تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ وكذلك نجزي المحسنين } [يوسف: 22] أي: كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم بفضلنا وكرمنا، كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح؛ إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.
{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } [يوسف: 23] يشير به إلى أن يوسف القلب وإن بلغ أعلى مراتبه في مقام الحقيقة وفنائه عن صفات الأنانية واستغراقه في بحر صفات اللاهوتية لا تنقطع عنه تصرفات زليخاء الدنيا ما دام هو في بيتها وهو الجسد، فإن الجسد للقلب بيت دنيوي، فالمعنى: إن راودت يوسف القلب زليخاء الدنيا التي يوسف القلب في بيتها أي: في الجسد الدنيوي وعن نفسه؛ لما رأت في نفسه تعلقه بالجسد داعية إلى الاحتظاظ من الحظوظ الدنيوية ليحتظ بها وتحتظ به.
{ وغلقت الأبواب } [يوسف: 23] وهي أبواب أركان الشريعة يعني: إذا فتحت الدنيا على القلب أبواب شهواتها وحظوظها غلقت عليه أبواب الشريعة التي يدخل منها أنوار الرحمة والهداية ونفحات الألطاف والعناية.
{ وقالت } [يوسف: 23] أي: الدنيا، { هيت لك } [يوسف: 23] أقبل إلي وأعرض عن الحق، { قال } يعني: القلب الفاني عن نفسه الباقي بربه، { قال معاذ الله } [يوسف: 23] أي: عياذي بالله عما سواه، { إنه ربي } [يوسف: 23] رباني بلبان ألطاف ربوبيته، { أحسن مثواي } [يوسف: 23] مقامي في عالم الحقيقة فلا أعرض عنه، { إنه لا يفلح الظالمون } [يوسف: 23] الذين يقبلون إلى الدنيا ويعرضون عن الولي.
{ ولقد همت به } [يوسف: 24] أي: همت الدنيا بالقلب لما رأت فيه من الحاجة الضرورية للإنسانية إليها، { وهم بها } [يوسف: 24] أي: هم القلب بها فوق الحاجة الضرورية إليها لما ركنت النفس الحريصة على الدنيا ولذاتها، { لولا أن رأى } [يوسف: 24] القلب، { برهان ربه } [يوسف: 24] وهو نور القناعة التي في نتائج نظر العناية إلى قلوب الصادقين، { كذلك لنصرف عنه } [يوسف: 24] من القلب بنظر العناية { السوء } [يوسف: 24] وهو الحرص على الدنيا، { والفحشآء } [يوسف: 24] وهي تصرف حب الدنيا فيه { إنه من عبادنا } [يوسف: 24] لا من عباد الدنيا وغيرها، { المخلصين } [يوسف: 24] مما سوانا أي: المخلصين في جنس الوجود المجازي، الموصلين إلى الوجود الحقيقي، وهذا مقام كمالية القلب أن يكون عبدا لله حرا عما سواه، فانيا عن أوصاف وجوده، باقيا بأوصاف ربه.
{ واستبقا الباب } [يوسف: 25] يشير إلى أن يوسف القلب لما رأى برهان ربه وهو نور نظر العناية التي من نتائجها القناعة هرب من زليخاء الدنيا وما يخدع بزينتها وشهواتها اتبعته زليخاء الدنيا واستبقا الباب وهو الموت، فإن الموت باب بين الدنيا والآخرة وكل الناس داخله، فمن خرج من باب دار الدنيا دخل دار الآخرة؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، فتعلقت زليخاء الدنيا بيد شهواتها بذيل قميص بشرية يوسف القلب قبل خروجه من باب الموت الحقيقي.
{ وقدت قميصه } [يوسف: 25] بشريته، { من دبر } [يوسف: 25] فلما خرج يوسف من باب موت البشرية والصفات الحيوانية واتبعته زليخاء الدنيا، { وألفيا سيدها لدى الباب } [يوسف: 25] وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخاء الدنيا، وإنما سمي سيدها؛ لأن أصحاب الولايات هم سادة الدنيا والآخرة، وهم الرجال على الحقيقة يتصرفون في الدنيا كتصرف الرجل في امرأته.
{ قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا } [يوسف: 25] يشير إلى أن ما جزاء قلب يتصرف في الدنيا بالسوء وهو على خلاف الشريعة ووفق الطبيعة، { إلا أن يسجن } [يوسف: 25] في سجن الصفات الذميمة النفسانية، { أو عذاب أليم } [يوسف: 25] أي: يعذب بألم البعد والفراق، { قال } [يوسف: 26] يوسف القلب وأظهر عداوة زليخاء الدنيا بعد أن خرقت قميص بشريته وخرج من باب الموت عن صفاتها، { هي راودتني عن نفسي } [يوسف: 26] لأنها كانت مأمورة بخدمتي كما قال:
" يا دنيا اخدمي من خدمني "
وإني كنت فارا منها، لقوله:
صفحه نامشخص