The Biography of the Prophet - Ragheb Al-Sergani
السيرة النبوية - راغب السرجاني
ژانرها
بدء الرسول ﷺ بخديجة في الدعوة إلى الإسلام ثم بأبي بكر وزيد بن حارثة
ذهب الرسول ﷺ برسالته أولًا إلى زوجته الصالحة خديجة ﵂، فكانت أول من آمن على ظهر الأرض، وكانت الوحيدة المتابعة لكل أحداث الوحي بكل تفاصيله منذ نزل جبريل في المرة الأولى بقول الله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، بل نستطيع أن نقول: إنها آمنت قبل التصريح بالرسالة، قبل: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، قالت: (كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا).
فالسيدة خديجة أحبت رسول الله ﷺ حبًا لا يوصف، فكان هذا الحب هو الطريق لتصديق العقل.
أيضًا الحب وحده لا يكفي، لابد أن يقتنع العقل، قالت: (إنك لتصل الرحم وتحمل الكل) إلى آخر الصفات، وهذه الصفات لا يمكن أن تكون في كذاب أو منافق، كذلك لا يمكن أن ربنا ﷾ يخزي مثل هذا.
ثم الكلام الذي قاله الملك ليس من كلام العرب ولا من كلام البشر، مع أن الحروف عربية.
إذًا: هناك طاقة فوق إمكانيات البشر، وهذه الطاقة لابد أن تكون لله ﷿، كل هذا دار في ذهن السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، لكن لا أعتقد أبدًا أنه كان سيدور بهذه السلاسة وهذه السرعة لو كان بينها وبين الرسول ﷺ مشاكل وكراهية مستحكمة.
إذًا: الحب أولًا ثم الحجة ثانيًا.
ثم ذهب الرسول ﷺ إلى أحب الرجال إلى قلبه، لو كانت السيدة خديجة هي أحب النساء إلى قلبه فإن أبا بكر الصديق هو أحب الرجال إلى رسول ﷺ، كما صرح هو بذلك لما سئل عن أحب الرجال إليه؟ فقال: أبو بكر بدون تردد، وسيدنا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه لم يخيب ظن الرسول ﷺ، فقد نور الله ﷿ قلبه، وفي ذلك يقول ﷺ: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة -أي: تردد ونظر- إلا أبا بكر ما إن ذكرته له حتى آمن وما تردد فيه)، لم يفعل أحد من البشر مثل هذا الفعل إلا هو والسيدة خديجة ﵂ ورضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ أجمعين.
فسرعة إيمان أبي بكر يحتاج إلى دراسة، نقول: إن الصديق ﵁ وأرضاه كان أقرب الناس إلى أخلاق رسول الله ﷺ، فكثيرًا ما يختار من الآراء ما يختاره الرسول ﷺ حتى في غياب أحدهما عن الآخر، ولم يمش على الأرض من هو خير من الصديق إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كان بين الصديق ﵁ وأرضاه وبين الرسول ﷺ توافق عجيب في أمور كثيرة من أمور الأخلاق، أشهرها: الصدق، فالرسول ﷺ هو الصادق الأمين، وأبو بكر هو الصديق ﵁ وأرضاه، كذلك المروءة وخدمة الناس والتواضع والكرم والعفة، والبعد عن أماكن الفساد، كل هذه الأشياء أدت إلى سرعة إيمان الصديق ﵁ وأرضاه.
دعا رسول الله ﷺ بعد ذلك مولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وكان بينهما حب كبير لدرجة أن زيد بن حارثة من بين كل صحابة رسول الله ﷺ عرف بحب رسول الله ﷺ، كأنه ابنه، وكان معروفًا بين الناس بـ زيد بن محمد وزيد بن حارثة ﵁ وأرضاه كان يحب الرسول ﷺ حبًا شديدًا، بل فضله على أبيه وعمه، وكان لهذا قصة هي: أن زيد بن حارثة خُطف من أبيه من قبيلة بعيدة عن مكة وبيع في سوق الرقيق، واشتراه حكيم بن حزام ﵁ وأرضاه، ابن أخي السيدة خديجة ﵂ ثم أهداه لها، ولما تزوجت الرسول ﷺ أهدته زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، وأصبح زيد مولى رسول الله ﷺ.
ومرت الأيام وعلم حارثة بن شرحبيل أن ابنه في مكة، فجاء إليها هو وعم زيد، وقالا للرسول ﷺ: (خذ ما شئت من المال نظير أن ترد زيدًا إلينا، فقال لهما: وهل لكما فيما هو خير من الفداء؟ فقالا: وما هو؟ قال: أدعوه لكما فخيراه بيني وبينكما، فإن اختاركما فهو لكما بغير مال، وإن اختارني فما أنا بالذي يرغب عمن يختاره)، هذه الأخلاق كلها كانت قبل البعثة، صنع على عين الله ﷿، صنع ليكون نبيًا ﷺ، عندها قال الرجلان: (لقد أنصفت وبالغت في الإنصاف، فجيء بـ زيد وقيل له: من هذان؟ قال: هذا أبي حارثة بن شرحبيل وهذا عمي كعب، فقال ﷺ: قد خيرتك إن شئت مضيت معهما، وإن شئت أق
4 / 12