تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[61 - سورة الصف]
[61.1-5]
أيها الصافون في مصاف الأعداء المصفون من أهل الصفاء القائمون في صفوف الصوفية بشرط الوفاء القاعدون في صفة أصحاب الصفة بالتوكل والرضاء سبحوا الله بالنسبة الأرض والسماء ونزهوه من أن يحاط بالأفكار والعقول وافهموا ما يقول في كتابه الكريم حيث يقول { سبح لله ما في السموت وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } [الصف: 1] بحكمة خلق الأرض والسماء وما فيهما وما بينهما لتسبحه في السماوات الروحانية القوى العلوية وفي أرض البشرية القوى السفلية وبعزته حجب الكل عن مشاهدته وسخرهم بقدرته ليمتزجوا ويختلطوا بالفعل والانفعال [ليتولد] من الآباء العلوية والأمهات السفلية اللطيفة الأنانية المسبحة بلسان الحق لذات الرب سبحانه وتعالى أن يقدر أحد أن يذكره أو يسبح له غيره واللطيفة الأنانية الكاملة هي مرآة وجهه الكريم والمسبح لذاته عكس ذاته المنطبع في المرآة فإن لم يسبح الناظر في المرآة نفسه فكيف تقدر المرآة أن تسبحه فالمسبح عكس ذاته فتسبيحه بتسبيحه إياه فإن ظهر المسبح والمنظور هو المسبح وهو الناظر والمنظور والذاكر والمذكور { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } [الصف: 2] يا أيتها القوى المؤمنة النفسية لم تقولون إنا نجاهد العدو إذا واجهتموه وافقتموه وأعصيتم شهواته على وفق هواه ما علمتم أن الله يقول: { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [الصف: 3] { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } [الصف : 4] يعني: إذا غلب في أثناء المجاهدة والخلوة جند خواطر الشيطان والقوى القالبية والنفسية لغير المزكاة على القلب فينبغي أن يكون السالك المجاهد وقواه القلبية لا يزالون عن مكانهم مواجهة العدو في صف الجهاد كأنهم قد رص بعضهم ببعض لأن كيد الشيطان ضعيف إذا رأى من السالك والقوى القلبية ثبات القدم وصدقهم في المجاهدات ينهزم سيما إذا شاهد حزب الرحمن وهو أنوار الجذبة وأنوار الخواطر السرية والخفية يتولى مدبرا ويقول إني أرى ما لا ترون ويقوى السالك على حزب الشيطان بعد ذلك بحيث كلما واجهه انهزم إلا ما شاء الله لو ابتلي السالك بإيقاع الشهوات على وفق الهوى وترك الذكر فإنه يجيء كرة أخرى ويجلب بخيله ورجله للقتال فالسالك الموفق لا يخاف من كثرتهم ويعتصم بحبل الذكر ويتقلد بسيف الثقلين ويحمل عليهم ويهزمهم بقوة الولاية عند استحضاره الشيخ فبعد ذلك يضعف الشيطان والقوى القالبية والنفسية التي هي حزبه ويجب على السالك بعد ذلك رعاية القوى القلبية بحقوق الذكر ومحاسبة القوى النفسية والقالبية من الحظوظ حتى لا يلقمهم لقمة من غير حساب { وإذ قال موسى لقومه يقوم } [الصف: 5] يعني: اللطيفة السرية لقواها { لم تؤذونني } [الصف: 5] بالافتراء علي بأن ذكري معلول بريح الهوى { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } [الصف: 5] فربما يذكر السالك الذكر السري ولا يصل ذوق إلى القوى النفسية المؤمنة فيفترون على اللطيفة السرية أن ذوق ذكرك لا يصل إلينا ولم نجد ذوق فعله حدثت من ريح الهوى إلى ذكرك وإن لم يكن السالك محفوظا أو تحت ولاية الشيخ ينغصون العيش عليه فسبيل السالك في هذا المقام أن يقول إني أذكر الله لله لا للذوق وإن لم يصل إلى الذوق في الدنيا يصل في العقبى وإن لم يصل فالحكم للمولى إن ما عشت أذكر مولاي وولي وإلهي من غير طمع وأجرة ولا يكون كأجير سوء في سلوكه خاصة عند هجوم ظلمات النكرة وخمود نيران الشوق وجمود الاستعداد وركود ريح الذكر القلبي ويجتهد في الطاعات والرياضات والذكر وإن لم يجد منه راحة بل يكون في تلك الساعة كان إعطاؤه ترض بالحجارة فيجب أن يبالغ في الذكر على وجه التعظيم والهيبة حتى يفتح الله عليه باب المعرفة فيجد حينئذ أضعاف ما يجده من الذوق قبل هذه الحالة { فلما زاغوا أزاغ الله } [الصف: 5] يعني: القوى النفسية والقالبية عن الحق بافترائهم على اللطيفة السرية { أزاغ الله قلوبهم } [الصف: 5] يعني: أمالها الله بوجوههم عن الحق { والله لا يهدي القوم الفاسقين } [الصف: 5] الذين يفترون على نبيهم.
[61.6-9]
{ وإذ قال عيسى ابن مريم } [الصف: 6] يعني: اللطيفة الخفية { يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات } [الصف: 6] الخفية التي شاهدتها القوى النفسية والقالبية المؤمنة باللطيفة السرية { قالوا هذا سحر مبين } [الصف: 6] أنكرتها وقالت: هذا يسحر بأعيننا وليس لهذه الآيات حقيقة وهذه الأحوال تظهر للسالك بعد عبوره على الحجبات القالبية والنفسية والقلبية والروحية ووقوفه في تلك المواطن حتى يرسل الله اللطيفة الخفية لترقيها من ذلك المقام، ويدخلها في عالم الخفي ودعتها اللطيفة الخفية إلى الحق بالصحيفة الخفية التي هي مصدقة للصحف الروحية والسرية والقلبية والنفسية والقالبية، ويبشرهم باللطيفة الخفية التي هي أحمد اللطائف لحقها، وأشكرهم على نعم الحق، وأعظمهم قدرا، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم على الله وأحبهم عنده، وهي اللطيفة المقصودة التي لولاها لما خلق الدنيا والعقبى، فأنكرت القوى النفسية والقالبية اللطيفة الخفية؛ لوقوفهم على ترك شهواتهم التي هي صارت عادتهم إذا صدقوا اللطيفة الخفية، واستدلوا بالسلوك؛ لأن العبادة ترك العادة، فالواجب على السالك في هذا المقام أن يترك جميع عباداته النافلة بأمر مسلكه؛ ليسهل عليه التجاوز عن هذه المرتبة { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام } [الصف: 7] يعني: من أظلم ممن ادعى التسليم لأوامر اللطيفة المرسلة، وترك عاداته للترقي من مقامه، يفتري علي الكذب، ويقول للطيفة المرسلة ما أنت برسول صادق؛ بل أنت ساحر كذاب تريد أن تصدنا عن طريقتنا، وتخرجنا عن ملتنا، وملة آبائنا وأمهاتنا السفليات { والله لا يهدي القوم الظالمين } [الصف : 7] الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء على رسلهم والاستهزاء بالوارد الذي ورد على اللطيفة المرسلة { يريدون ليطفئوا نور الله } [الصف: 8] يعني: القوى التابعة للشهوات على وفق الهوى يريدون أن يطفئوا نور الله اللطيفة الخفية لئلا يظهر { بأفوههم } [الصف: 8] يعني: بافترائهم وكذبهم وأكلهم الشهوات على وفق هواهم { والله متم نوره } [الصف: 8] يعني: مظهر نور اللطيفة الخفية { ولو كره الكفرون } [الصف: 8] من القوى التابعة للطائف ثم الهادية عن الجهاد البالغة للشهوات المشتغلة بالحظوظ العاجلة الغافلة عن ذكر الرب الكافرة نعم مشاهدة الآيات الأنفسية { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } [الصف: 9] يعني: هو الذي خلقكم وهداكم إلى السلوك بأمر اللطائف المرسلة إليكم يرسل رسوله الكريم، وهو اللطيفة الخفية الداعية إلى الحق المعلمة أمر التقويم والتصقيل والتوجيه للمرأة التي هي منظورة الحق على وجه يمكن إكمال المرأة به، ويجعلها مستحقة لأن ينظر إليها الله تعالى بنظر جلاله وجماله ويشاهد فيها ذاته وصفاته وأفعاله وآثاره على وجه التفضيل؛ ولهذا السر أظهر هذا الدين على الأديان كلها، وسنحت الشرائع بشريعتها الزهري، ولو كره المشركون الذين أشركوا بالله بإثباتهم اللطائف بالنبوة والقوى القابلة والفاعلة بالشركاء لله، تعالى عما يقول المشركون والكافرون علوا كبيرا هو الله الواحد الأحد الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا خلق القوى القابلة بنظر ربوبيته، وخلق القوى الفاعلة بنظر ألوهيته وأزوج بينهما بحكمته، وأخرج من بينهما ذريته ليكونوا مظاهر لطفه وقهره، وهو الغالب على أمره بفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد في ملكوته.
[61.10-12]
{ يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } [الصف: 10] يعني: أيتها القوى المؤمنة باللطائف هل أدلكم على كسب إن اشتغلتم به ينجيكم من عذاب الآخرة، وهو أسهل مما تواظبون عليه من الأوزار والأغلال؛ لأني بعثت بالملة الحنيفية السمحة السهلة، وهو أن { تؤمنون بالله } [الصف: 11] يعني: وحدانيته { ورسوله } ، يعني: اللطيفة الخفية المرسلة التي هي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } [الصف: 11] يعني: باستعدادكم الحاصل من سلوككم بأمر اللطائف المرسلة من قبيل ترك اختيار أنفسكم وعادتكم { ذلكم خير لكم } [الصف: 11] من كثرة مجاهدتكم وتعبكم ورياضتكم الشاقة على أنفسكم { إن كنتم تعلمون } [الصف: 11] أن حقيقة العبادة ترك الهوى، والائتمار بما يأمر به المولى، والانتهاء عما ينهى عنه لا تعذيب النفس، وقلة الأكل والنوم على وفق الهوى؛ ولأجل هذا السر قال المشايخ: لو يأكل المريد بأمر شيخه كل يوم دجاجة مسمنة، وحلوى من سكر خير له من أن يأكل في كل أسبوع قرصا من شعير على وفق أمر نفسه وهواه، وإن شاهدنا وجربنا في أنفسنا، وفيمن سلكناه أن الإفطار على وفق أمر الشيخ خير له من الصوم باختيار نفسه، وإن ترك العبادات النافلة من الصلاة والحج والصدقة والتلاوة بأمر شيخه؛ أنفع له من الإتيان بها على وفق اختيار نفسه، وفي هذا السر لطيفة إفشاؤها حرام على المسلك من قبل أن يطلع الله السالك عليها، فإذا أطلع الله السالك عليها، ويحكيها السالك للمسلك، فيجوز للمسلك أن يخبره عن هذه اللطيفة، فمن يؤمن بالله أيتها القوى المؤمنة باللطائف المرسلة من قبل باللطيفة الخفية منكم { يغفر لكم ذنوبكم } [الصف: 12] بإثبات الولد والصاحبة لله، وبإثبات الشركاء له { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } [الصف: 12] يعني: جنات القلب تجري من تحتها أنهار المعرفة تكون تحت تصرفكم متى شئتم شربتم منها { ومساكن طيبة في جنات عدن } [الصف: 12]، وهي مساكن قوى معدنية السالك إذا صارت طيبة يكون بعد خراب البدن لصاحبه مساكن طيبة في جنات عدن، وهو القوى النباتية المزكية عن الخبائث المطهرة عن الأباطيل، وإذا خرج صاحب هذه القوى من دار الكسب؛ يكون له في دار الجزاء مساكن طيبة بتطهير قوى معدنية، وجنات عدن بتزكية قوى نباتية { ذلك الفوز العظيم } [الصف: 12].
[61.13-14]
{ وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب } [الصف: 13] يعني: لكم شيء آخر في العاجل مما تحبونه، وهو النصر على الأعادي، وفتح البلاد من الأداني والأقاصي غير ما ادخر لكم في الأجل، كما يقول نصر من الله، وفتح قريب { وبشر المؤمنين } [الصف: 13] أيتها اللطيفة الخفية بالنصر والفتح في العاجل والخلود في الجنة مع الرضوان في الآجل { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } [الصف: 14] يعني: أيتها القوى المؤمنة التابعة للطائف المرسلة من قبل إذا آمنتم باللطيفة الخفية كونوا أنصار الله { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } [الصف: 14] يعني: كما قالت اللطيفة الخفية للقوى الصافية التابعة لها { من أنصاري إلى الله } [الصف: 14] في الجهاد مع الأعادي { قال الحواريون نحن أنصار الله } [الصف: 14] يعني: قالت القوى الصافية: نحن أعوان الله ننصرك ونغنيك عن مقابلة العدو { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل } [الصف: 14] ممن آمنوا باللطيفة السرية قبل إرسال اللطيفة الخفية باللطيفة الحنيفية إذا أرسلت { وكفرت طآئفة فأيدنا الذين آمنوا } [الصف: 14] باللطيفة الخفية { على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } [الصف: 14] يعني: إذا شرفوا بالتجلي الجمالي صاروا غالبين على من كفر من أمة مؤمنة باللطيفة السرية كافرة باللطيفة الخفية، فهكذا أيتها القوى المؤمنة باللطيفة الخفية إن كنتم تؤمنون باللطيفة الخفية تردكم بتجليات الجمال، بحيث تصبحون ظاهرين غالبين على عدوكم من القوى الكافرة والمشركة القالبية والنفسية، اللهم اجعلنا ظاهرين على عدونا ثابتين على متابعة سيدنا وحبيبك محمد وآله وصحبه وسلم صلاة وتسليما دائما أبدا.
[62 - سورة الجمعة]
صفحه نامشخص