فرهنگ ما در برابر عصر
ثقافتنا في مواجهة العصر
ژانرها
تعادلية الحكيم
وقفة الأديب ووقفة الناقد مختلفتان، اختلاف المرحلتين اللتين تكمل إحداهما الأخرى، لا اختلاف الضدين اللذين ينفي أحدهما ما يثبته الآخر، فالأديب يصور الإنسان تجسيدا في أفراد ومواقف، وأما الناقد فيتناول بالتحليل هذه الأفراد والمواقف؛ لعله أن يقع على مبدأ كامن وراءها، يكون هو عندئذ مبدأ الأديب قد أضمره في طويته ليخرجه للناس متجليا فيما خلقه لهم من تلك الأفراد والمواقف، فوقفة الناقد من أدب الأديب ومخلوقاته، أشبه ما تكون بوقفة العالم من الطبيعة وكائناتها، كل منهما يجد نفسه إزاء كثرة من وقائع وحقائق، فيحاول استقطابها في أم واحدة تربطها جميعا بصلة الرحم.
وكثيرا ما يكون الأديب والناقد رجلين، يفحص أحدهما عمل الآخر، وقليلا ما يجتمع الأديب والناقد في رجل واحد، يكون اليوم أديبا ثم يصبح في غد ناقدا لأدبه، مستخرجا منه أصوله ومبادئه، وقد كان توفيق الحكيم بكتابه «التعادلية» واحدا من هؤلاء القلة، التي التقى فيها خلق الأديب وتحليل الناقد، فقد جاءته - فيما يروى لنا - رسالة من قارئ جاد، يسأله فيها عن مذهبه في الحياة والفن، مستخلصا من كتبه، ليرى صاحب هذه الرسالة إن كان قد أصاب أو أخطأ في استخلاص ذلك المذهب لنفسه؛ ذلك أن ذلك السائل قد انتهى بعد قراءته لكتب الحكيم إلى رأي، هو أن تلك الكتب في مجموعها تحاول تفسير «الإنسان» في وضعه العام من الكون بزمانه ومكانه، وفي وضعه الخاص من المجتمع بأجياله وبيئاته، فانتهز أديبنا الحكيم فرصة سؤال السائل، وهم بالإجابة ليعدها للنشر؛ لأنها ربما جاءت على صورة محددة يمكن وصفها بأنها مذهبه في الحياة والفن، فكان هذا الكتاب الذي بين أيدينا: «التعادلية».
قرأت الكتاب، فخيل إلي وأنا ماض بين صفحاته، أنني إنما أستمع إلى فيلسوف من فلاسفة اليونان الأقدمين، يتكلم العربية ويرتدي ثياب أوروبا العصرية، لكن الفكر واللغة والثياب لم يكن بينها - مع ذلك - تنافر، بل جاءت كلها في وحدة متسقة تنسيك اختلاف وجوهها، فأديبنا الحكيم في «تعادليته»، ينظر إلى الكون وإلى الإنسان، النظرة نفسها التي نظر بها فلاسفة اليونان، وهي نظرة تحاول جمع الأضداد في وحدة، وهل تستطيع أن تقرأ نظرات الحكيم في هذه المحاولة، فلا يرد على خاطرك قول هرقليطس - مثلا - بأن حقيقة الكون أضداد تتعادل: النهار والليل، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والشبع والجوع، والبارد والحار، والرطب واليابس، واليقظة والنوم، والحياة والموت؟ أو هل تستطيع أن تقرأ تعادلية الحكيم، ثم لا تذكر قول أنبادقليس في المحبة والكراهية، في التجاذب والتنافر، اللذين يعلل بهما هذه الحركة الدائبة في الكون من اتصال وانفصال يسببان كون الأشياء وفسادها؟ أو هل تستطيع أن تقرأ تعادلية الحكيم دون أن يمثل أمام بصرك مبدأ «الوسط الذهبي» الذي يتوسط المتطرفات فيكون هو الفضيلة والحكمة؟ وهكذا أخذت أصداء الفلاسفة اليونان الأقدمين تتردد في سمعي كلما مضيت بين صفحات التعادلية.
فالتعادلية بصفحاتها التي لا تكاد تزيد على مائة وثلاثين صفحة من القطع الصغير، سياحة تطوف بك على ميادين الفكر، لتقف بك عند كل ميدان منها لحظة، تعطيك فيها الجرعة المركزة الموجزة، التي ربما تفجرت في نفسك بعدئذ تساؤلات وتأملات؟ إنها سياحة تطوف بك على الميتافيزيقا والأخلاق والجمال والاقتصاد والاجتماع والسياسة والبيولوجيا، وغيرها من فروع العلم والمعرفة، ليدلك المؤلف عند كل واحد منها على موقفه إزاءه، وكيف يراه بالعين التي تجمع الضدين في فعل واحد موحد، بديهي أن هذه السياحة السريعة لا تمكن الدليل من الوقوف الطويل عند كل منظر وكل أثر ليطنب القول ويسهب، فهو مضطر أن يخطف الحجة خطفا، وإذا لم يكن هذا يكفيك في إقناع العقل، فالمعول عندئذ إنما يكون على القلب، الذي قد ترضيه نغمة الإيمان في إيجازها، ما دامت تفوح بالصدق وبالعمق في آن معا.
أما المسألة الميتافيزيقية فيطرحها المؤلف في سؤالين؛ يسأل أحدهما عن الإنسان، إن كان في هذا الكون وحيدا؟ ويسأل الآخر عن حرية الإنسان في هذا الكون؟ وقبل أن يدلي الحكيم بجوابه عن السؤالين، يقدم الرأي الذي يسود عصرنا، ثم يعلله، وبعدئذ ينقضه برأيه هو، الذي يقيمه على «التعادل».
فلقد أجاب العصر الحديث فعلا عن هذين السؤالين، فيما يقول أديبنا الحكيم «بأن الإنسان وحده لا شريك له في هذا الكون، وأنه إله هذا الوجود، وأنه حر تمام الحرية، وبهذا الجواب الذي قضى على تعاليم الأديان، ختم العصر الحديث على نفسه بطابع المادية» .. ذلك هو جواب العصر، وأما تعليله - كما يراه الحكيم - فهو «أن التعادل الذي كان قائما حتى مطلع القرن التاسع عشر بين التفكير ونشاط الإيمان، قد اختل منذ ذلك الوقت، بتوالي انتصارات العلم العقلي، واستمرار جمود الجانب الديني»، ويلحظ الحكيم أن هذا الاختلال في التعادل بين العقل والقلب، قد «كانت له نتيجته الطبيعية التي لا بد أن تلازم كل اختلال في التوازن .. وهو القلق.»
هكذا شخص الحكيم اعتلال عصرنا، وهكذا رد الاعتلال إلى علته، ثم استنتج منه نتيجته الطبيعية، وأردف موضحا كيف كانت العلاقة بين العقل والقلب - تعادلا أو اختلالا للتعادل - هي موضوع مسرحيته «أهل الكهف»، وذلك عندما وضعت تلك العلاقة في إطار مشكلة الزمن، كما كانت هي موضوع مسرحيته «شهرزاد»، وذلك عندما وضعت تلك العلاقة في إطار مشكلة المكان، وينتهي الحكيم من ذلك كله إلى تحديد موقفه من السؤالين السابقين؛ فليس الإنسان في هذا الكون وحيدا ومسيطرا سيطرة مطلقة، بل هنالك إلى جانبه قوى غير منظورة، من شأنها أن تحد من حريته، وأن تكن حافزة له على الكفاح نحو الأرقى، أما القوى غير المنظورة فإدراكها عنده يكون بإيمان القلب، وأما فكرة الأرقى التي تتطلب الكفاح، فإدراكها يكون بالعقل، ولا بد من إيمان وعقل يعملان معا في تعادل.
وعلى هذه القاعدة الأساسية - قاعدة التعادل بين الإيمان والعقل - يستأنف الحكيم حديثه عن الحرية الإنسانية، فيقول إن الجانب العقلي من الإدراك كفيل وحده بأن يشهد بالحرية للإنسان دون الحيوان، وما العقل إلا مشاهدات واستدلال من المشاهدات، أما المشاهدات في هذا الصدد فتقوم على أن الحيوان كله يولد مكبلا بمعرفة محددة معينة - هي الغرائز - يتصرف على أساسها فيما يصادفه من مواقف، بغير حاجة منه إلى تعلم وتدريب، على خلاف الإنسان الذي يولد عاجزا، حتى عن المشي والكلام، ولا يختزن في جوفه حضارته، كما يفعل النحل والنمل، ولذلك كان علمه اكتسابا، وكانت حضارته من صنعه وبإرادته، تلك هي المشاهدات، وأما النتيجة التي تستدل منها فهي أن الحيوان مجبر والإنسان حر، وعندئذ يتولد سؤال جديد عن هذه الحرية الإنسانية، أمطلقة هي أم مشروطة ومقيدة بحدود؟ هي حرية - عند الحكيم - مقيدة بقوى خارجية «أسميها أحيانا القوى الإلهية .. حرية الإرادة في الإنسان عندي إذن مقيدة، شأنها في ذلك شأن حرية الحركة في المادة.»
تلك هي النتيجة التي ينتهي إليها إذا نظر إلى الأمر بأداة العقل، فإذا ما استدار إلى الأداة الإدراكية الأخرى - القلب - ليرى ماذا تقول في ذلك، وجد عندها النتيجة نفسها، وهي أن الإنسان حر الإرادة حرية قد تتدخل فيها القوى الكونية المجهولة، وإذن فهي نتيجة لا اختلاف عليها بين عقل وإيمان، ومن ثم كانت هي إحدى الأفكار الرئيسية التي بنيت عليها مسرحياته، أعني أنها هي «مأساة الحياة كما تتكشف عن عجز الحرية الإنسانية»، فتستطيع أن تقول هنا إن «إرادة الإنسان في كفتها تعادلها الإرادة الإلهية في كفة أخرى، والعقل البشري في كفة يعادله الإيمان في كفة»، وبهذا التعادل بين القوى يعيش الإنسان. ويسوق المؤلف لمثل هذا التعادل أمثلة من «أهل الكهف» و«شهرزاد» و«سليمان الحكيم»، وغيرها.
صفحه نامشخص