمائل سلطان المحدثين، بل أمير المؤمنين، المقدم في هذا الشأن على أقرانه، أبي عبد الله البخاري أوحد زمانه، سميتها: ((تحفة الإخباري، بترجمة البخاري)).
فهو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بذدزبة الجعفي، مولاهم البخاري، الإمام العلم، الحافظ أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله بن أبي الحسن رحمة الله عليه.
صفحه ۱۷۷
وجده بذدزبة مختلف فيه فقيل فيه: بردزبه، (بالراء مكان الذال المعجمة)، ووجدته مقيدا في موضعين يزذبه بخط أبي جعفر بن أحمد بن محمد العبدري فيما قرأه على أبي مروان عبد الملك بن عبد الله بن مدرك العبدري في غرة شهر ربيع الآخر من سنة ست وثمانين وأربع مئة.
وبذدزبة بالبخارية ومعناها: الزارع فيما ذكره أبو سعيد بكر بن منير بن خليد بن عسكر البخاري، وبذدزبة كان مجوسيا مات عليها. وأسلم ولده المغيرة على يدي اليمان بن أخنس بن خنيس والي بخارى جد المسندي أبي جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي، قال أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ: ((ومحمد بن إسماعيل جعفي)) وقيل: لأن أبا جده أسلم على يدي أبي جد عبد الله بن محمد المسندي.
وقال أيضا: سمعت الحسن بن الحسين، أبا علي البزاز البخاري يقول: ولد محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة. انتهى. وقال أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري، ثنا أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق: قال لي أبو عمرو المستنير بن عتيق: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل متى ولدت فأخرج إلي خط أبيه : ولد محمد بن إسماعيل يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، قال مؤلفه -رحمه الله-: وكان مولده ببخارى وأضر في صغره.
صفحه ۱۷۸
قال الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي في كتابه ((كرامات أولياء الله عز وجل)): أنا أحمد بن محمد بن حفص، أنا محمد بن أحمد بن سليمان، أنا خلف بن محمد، [حدثنا محمد بن أحمد بن] الفضل البلخي، سمعت أبي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل -عليه السلام- فقال لها: يا هذه، قد رد الله -عز وجل- على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو كثرة دعائك -الشك من أبي محمد البلخي- فأصبحت وقد رد الله -تعالى- عليه بصره.
صفحه ۱۷۹
وحدث به أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي البلخي ببلخ فقال: سمعت محمد بن يوسف بن ديحان البخاري ببخارى أنبأ أبو عبد الله محمد بن محمد البامياني ببخارى، حدثني أبو الحسن محمد بن نوح سمعت أحمد بن محمد بن الفضل البلخي، سمعت أبي يقول: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصره في صباه، وكانت له والدة متعبدة، فرأت إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام- في المنام فقال لها: إن الله -تبارك وتعالى- قد رد بصر ابنك عليه بكثرة دعائك، قال فأصبحت وقد رد الله عز وجل عليه بصره. وخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في ((تاريخه)) من حديث علي بن محمد بن الحسين الفقيه، ثنا خلف بن محمد الختام، سمعت أبا محمد المؤذن عبد الله بن محمد بن إسحاق السمسار، سمعت شيخي يقول: ذهبت عينا محمد بن إسماعيل في صغره، فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل -عليه السلام- فقال لها: يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره، لكثرة بكائك، أو لكثرة دعائك، قال: فأصبح وقد رد الله -عز وجل- عليه بصره.
وقد بلغنا أن أباه أبا الحسن، إسماعيل، كان من خيار الناس، ووجدت في ((التاريخ الكبير)) لولده ما نصه: إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو الحسن رأى حماد بن زيد صافح ابن المبارك بكلتا يديه وسمع مالكا. [إن] لم يكن هذا والد البخاري فلا أدري [من] هو؟، وأبو الحسن والد البخاري، لما حضرته الوفاة، قال لأحمد بن حفص: لا أعلم من مالي درهما من شبهة ولا من حرام. ولما توفي نشأ ولده أبو عبد الله يتيما في حجر أمه فأسلمته إلى معلم إلى أن كمل له عشر سنين.
روينا عن أبي جعفر محمد بن أبي حاتم وراق البخاري قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب.
صفحه ۱۸۰
قلت: كم كان سنك؟ قال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت: يا شيخ، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، فقال لي: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي وتخلفت بها في طلب الحديث.
فلما طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب ((التاريخ)) عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة. وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
صفحه ۱۸۱
وقال أبو جعفر أيضا: سمعت البخاري يقول: لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب ((التاريخ)) ولا عرفوه، ثم قال: صنفته ثلاث مرات. قال: وقال -يعني البخاري-: أخذ إسحاق بن راهويه كتاب ((التاريخ)) الذي صنفت، فأدخله على عبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأمير، ألا أريك سحرا؟ فنظر فيه عبد الله بن طاهر، فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه.
قال القاضي أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي، سمعت أبا العباس بن سعيد يقول: لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب ((تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري)). خرجه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) من طريق الهاشمي. وقد بلغ رواة الحديث في ((كتاب التاريخ)) هذا قريبا من أربعين ألف رجل وامرأة فيما قاله أبو الحسين بن محمد الماسرجسي وهذا هو ((التاريخ الكبير)).
وكذا ((التاريخ الأوسط)).
و((الصغير)) أيضا.
وله من المصنفات غير ذلك منها:
كتاب ((القراءة خلف الإمام)).
وكتاب ((رفع اليدين في الصلاة)).
وكتاب ((الأدب)).
وكتاب ((الضعفاء الكبير)) و((الصغير)).
وكتاب ((المبسوط)) الذي جمع فيه كتبه على الأبواب فيما قيل.
صفحه ۱۸۲
وكتاب ((الفوائد)) الذي ذكره الترمذي في ((جامعه)) في مناقب طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه-.
وكتاب ((أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم )) وأشار إليه في ((التاريخ الكبير)).
وكتاب ((الرد على الجهمية)).
وكتاب ((خلق أفعال العباد)).
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق فيما روينا عنه: سمعته -يعني البخاري- يقول: كنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي، فإذا جئت أستحي أن أسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبت اليوم؟ فقلت: اثنين، وأردت حديثين، فضحك من حضر المجلس. فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يوما. فكان كما قال الشيخ.
صفحه ۱۸۳
وقال أبو جعفر الوراق أيضا سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام -يعني البيكندي-. انظر في كتبي فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، كي لا أرويه قال ففعلت ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى. وفي الأحاديث الضعيفة: لم يرض الفتى. فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هو الذي ليس مثله، محمد بن إسماعيل. وقد بلغنا أن البخاري فعل هذا بكتب البيكندي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها. ولم يزل -رحمه الله- مجتهدا من صغره إلى آخر عمره.
خرج الحافظ أبو بكر الخطيب في ((تاريخه)) من طريق أحمد بن محمد بن عمر بن بسام المروزي سمعت أحمد بن سيار يقول: ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو عبد الله، طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه وأبصر، وكان حسن المعرفة، حسن الحفظ، وكان يتفقه.
كانت رحلة البخاري -رحمه الله- في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحفاظ النقاد، لقي مكي بن إبراهيم بخراسان، وأبا عاصم بالبصرة، وعبيد الله بن موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمد بن يوسف الفريابي بالشام، وكتب عن خلق حتى عن أقرانه كأبي محمد الدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازيين، وأشباههم حتى كتب عمن هو دونه، كعبد الله بن حماد الأملي، وحسين القباني وغيرهما.
صفحه ۱۸۴
قال وراقه محمد بن أبي حاتم: سئل محمد بن إسماعيل عن خبر حديث فقال يا أبا فلان: تراني أدلس؛ تركت أنا عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد غنجار في كتابه: ((تاريخ بخارى)): ثنا خلف بن محمد، سمعت الحسين بن الحسن بن الوضاح، ومكي بن خلف بن عفان قالا: سمعنا محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال الإيمان قول.
وقال غنجار أيضا: ثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عمر المقرئ، سمعت أبا حسان مهيب بن سليم، سمعت جعفر بن محمد القطان إمام الجامع بكرمينية، سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلا أذكر إسناده. وقال أبو جعفر الوراق: سمعت البخاري يقول قبل موته بقليل: كتبت عن ألف وثمانين رجلا، كل يعتقد أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وروينا عن البخاري أنه قال مرة لوراقه أبي جعفر محمد بن أبي حاتم: لم تكن كتابتي للحديث كما كتب هؤلاء. كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وعلة الحديث، إن كان الرجل فهما. فإن لم يكن سألته أن يخرج إلي أصله ونسخته.
صفحه ۱۸۵
قال خلف بن محمد، ثنا إسحاق بن أحمد بن خلف، سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى الترمذي، يقول: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلما قام من عنده قال: يا أبا عبد الله، جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى: فاستجيب له فيه. جعله الله زينا للأمة وقدوة للأئمة.
أخذ الحفاظ عنه وسمعوا منه.
صفحه ۱۸۶