تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ارجعي إلى ربك
[الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله } [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم.
[6.125-129]
ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى:
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه
[الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله.
{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } [الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه بإتباع الحق ليشق عليه.
{ كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم من فضله ولا يتبعونهم.
{ وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية.
{ وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ربوبيته، كما قال تعالى:
صفحه نامشخص