تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الإسراء: 70].
* وأما موازين العدل: فقد وضعت للمداد وهو يوم القيامة
تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم
[غافر: 17] وذلك؛ لأن العالم بما فيه خلق كشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة ولو وزن بميزان العدل ما تم أمر الشجرة للتسوية في القسمة؛ لأنه لو لم يكن الفضل مخصوصا ببعضها دون بعض ما كان للشجرة ثمرة ولا للثمرة شجرة، فإذا تم أمر الشجرة وأثمرت فاقتضت الحكمة بأن وزن لها في الآخرة بميزان العدل؛ لإيصال الماء بالسوية إلى أجزاء الشجرة رعاية لصلاح الشجرة والثمرة { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها } [الأنبياء: 47] إلى موضع صالح { وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47] في رعاية صالح الشجرة والثمرة من المبدأ إلى المعاد.
ثم أخبر عن إيتاء الفرقان لموسى بن عمران بقوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } [الأنبياء: 48] يشير إلى أن النور الذي هو يفرق بين الحق والباطل، بل بين الخلق والخالق والحدوث والقدم نور يقذفه الله تعالى في قلوب عباده المخلصين من الأنبياء والمرسلين والأولياء الكاملين، ولا يحصل بتكرار العلوم الشرعية، ولا بالأفكار العقلية، وله { وضيآء } [الأنبياء: 48] يتعظ به { وذكرا للمتقين } [الأنبياء: 48] { الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون } [الأنبياء: 49] الذين يتقون عن الشرك بالتوحيد، وعن الطبع بالشرع، وعن الرياء بالإخلاص، وعن الخلق بالخالق، وعن الأنانية بالهوية.
{ وهذا ذكر مبارك } [الأنبياء: 50] لمن يتعظ له، ويعلم أن اتعاظه به إنما هو من نور { أنزلناه } [الأنبياء: 50] في قلبه لا من نتائج عقله وتفكيره فيه { أفأنتم له منكرون } [الأنبياء : 50] أي: تنكرون على أنه نور من هدايتنا.
[21.51-59]
{ ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل } [الأنبياء: 51] أي: شرفناه بنور الخلة ومن قبل خلقه؛ لأن اتخاذ الله إياه خليلا كان في الأزل، فإن الكلام الأزلي ناطق { وكنا به عالمين } [الأنبياء: 51] أي: بأهليته للخلة واستحقاقه للرشد والهداية؛ لأنا خلقناه مستعدا للهداية والكرامة ألا يعلم من خلق.
{ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } [الأنبياء: 52] يعني: لو لم يكن آثار رشدنا لما رأى بنور الرشد ظلمة شركهم وعكوفهم للأصنام لما قال: { إذ قال } فيه إشارة إلى: أحوال الذين فاتهم يرون أهل الدنيا بنور الرشد، عاكفين لأصنام الهوى والشهوات، يقولون لهم: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } ولو لم يكن نور الرشد والهداية من الله لكانوا معهم عاكفين لها، وما رأوها بنظر التماثيل.
{ قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين } [الأنبياء: 53] فيه إشارة إلى أن التقليد غالب على الخلق كافة في عبادة الهوى والدنيا إلا من أتاه الله رشده، فيقول لأهل الأهواء والبدع بنور التحقيق والرشد: { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } [الأنبياء: 54-55] بهذه يشير إلى عابدي الهوى من غير الإسلام؛ إذ سمعوا كلام أهل التحقيق في بيان سبيل الرشاد، وقالوا بالاستهزاء: أجئت بما يرشدنا بالحق وندعو إليه أم تلاعب معنا، فيه إشارة لطيفة، وهي: كما أن أهل الصدق والطلب يرون أهل الدنيا لاعبين واتخذوا الدنيا لعبا ولهوا كقوله تعالى:
صفحه نامشخص