التبيان في الناسخ والمنسوخ في القرآن المجيد
التبيان في الناسخ والمنسوخ في القرآن المجيد
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
(وبه نستعين )
صفحه ۲۷
{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام:1] أحمده حمد مذعن له بالعبودية(1) <<خاضع>>(1) لعظمة الربوبية(2) ولا إله إلا الله، الذي قوله الحق، ووعده الصدق، الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي القرآن نوره، وفي الجنة ثوابه، وفي النار عقابه(3).
[1] {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر:19] وصلى الله على نبي الرحمة المخصوص بالقرآن والحكمة(4)، وعلى آله الأئمة، وسلم وشرف وكرم وعظم.
أمابعد(5):
صفحه ۲۸
فإنه لما كثر الإختلاف بين الطوائف، فصارت كل طائفة تعظم <<الموألف>>(1) لها، وتخطئ(2) المخالف لها، وكل فرقة تدعي التمسك بالكتاب المجيد، الذي
صفحه ۲۹
[2] {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت:42] فبعضهم جعل المحكم متشابها(3) ، وبعضهم جعل المتشابه محكما، وبعضهم [2 أ] جعل المنسوخ عاما(1) وأجرى عليه الأدلة، وأنكر جواز النسخ رأسا، <<ومنهم من أجازه وقال: لم يرد، ولو ورد لقلت به>>(2) وكان الخطر في الناسخ والمنسوخ كبيرا، ورأيت الباحث عنه يسيرا، ورأيت التصانيف المصنفة في هذا الشأن بعضها <<يختص>> (3) بالأحكام على حسب ما نزل، ونسخ وبعضها على نسق المصحف الكريم، غير أنها معراة عن ذكرشرائط النسخ، وما يجوز نسخه وما لا يجوز، وكل منهم يضع على قدر رأيه ومذهبه، أحببت أن أضع(4) في هذا المختصر الآيات التي(5) وقع الإختلاف [1ب ب] في نسخها، <<وأعين>>(6) مذهب أئمتنا الأطهار مع الإجتهاد في الإختصار، وتجنب الإكثار <<ليكون>>(7) ذلك تعرضا لشفاعة القرآن، يوم العرض على الملك الديان، والدخول في <<دعاء>>(8) من ينتفع به من الإخوان، وهذا حين ابتدئ في ذلك، ومن الله استمد العونه والثبات(9) وقد روي عن أمير المؤمنين علي(1) [3أ أ] -عليه السلام- [[1]] أنه قد سمع رجلا(2) يعض الناس ويقص عليهم فقال له: <<هل>>(3) علمت ناسخ القرآن ومنسوخه؟.
قال: لا.
قال: هلكت وأهلكت(4).
وأجناس ذلك رويت عن غيره من السلف -رضي الله عنهم-(5).
صفحه ۳۱
(1) فصل [تعريف النسخ وبعض الأحكام المتعلقة به]
اعلم أنه لا بد لكل من أراد معرفة ناسخ القرآن، ومنسوخه من
<<معرفة>>(1) مقدمة تشمل على مسائل في: معنى النسخ، وأحكامه، وشرائطه، وما يجوز النسخ له وبه، وما لا يجوز، <<فلنبدأ>>(2) بذكر طرق من ذلك، ثم لنرجع إلى ذكر الآيات التي وقع <<الخلاف>>(3) في نسخها.
[تعريف النسخ في اللغة]
صفحه ۳۲
مسألة: اعلم أن النسخ في اللغة، عبارة عن: النقل والإزالة، يقال <<نسخت هذا إذا أزلته>>(4) ونسخت <<الرياح>>(5) الأثر(6) ثم قد صار النسخ في الشرع، عبارة عن إزالة مثل الحكم الشرعي بطريق شرعي على وجه لولاه لكان <<المنسوخ>>(7) ثابتا مع تراخيه عنه(8) (وإنما قلنا مثل الحكم [4 أ] الشرعي؛ لأن نفس نسخ الحكم يكون بداء، قلنا: بطريق لتدخل فيه الدلالة والأمارة؛ لأن نسخ الأخبار الآحاد في باب المعاملات، يجوز بما هو من جنسها على ما يأتي بيانه.
قلنا: شرعي؛ لأن النسخ بدلالة العقل لا يجوز(1) قلنا: مع
تراخيه؛ لأن النسخ في الحال يكون بداء، والبداء لا يجوز على الله سبحانه على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
[تعريف الناسخ]
[2] مسألة: <<حد الناسخ هو الطريق الشرعي، الدال على زوال مثل
الحكم الثابت أولا، بدليل شرعي على وجه لولاة لكان ثابتا مع تراخيه عنه>>(2).
[تعريف المنسوخ]
والمنسوخ: هو الطريق الشرعي الموجب ثبوت الحكم على المكلف به، مالم يرد عليه النسخ، وهذه الحدود جامعة شاملة تطرد وتنعكس(3).
وقد كثر الإختلاف في هذه الحدود، وهذا هو اختيار الإمام المنصور بالله -عليه السلام-(4)
صفحه ۳۳
[حكم نسخ الشرائع السابقة للإسلام](1)
صفحه ۳۴
[3] مسألة: ذهب الأكثر إلى جواز نسخ الشرائع(2)، وانكرت اليهود ذلك، وشرذمة من أهل الإسلام(3) لنا أن الشرائع [5 أ] مصالح، والمصالح يجوز اختلافها باختلاف الأزمنة والأمكنة [2أ-ب] والمكلفين، وقد اجمعوا معنا أن قبلة ابراهيم(1) -عليه السلام- كانت الكعبة، ثم نسخ ذلك في شريعة موسى(2) -عليه السلام- <<فصارت>>(3) القبلة إلى بيت المقدس(4)
صفحه ۳۵
وإذا جاز النسخ في شريعة ابراهيم، جاز في شريعة موسى، وقد صحت
نبوة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بما لا سبيل إلى دفعة من المعجزات، وقد علمنا ضرورة من شرعه أن دينه نسخ كل دين.
[جواز النسخ من عدمه على شيء لم يرد التنبه من الله على نسخه]
[4] مسألة: اختلف العلماء في أنه هل يجوز ورود النسخ <<على شيء لم يرد من الله سبحانه على نسخه(1) ؟
فذهب الأكثر إلى أنه يجوز نسخه، وإن لم يكن ورد تنبيه ولا إشعار بنسخة، لأن الأمر المطلق، لا يتوهم استمراره، لأنه يقع على قدر المصالح، والمصالح تتغير بتغير الأوقات والأشخاص>>(2).
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز النسخ إلا بتقدم <<أشعار
النسخ>>(3) مثل قوله تعالى: [3] {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] وقوله تعالى: [4] {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1].
[حكم نسخ الأمر المقيد بالتأبيد]
[5] مسألة: الأمر المقيد بالتأبيد يجوز نسخه لأنه يجوز تخصيصه بالإجماع، وما جاز تخصيصه، جاز نسخه، ولو صح ما روته اليهود عن موسى(4) -عليه السلام- من قوله: تمسكوا بالسبت أبدا، لجاز نسخه من حيث أنه يصح أن يقال: تمسكوا به أبدا مادام واجبا، كما يقال: لازم الغريم أبدا، فإنه يفيد ملازمته مادام غريما فقط(5).
صفحه ۳۶
[حكم نسخ الأشق بالأخف والمساوي]
[6] مسألة: نسخ الأشق بالأخف <<والمساوي>>(1) جائز إجماعا(2)،
وقد نسخ الله العدة(3) <<من>>(4) حول إلى أربعة أشهر وعشر، ونسخ الأخف بالأشق جائز <<عندنا خلافا لبعضهم>>(5) وقد نسخ صيام عاشوراء(6) بشهر رمضان وهو أشق.
[حكم النسخ إلى غير بدل]
[7] مسألة: يجوز النسخ إلى غير بدل كقوله تعالى: [5] {إذا ناجيتم الرسول [2ب-ب] فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] قد نسخ حكمها إلى غير بدل.
صفحه ۳۷