تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبها، وأن الطبع من الطبع يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة { والله يعلم ما تبدون } [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان { وما تكتمون } [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك { قل لا يستوي الخبيث والطيب } [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله { ولو أعجبك كثرة الخبيث } [المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى الله وفيه كثرة { فاتقوا الله } [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله { يأولي الألباب } [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا إلى الدرجات الروحانية { لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]، لكي تظفروا بالقربات الربانية.
[5.101-104]
ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض
[الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم:
لنريك من آياتنا الكبرى
[طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلبا للتأويل فإنه
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم
صفحه نامشخص