423

تحفة الأعيان لنور الدين السالمي

تحفة الأعيان لنور الدين السالمي

ژانرها
General History
مناطق
عمان
امپراتوری‌ها و عصرها
آل بوسعید

مولانا أصلح الله أحوالك وسدد أقوالك وتقبل منك أفعالك وجعل إلى السعادة مرجعك ومآلك، فأقول أنا العبد الفقير: إني لما من الله تعالى علي بالوصول إلى هذه البقعة المباركة رأيت بحمد الله في مسكد وسمائل وفي نزوى وفي هذا المقام الشريف من الأحكام الشرعية والسيرة الأباضية والسنن المحمدية ما انشرح به الصدر وامتلأ بمشاهدته سرورا ولله الحمد على توفيقه، فتأملت أحوال عمان فوجدتها عجيبة الشأن حسنة الشكل كاملة الأوصاف سوى أن مجالس الذكر ومدارس العلم فيها قليلة، والعلم سيدي كما لا يخفى عليكم يزداد بالاستعمال وينقص بالإهمال، ونقصان العلم ضرر في الدين عظيم؛ وما كان على النقصان يوشك زواله؛ وأخبرك يا نعم السيد ببعض أحوال أهل جربة من أهل هذه الدعوة في زماننا هذا مع ضعفهم وقلتهم وسوء حالهم، ومعهم من مدارس العلم ما يزيد على العشرين كل يعلم على قدر علمه؛ منهم من اقتصر على النحو واللغة وعلم الديانات ومنهم من تبحر في النحو واللغة والصرف والمعاني والبيان والمنطق والتوحيد وأصول الدين والفقه والحساب والفروض الشرعية والعروض الشعرية أعني الأوزان وما يتعلق بها من الزخارف وغيره، وهو من عادتهم يجتمعون في كل يوم الأحد ويوم الثلاثاء على شيخ المشايخ، وهو أبو زيد بن أحمد بن أبي ستة فيقرأون عليه ويلقون في المجالس المشكلات والسؤالات؛ فيتحرى فيها الصواب ويزيل عنها الالتباس؛ وهم في هذه الحالة يتأسفون غاية التأسف؛ على اندراس العلم ونقصانه؛ ولعلمهم أن المذهب الحقيقي الحنيفي الرستمي يزداد بازدياد العلم وينقص بنقصانه ويذهب بذهابه؛ وقد كان هذا المذهب بأرض المغرب في زمان الأئمة الرستمية رحمهم الله مسيرة ثلاثة أشهر وأزيد كلها عمارة محشوة بالزهاد والعباد والعلماء لا يحصى عددهم ولا يطاق عتادهم؛ فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل، فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم؛ وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضالة، كما سلك الذود بين قائد وسائق فارتدوا على أدبارهم والعياذ بالله في أزمنة متقاربة حتى لم يبق منهم إلا من ساقه التوفيق واعتصم بالله واستتر بالعلم؛ وهو أهل البقاع الثلاثة: بعض أهل نفوسة، وبعض أهل جربة وبنو مصعب ليس إلا سنة الله التي قد خلت من قبل سلكوا بها وتمسكوا.

فإذا كان الأمر هكذا فينبغي للإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق وأن يجعل في كل حصن من حصون مملكته المجلل عدله المزيد فضله معلما يعلم الناس أمر دينهم ويزهدهم في الدنيا الفانية الخسيسة ويرغبهم في الآخرة الباقية النفيسة، ويتيسر هذا إن شاء الله تعالى بالنظر في أحوال من له نظر ومعرفة ولو أدنى معرفة وذوق في العلم إن ظهرت منه أسباب الخير بالنصيحة لنفسه أولا ولعباد الله والشفقة عليهم والرغبة في الدين.

فحينئذ يتوجه الأمر المطاع من إمام المسلمين بأن يتصدى التعليم بالغداة والعشي ولا يحقر ما معه من العلم وإن قل إن كانت نيته خالصة بأن ينمو ويزيد ويفيد يستفيد ببركة العلم وفضله، حيث كان خالصا لله عز وجل لعل غافلا ينتبه أو نائما يتيقظ أو ناسيا يتذكر أو جاهلا يتبصر، وتكون سنة حسنة في الإسلام لمن سنها وأجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهو إمام المسلمين وأعوانه في الدين لا يغير ولا ينقص من أجور المتعلمين شيء.

صفحه ۸۴