تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عن ابتغاء الأنساب يوم الحساب بقوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون } [المؤمنون: 101] يشير إلى نفخة العناية الربانية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأنساب فلا يلتفت إلى أحد من أنسابه ولا إلى أهل ولا إلى ولد؛ لاشتغاله بطلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يسأل بعضهم بعضا عما تركوا من أسباب الدنيا ولا إلى ولد لاشتغاله ولا عن أحوال أهاليهم وإخوانهم وأوطانهم إذا فارقوها؛ لأن
لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 37] عن مطالبة الغير { فمن ثقلت موازينه } [المؤمنون: 102] في طلب الحق سبحانه { فأولئك هم المفلحون } في الطلب بفوز المطلوب ونيل المقصود.
{ ومن خفت موازينه } [المؤمنون: 103] عن الطلب وقع عليه طريق الحق بنوع من التعلقات ورجوعه قهقرى { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [المؤمنون: 103] بإبطال استعداد الطلب وإفساده، فإن الإنسان كالبيضة مستعدة لقبول تصرف ولاية الدجاجة وخروج الفروج منها، فما لم تتصرف فيه الدجاجة يكون استعداده باقيا، فإذا تصرفت الدجاجة فيه فتغير حاله إلى حال الفروجية، ثم إذا انقطع تصرف الدجاجة تفسد البيضة فلا ينفعها الصرف بعد ذلك لفساد والاستعداد؛ ولهذا قال المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة، وبهذا يكون معنى قوله تعالى: { في جهنم خالدون } [المؤمنون: 103] أي: في جهنم أنفسهم فلا يخرجون حيث { تلفح وجوههم النار } [المؤمنون: 104] أي: نار القطيعة.
{ وهم فيها كالحون } [المؤمنون: 104] عابسين عبوس المنقطعين عن مطالبهم المبعدين عن مقاصدهم يقال لهم: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } [المؤمنون: 105] أي: ألم يكن النصحاء يثبتون لكم بالدلائل الواضحة والنصائح الصادقة كيفية الطريق وسلوكه وكمالية الوصول إلى الحضرة { فكنتم بها تكذبون } [المؤمنون: 105] وفي عالم الطبيعة الحيوانية ما يكون قالوا: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } التي كتبت علينا وقدرتها، { وكنا قوما ضآلين } [المؤمنون: 106] بإضلالك عن طريق الطلب حيث أخطأنا النور المرشرش في عالم الأرواح وإصابة غيرنا.
[23.107-111]
{ ربنآ أخرجنا منها } [المؤمنون: 107] أي: من جهنم أنفسنا { فإن عدنا } أي ميلان لعالم الطبيعة لمخالفة الشريعة وترك الطريقة { فإنا ظالمون } [المؤمنون: 107] لأنفسنا، { قال اخسئوا فيها ولا تكلمون } [المؤمنون: 108] لأنكم أفسدتم الاستعداد فإنه ليس من شيئا أصلا بعدنا.
ثم بين فساده فقال: { إنه كان فريق من عبادي } [المؤمنون: 109] أي: خواص عبادي وهم العلماء بالله التجأ لله بالله { يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين } [المؤمنون: 109] يعني: الذين كانوا أهل الطلب وأرباب القلوب السائرين إلى الله يدعون الخلق إلى الله بطريق المعاملة مع الله يفصحون بمدحه وثنائه، الهادين للخلق إليه بإظهار آلائه ونعمائه { فاتخذتموهم سخريا } [المؤمنون: 110] فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العالية { حتى أنسوكم ذكري } [المؤمنون: 110] بهممهم ورد الولاية { وكنتم منهم تضحكون } [المؤمنون: 110] بالاستهزاء لما ماتت قلوبكم فإن كثرة الضحك تميت القلب، فمن لم يمت قلبه لم يضحك على أولياء الله تعالى.
{ إني جزيتهم اليوم } [المؤمنون: 111] أي: الأولياء { بما صبروا } على أذاكم واستهزائكم بهم { أنهم هم الفآئزون } [المؤمنون: 111] بالوصول والوصال، وفيه من الطرائف أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة من الخلة ينتفعون بإنكار منكريهم واستهزاء مستهزئيهم، وأهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع أنفسهم يخسرون باستهزائهم وإنكارهم على الناصحين المرشدين.
[23.112-118]
صفحه نامشخص