[3.45]
{ إذ قالت الملائكة } جبريل، أو هو وجماعته { يامريم إن الله يبشرك } زمان التبشير وزمان الاختصام، واسع التبشير فى بعض، والاختصام فى بعض منه سابق بمدة طويلة كما مر، وذلك كما يقال، كان كذا وكذا يوم كذا، أو شهر كذا أو عام كذا، أو قرن كذا، واحد فى وقت، والآخر فى وقت من ذلك { بكلمة منه } ولد ، يكون بكلمة كن كما مر بيانه بلا أب، كقوله تعالى فى آدم، ثم قال له كن، وقيل، سمى لأن الله يهدى به كما يهدي بكلمته سبحانه. قال نصرانى حاذق طبيب لعلى بن الحسين الواقدى بحضرة الرشيد إن فى كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله، وتلا قوله تعالى،
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
[النساء: 171]، فقرأ الواقدى:
وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه
[الجاثية: 13]، فيلزم أن الأشياء جزء منه تعالى، فانقطع النصرانى وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى الواقدى صلة فاخرة { اسمه } اسم الكلمة، وذكرهاه لأنها عيسى، ولأن الخبر مدكر، وهو قوله { المسيح } لقب يدل على المدح، معناه المبارك فى العبرية، وأصله فيها مشيحا، وقيل، لفظ عربى مشتق من المسح، إذ مسح بالبركة أو بالتطهير من الذنوب، أو مسحه جبريل يحتاجه صوتا من الشيطان وقت الولادة، أو بيده تبركا به، أو كان ممسوح القدمين، لا أخمص لهما، أو ممسوح بدهن من الله، تمسح به الأنبياء فقط حال الولادة، تعرفهم الملائكة أنبياء به، أو خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن، أو مسح جهه بالملاحة، فعيل بمعنى مفعول، والميم أصل لا زائد، أى لأنه يمسح الأرض، أو يقطعها، لا يقيم فى موطن، او لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ، أو لأنه يمسح رأس اليتيم لله عز وجل، والزائد الياء، أو لأنه يسيح فى الأرض، فالزائد الميم، فعيل بمعنى فاعل { عيسى } عطف بيان أو بدل، أو هو عيسى، فليس اسمه مجموع قوله المسيح عيسى { ابن مريم } كما قيل، فالمسيح، لقبه، وعيسى اسمه، وابن مريم كنيته، والمشهور أن الاشتقاق لا يدخل الأسماء العجمية، وقيل، التحقيق دخوله إياها، كما تشاهد فيها المعانى المصدرية والأفعال الماضية والمستقبلة والأمر، وأقول لا محيد عن ذلك إلا أنه ليس يجوز أن يدعى لفظ عجمى مشتق من لفظ عربى باعتبار المعنى، مثل أن يقال عيسى عبرانى مشتق من العيس، وهو البياض، وكان أبيض إلى حمرة، وخاطبوا مريم بنسبته إليها إيذانا بأنه يكون بلا أب، وإيذانا بكنيته ، والمعتاد نسبة الناس إلى الآباء، ولذلك نسب إليها ولم يقولوا ابنك { وجيها } ذا جاه، أى قوة ومنعة وشرف، وقيل وجاهته أنه لا يرد سائلا، وقيل إنه نبى، وأنه تقبل شفاعته فى الآخرة، وقبول دعائه، وإبراء الأكمه والأبرص وقيل براءته مما رمته اليهود به، وهو من الوجه، لأنه أشرف الأعضاء، والجاه مقلوب منه، وكذا قال فى موسى، كان وجيها، وهو حال من كلمة، أو من ضميرها فى الاستقرار، لأن منه نعت كلمة، وهى حال مقدرة لأن وجاهته تأتى بعد { فى الدنيا } بالنبوة وشفاء الآفات، وبراءته مما قالت اليهود، كما برىء موسى مما قالت اليهود { والأخرة } بالشفاعة فى أمته المحقين، وكثرة ثوابه وعلو درجته { ومن المقربين } وكائنا من المقربين عند الله، ودنيا وآخرة، ومن هذا رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة وقبول كلامه.
[3.46]
{ ويكلم الناس فى المهد } فى زمان المهد قبل وقت الكلام، وهو ما يوطأ للطفل، وظاهر الآية أنه لم يرتفع عند الكلام، لأن الفعل هنا للتكرير، لا كما قيل، إنه بعد ما تكلم ارتفع الكلام إلى وقته، وعن ابن عباس تكلم ساعة فى المهد بقوله،
إنى عبد الله آتانى الكتاب...
[مريم: 30] الخ، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق، وقالت مريم عليها السلام، كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثته، وإذا شغلنى عنه إنسان سبح فى بطنى وأنا أسمع { وكهلا } عطف على الحال قبله، أى ثابتا فى المهد وكهلا، وذلك بشارة بأنه يحيا ويكون كهلا، وإعلان بأن كلامه لم يتغير، بل هو حق، وكلام أنبياء قبله فى حال مهده وحال كهولته، ولو كان إلها كما تزعم النصارى لم يتغير من الصبا إلى الكهولة، وأول الكهولة ثلاثون سنة، أو اثنتان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون، بعث على رأس ثلاثين، ومكث فى نبوته ثلاثين شهرا أو ثلاثين سنة { ومن الصالحين } وثابتا من الصالحين كإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى، ولا شك أن الصلاح سبب لجميع مقامات الدين ومتقدم فى الوجود على النبوة، ولذلك ذكره مع تقدم تلك الصفات، أو المراد الكاملون فى الصلاح، وأيضا يقال، لا مرتبة أعلى من كون المرء صالحا، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان فى جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح، فتناول جميع مقامات الدين اعتقادا، قولا وعملا، فلا يعترض بأن مقام النبوة أعظم فتغنى، ولذلك قال سليمان بعد النبوة،
صفحه نامشخص