فرهنگ ما در برابر عصر
ثقافتنا في مواجهة العصر
ژانرها
وفيما يلي لمحات مما ورد في هذه الرسائل، ومنها يرى القارئ صورة لإسرائيل بالقياس إلى الوطن العربي، فبينما وجد الزائر اليهودي في أرجاء الأمة العربية سعة الصدر وسماحة النفس واعتدال الرأي وتسامح العقيدة وروح الإخاء؛ ما لم يسع الزائر اليهودي إزاءه إلا أن يعبر عن دهشته العميقة للفارق الفسيح بين ما وجده وما سمعه ورآه، وبين ما كان قد تسلل إلى وطنه ووهمه خلال الدعاية الصهيونية التي تطن في أرجاء العالم بعامة، وفي الولايات الأمريكية بخاصة؛ أقول إنه بينما وجد كل هذه الجوانب في البلاد العربية، ما لم يكن يتوقع شيئا منه؛ رأى العنت كل العنت - وهو اليهودي المرموق في يهوديته، والأمريكي البارز في أمريكيته - رأى هذا العنت كله من إسرائيل، قبل دخوله فيها وبعد دخوله.
فهذا هو خطابه الأول، يكتبه على ظهر السفينة وهي تعبر به المحيط، يذكر فيه حادثتين وقعتا له قبل أن يغادر بلاده بأيام قلائل؛ يقول عن إحداهما: ... إنكما تعلمان ما كنت قد لقيته من مصاعب حين أردت أن أحصل على تأشيرة الدخول في إسرائيل؛ فقد كتبت خطابا رسميا إلى أفرام هارمان - القنصل العام الإسرائيلي في نيويورك - بالإضافة إلى الطلب العادي الذي كنت قد قدمته قبل ذلك ببضعة أسابيع، وانتهى الأمر إلى أن دعيت إلى مقابلة السيد هرمان على غداء، وبدل أن نتحدث على الغداء عن تأشيرة الدخول التي طلبتها، دار الحديث عن السبب الذي يدعوني إلى الذهاب إلى إسرائيل، وما هو إلا أن تأدى بنا الحديث - بما اقتضاه منطق السياق - إلى مناقشة طويلة جدا حول مسائل مذهبية ... وأظن أنني أستطيع تلخيص ما دار بيننا حتى ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم، بقولي إنه كان حديثا هادئا ومنبها للتفكير، لكننا انتهينا منه إلى إدراكنا بأن ما بينه وبيني في الرأي هو ما بين القطبين؛ إذ لم يكن بيني وبينه أرض مشتركة على الإطلاق؛ فهو - كأغلبية رجال الحكومة الإسرائيلية - علماني إلى أعماقه، لا يسري فيه أدنى شعور بالعقيدة اليهودية؛ وهو يكرس نفسه لما يسميه «الأمة اليهودية» (فلا يكفيه أن يتحدث عن دولة يهودية) ... فهو يقول إن مصالح الأمة اليهودية في العالم تأتي أولا، ومنها تنبثق الدولة؛ لأنك - هكذا قال - إذا ضمنت أن يتماسك يهود العالم في شعب واحد؛ فقد ضمنت أن يتكفل هذا الشعب الواحد بإعادة دولة إسرائيل، إذا ما أصابها سوء.
وقد جرنا الحديث إلى محاولة إسرائيل تهجير اليهود من أوطانهم إليها، وعلمت منه كيف كان خلال الحرب العالمية الثانية (أي قبل نشأة إسرائيل) يمثل «الوكالة اليهودية» في رومانيا، وكيف حاول عندئذ جمع المال والنفوذ، ليستطيع بهما أن يخرج يهود رومانيا؛ ليبعث بهم إلى فلسطين، لكنه لم ينجح إلا بقدر ضئيل، ولما أبديت له رأيي في حوادث شمالي إفريقيا، التي حدثت بتحريك من الصهاينة، قال لي إن إسرائيل في الحقيقة ليست بحاجة إلى يهود عرب، ثم قال: «إنني لعلى استعداد أن أعطيك عشرة من اليهود العرب لأستبدل بهم يهوديا أمريكيا واحدا»؛ وأضاف ما معناه أن إسرائيل الصهيونية إنما تفعل ذلك لإنقاذ اليهود ممن يحيطون بهم، فاعترضته متعجبا كيف تريد إسرائيل الصهيونية هذه أن تجعل من نفسها إلها يعمل على تخليص عباده، وتساءلت لماذا تظن إسرائيل أن يهود أمريكا مثلا يحبون مغادرة وطنهم الأمريكي ليقيموا فيها؟ ولما أبديت له رأيي بأن اليهودي حيث كان، إذا هو أدمج نفسه في أبناء وطنه، يشاركهم ويسايرهم كما ينبغي له أن يفعل؛ اختفت كل مشكلة اليهود كما يتصورها، أقول إني لما أبديت له ذلك، أجاب من الفور بأن مثل هذا الدمج مضاد لأهداف إسرائيل، لأن من شأنه أن يفتت «الشعب اليهودي»، ولا تصبح بين أفراده تلك الرابطة التي هي في رأي الصهيونية جديرة بالاهتمام الأول. ثم دار بيننا حديث طويل عن يهود أمريكا، أما أنا فوجهة نظري هي أن تبقى اليهودية بالنسبة إليهم عقيدة دينية لا تمس ولاءهم لأمريكا في شيء، وأما هو فوجهة نظره - وهي وجهة نظر الصهاينة جميعا - أن جزءا من العقيدة الدينية اليهودية نفسها ينبغي أن يكون إقامة الرابطة التي تربط بين يهود العالم في أمة واحدة؛ يقول ذلك عن العقيدة الدينية اليهودية مع اعترافه في أثناء الحديث أنه لا يعبأ بهذه العقيدة من حيث هي، ولا يريد لها إلا أن تكون أداة لتحقيق أغراض السياسة الصهيونية؛ حتى لقد صارحته بوجهة نظري، وهي أن إسرائيل تريد في حقيقة أمرها أن تباعد بين اليهود وديانتهم، مصطنعة لهم موقفا دنيويا سياسيا صرفا، وبينت له أن انشطار اليهود على هذا النحو، بحيث يصبحون فريقين: فريقا يستهدف جمع اليهود تحت راية السياسة، بغض النظر عن العقيدة الدينية، وفريقا آخر يريد لليهود أن يظلوا مواطنين حيث هم، مع احتفاظهم بعقيدتهم الدينية، ليس هو بالأمر الجديد، بل ظهرت بوادره منذ الثورتين الأمريكية والفرنسية، في القرن الثامن عشر.
كانت تلك المقابلة مع هارمان إحدى الحادثتين اللتين قال الكاتب في أول خطابه إنه صادفهما قبيل مغادرته نيويورك، وأما الحادثة الثانية فهي أنه حضر مع زوجته احتفالا راقصا، اكتفيا فيه بالجلوس والمشاهدة، فشاركهما على المائدة رجل وزوجته، وسرعان ما دخلوا معا في حديث، تبين منه أن هذا الرجل يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية، وأنه من خبراء الشرق الأوسط، ولما علم أن محدثه هو مدير الجمعية اليهودية الأمريكية - التي لا تناصر الصهيونية وجهة نظرها بالنسبة لإسرائيل - قال له ما معناه إنه لو ترك لرأيه الحر، لما رأى غير هذا الرأي المعارض للسياسة الصهيونية، وأن الوجود الإسرائيلي لا يقوم على أساس عادل، إلا إذ بترت العلاقة بينهما وبين الصهيونية العالمية.
ونقفز في صفحات الكتاب لنصل إلى الرسائل المبعوثة من القاهرة، وأهم ما ورد في الرسالة الأولى (تاريخها 14 من أبريل 1955م)، لقاء بين الكاتب وحاخام اليهود بالقاهرة، حايم ناحوم، «وهو شيخ جليل في الثالثة والثمانين من عمره، وكان قبل هذا حاخام اليهود في الإمبراطورية التركية، وقد لبث في مصر ثلاثين عاما، وهو اليوم كفيف البصر، لكنه من نفاذ الرأي ويقظة الوعي في درجة لا تستطيع أن تتخيل درجة أبعد منها؛ ولأنني أعلم التضليل الذي يذاع في أمريكا عن اليهود في البلاد العربية، فإنني أؤكد هنا أن الاجتماع بالحاخام كان في منزله، ولم يحضره أحد من رجال الحكومة ... وإنه لمن باب التفكهة أن أذكر - في مواجهة التفرقة الباطلة التي تذيعها الدعاية الصهيونية للتمييز بين العربي واليهودي - أن الحاخام يلقب ب «الأفندي» عند المصريين لولا أن هذا اللقب لم يعد يستعمل بصفة عامة في كل أنحاء البلاد بعد الثورة، على أني أريدكما أن تعلما أن اللقب كان يراد به الاحترام؛ ولذلك لم تكن دهشتي عظيمة حين ذهبنا إلى شقة الحاخام ناحوم، لأراه هناك جالسا وعلى رأسه الطربوش العربي، وتساءلت ماذا يا ترى يكون الرجع إذا ما ظهر الرجل في حفلة يقيمها الصهاينة في نيويورك؟
تحدثت مع الرجل ساعتين، وطرقنا بالحديث موضوعات كثيرة، فوجدته عدوا للصهيونية، لا يرغب في شيء رغبته في التنصل منها، وقد قص علي قصة منذ كان في الماضي مقيما في تركيا، كيف جاء عندئذ وفد صهيوني يطلب منه التوسط لدى السلطان ليسمح للصهيونيين بشراء الأرضي في فلسطين، فأفهمهم أن مثل هذه الوساطة تسره لو كان يعلم أن الأراضي تباع لليهود من حيث هم «أفراد» يعتزمون أن يكونوا مواطنين في فلسطين، لكنه لن يتوسط في ذلك ما دام يعلم أن الأراضي إنما تشترى تحقيقا لخطة «جماعية» يراد بها خدمة الحركة الصهيونية».
ومضى الكاتب في رسالته ليقول إنه لا بد لمن يريد أن يرى الحقيقة بعينيه، أن يحضر إلى هنا ليرى كيف تمارس العقيدة اليهودية بكل شعائرها في حرية تامة، وكيف يشارك المواطنون اليهود سائر أبناء وطنهم في نشاط الثورة؛ ثم يؤكد الكاتب - وكأنما هو في عجب مما يرى - أن ليس في مصر علامة واحدة تدل على اضطهاد السامية (وفاته أن يعلم أن العرب هم أنفسهم ساميون)، وقد أثبت الكاتب في رسالته هذه ما أنبأه به الحاخام ناحوم، من أنه في الأسبوع الماضي، دعي مع قادة المسلمين والمسيحيين، للمشاركة في الاحتفال برفع العلم المصري لأول مرة على مدينة السويس؛ فأين هذه المساواة في المواطنة برغم اختلاف الديانات؟ أين هي مما يذيعه دعاة الصهيونية في أمريكا؟
وفي رسالة تالية أرسلها من القاهرة (بتاريخ 22 من أبريل 1955م) يؤكد الكاتب ما ذكره في رسالته السابقة، وما يغيب عن أذهان الأمريكيين بفعل ضلالات الدعاة، من أن اليهود هنا هم عرب من العرب، يتكلمون العربية، ويرتدون ما يرتديه العرب، ويبيعون للعرب، ويشترون من العرب؛ ويقول إنه لتأخذه الدهشة الممزوجة بالعار حين يتذكر كيف يجلس الأمريكيون في جهلهم، بل كيف يبدون استحسانهم أحيانا، كلما وقف بينهم سفراء إسرائيل، ووزراء إسرائيل، يخطبون فيهم لجمع التبرعات، مصورين البلاد العربية في حديثهم في صورة بشعة، ما أبعدها عن الحقيقة كما تراها عين الرائي! أفلا يجدر بهؤلاء المنصتين هنا في إعجاب أن يجيئوا إلى هنا ليروا كيف يعيش خمسون ألفا من اليهود، مواطنين عاملين أحرارا، شاركوا حياة بلادهم في ماضيها، وفي حاضرها، وفي رسم مصيرها؟
واتصل الكاتب بصحفي يهودي في مصر، وطلب منه أن يكتب له تقريرا عن حالة اليهود في هذه البلاد؛ فكتب الصحفي يقول:
يتمتع اليهود المصريون والأجانب في مصر، بحرية كاملة في عقيدتهم، وفي التعبير عن أنفسهم وفي مزاولة أعمالهم، وقد شارك اليهود في مصر - قبل حملة فلسطين وبعدها - في اقتصاد مصر وتجارتها إلى حد بعيد؛ وحتى حين نشبت الحرب في فلسطين، لبث اليهود المصريون يتمتعون بحقوقهم كاملة، ويؤدون واجباتهم كاملة، من حيث هم مواطنون مصريون، ولم يشعر اليهود المصريون قط بأي اضطهاد أو تمييز عنصري؛ فقد كان يمثلهم نواب في البرلمان المصري، وحدث في أيام الحرب الفلسطينية أن كان عنهم نائبان في البرلمان، هما أصلان قطاوي، في مجلس الشيوخ، ورينيه قطاوي، في مجلس النواب.
صفحه نامشخص