تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة.
{ إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض القرب عند حظائر القدس.
ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب الحي الذي أحياه الله،
وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت
[الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
[الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه بالدنيا وما فيها.
{ كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من آياتنا.
[7.59-64]
ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة.
صفحه نامشخص