التبيان في تفسير القرآن
التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي
تفسير التبيان ج2
وقوله تعالى: " إنه لكم عدو مبين " عداواته للمؤمنين. وإبانة عداوته لنا هو أن ينسها لمن يراه من الملائكة، والجن، ونحن وإن لم نشاهده، فقد علمنا معاداته لنا، ودعاء ه إيانا إلى المعاصي، فجاز أن يسمى ذلك إبانة.
وقال الجبائي: أبان عداوته لادم والملائكة (ع)، فكان بذلك مبينا لعداوته إيانا.
قوله تعالى: فان زللتم من بعد ما جاء تكم البينات فاعلموا أن
الله عزيز حكيم(209)
آية واحدة.
المعنى واللغة: أنزل الله تعالى هذه الاية، وقد علم أنه سيزل الزالون من الناس، فتقدم في ذلك، وأوعد فيه، لكي تكون الحجة على خلقه.
يقال: زل يزل زلا، وزللا، ومزلا، وزلولا.
ومعنى الاية " فان زللتم " بمعنى تنحيتم عن القصد، والشرائع، وتركتم ما أنتم عليه من الدين " من بعد ما جاء تكم البينات فاعلموا أن الله عزيز " في نعمته " حكيم " في أمره، لا تعجزونه، وحكيم فميا شرع لكم من دينه، وفطركم عليه، وفيما يفعل بكم من عقوبة على معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم.
وذكر جماعة من أهل التأويل: أن " البينات " هم محمد صلى الله عليه وآله والقرآن، ذهب اليه السدي، وابن جريج، وغيرهما.
وقيل: زل في الاية: مجاز تشبيها بمن زل عن قصد الطريق، وحقيقته: عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. والاولى أن يكون ذلك حقيقة بالعرف.
وفي الاية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله يريد القبيح، لانه لو أراده لما صح وصفه بأنه حكيم.
فان قيل: سواء زل العباد أو لم يزلوا، وجب أن يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط ؟ قيل، لان معنى " عزيز " هو القادر الذي لا يجوز عليه المنع من عقابكم " حكيم " في عقوبته إياكم، فكأنه قال: فاعلموا أن العقاب واقع بكم لامحالة، لانه عزيز لايجوز أن يحول بينه وبين عقوبتكم حائل، ولم يمنعه مانع " حكيم " في عقوبته إياكم، وذلك أن حري لهم وصفه بأنه عزيز أنه قدير لايمنع، لانه قادر لنفسه.
صفحه ۱۸۶