تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وبقوله: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم } [محمد : 31]، يشير إلى أن البلاء مخلص إبريز الولاء، كما قيل: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فإن بالابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال؛ فيظهر المخلص، ويفضح المارق، وينكشف المنافق، ويتميز الموافق، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان.
وفي قوله تعالى: { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم } [محمد: 31]، إشارة إلى أننا نعلمكم، ونكشف لكم من المجاهد الصابر منكم، وبالابتلاء نخبركم عن جواهركم أنها من السعداء والأشقياء، وإلا نحن عالمون بخالص جواهركم من الأزل إلى الأبد؛ لأنا خلقناها على أوصافها،
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
[الملك: 14]، فيتغير أحوال جواهركم في الأمة، فإن المختلفة لا تظنوا تغير علمنا، فإذا يراكم في حالة واحدة، وتغيرات أحوالكم كلها كما هي؛ بحيث لا يشغلنا حالة عن حالة.
{ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [محمد: 32]؛ أي: أنكروا بعد أن أقروا، وقطعوا الطريق على الطالبين، { وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى } [محمد: 32] بشواهد الحق، فلم يعرفوا قدرها ولم يؤدوا حقها، أخذوا بكفران النعمة وأمهلوا بالخذلان فتقاعدوا عن الخدمة، { لن يضروا الله شيئا } [محمد: 32]، وإنما أضروا بأنفسهم { وسيحبط أعمالهم } [محمد: 32]، لا ينتفعون بها في الدارين.
ثم أخبر عن الطاعة بقدر الاستطاعة بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } [محمد: 33]، يشير إلى أن عمل وطاعة لم يكن بأمر الله وسنة رسوله، فهو باطل لم يكن له ثمرة؛ لأنه صدر عن الطبع والطبع ظلماني، وإنما جاء الشرع وهو نوراني؛ ليزيل ظلمة الطبع بنور الشرع، فيكون ثمرا وثمرته أن يخرجكم من الظلمات إلى النور؛ أي: من ظلمات الطبع إلى نور الحق.
{ إن الذين كفروا } [محمد: 34] من النفوس المتمردة، { وصدوا } [محمد: 34]، القلوب { عن سبيل الله } [محمد: 34] وطلبه، { ثم ماتوا وهم كفار } [محمد: 34] على طبيعتهم، { فلن يغفر الله لهم } [محمد: 34] في الآخرة؛ لأنهم ماتوا على الكفر؛ فيحشرون على ما ماتوا عليه.
[47.35-38]
{ فلا تهنوا } [محمد: 35] في جهاد النفس، { وتدعوا إلى السلم } [محمد: 35]؛ أي: تدعوا النفس إلى الصلح، فإن من صالح نفسه وترك جهاده لن يفلح أبدا، { وأنتم الأعلون } [محمد: 35]، يخاطب القلوب والأرواح العلوية، ولكم القوة الروحانية، { والله معكم } [محمد: 35] بالنصر؛ إذ تجاهدون النفس السفلية الضعيفة في الله، { ولن يتركم أعمالكم } [محمد: 35] لن ينقصكم أجوركم؛ لأنه لا يظلم مثقال ذرة،
وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما
صفحه نامشخص