تاریخ مستبصر

تاريخ المستبصر، صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز

مناطق
مصر
•
امپراتوری‌ها و عصرها
ممالیک
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع السماء عبرةً للناظرين وبسط الأرض وجعل فيها آيات للموقنين وأودع في اختلاف الألسن والألوان باختلاف الأقاليم والبلدان بصائر المستبصرين شواهد عموم رحمته وسبوغ نعمته المعالمين وصلى الله على سيدنا المصطفى من خلقه في السموات والأرضين وعلى آله الطيبين وأصحابه أجمعين. وبعد فإن التأريخ ولا سيما ما يتعلق بمعمورة الأرض. وعروض بلادها وأطوالها وأوضاع مبانيها ومسافات مغانيها وتصوير أقطارها وتبيين أحوال أمصارها من أبدع الفنون وأغربها وأبعدها غورًا وأعجبها يجدد لك أوراقه البالية المدائن الدراسة برصاصها وقصورها ويحيي أموات فصولها وأبوابها القرون الطامسة في طي حروفها وسطورها.
هذا ولا مرية لذوي العقول والأديان في أن مكة زادها الله شرفًا أم القرى وسرة الأرض المعمورة وأحب بلاد الله إلى الله ورسوله في السنن المشهورة. ثم إن أيمن ما حولها من البلدان وأبركها مملكة اليمن المحصوص بالبركات الثلث النبوية في جواهر السنن منبع الحكمة ومعدن الفقه والأيمان من سالف الزمن. فخصصت هذين القطرين في هذا الكتاب بذكره ما يتعلق بهما في هذا الفن من بيان البقاع والبلاد والمدن والجبال والبحار وشرح المنازل والمغاني والمقادير والمسافات في المفاوز والمقار ثم تصوير كل بقعة منه حتى كأنك تراها رأى العين وتوقف بها على أرجائها فيغنيك ذلك عن ألاين في البين. ولا يعدم كل بقعة من نادرة جرت فيها الأخبار وشعر نظم في سلكها قديما من الأشعار. وهذا أوان الشروع في مقصود الكتاب وتسهيل الحجاب وفتح الباب والله ميسر الأسباب إنه كريم وهاب.
ذكر أسماء مكة وصفاتها
سماها الله بأربعة أسماء: مكة والبلد والقرية وأم القرى. قال الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) . فإذا الكلام على هذا الاسم قال الزجاج: مكة لا تنصرف لأنها مؤنثة وهي معرفة. ويصلح أن يكون اشتقاقها بكة لأن الميم تبدل من الباء كما يقال ضربة لازب ولازم، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم مككت العظم إذا مصصته مصًا شديدًا حتى لا يبقى فيه شيء شبهت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها، وقال أبن فارس: مككت العظم إذا أخرجت مخه والمك الاستقصاء. وفي الحديث: لا تمككوا على غرمانكم. وفي تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: أحدها أنها مسافة يأتوها الناس من كل فج عميق فكأنها هي التي تجذبهم إليها، من قول العرب أمتك الفصيل ما في ضرع أمه، والثاني من قولهم مككت الرجل إذا أردت تخوفه فكأنها تمكك من ظلم فيها أي تهلكه، كما قال:
يا مكة الفاجر مكي مكا ... ولا تمكي مذحجا وعكا

1 / 1

والثالث إنها سميت بذلك لجهد أهلها، والرابع لقلة الماء بها. وقد اتفق العلماء أن مكة اسم لجميع البلدة، واختلفوا في بكة على أربعة أقوال: أحدها أنه اسم للبقعة التي فيها الكعبة قاله أبن عباس ﵄، والثاني إنها ما حول البيت ومكة ما وراء ذلك قاله عكرمة، والثالث إنها اسم للمسجد والبيت ومكة اسم للحرم كما قاله الهروي، والرابع أن بكة هي مكة قاله الضحاك واحتج لتصحيحه أبن قتيبة وقال بأن الباء تبدل من الميم ويقال ضربة لازم ولازب. وأما اشتقاق بكة فمن البك: يقال بك الناس بعضهم بعضًا أي دفعه. وفي تسميتها بكة ثلثة أقوال: أحدها لازدحام الناس بها قاله أبن عباس، والثاني تبك أعناق الجبابرة أي تدفها فما قصدها جبار إلا أهلكه الله قال ابن الزبير وأما تسميتها بالبلد فقد قال ﷿: (لا أقسم بهذا البلد) يعني مكة والبلد في اللغة صدر القرى. وأما تسميتها بالقرية فقال الله ﷿: (ضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة)، أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى انتقال عنها لخوف أو ضيق، يأتيها رزقها من كل مكان، الرزق الواسع الكثير يقال أرغد فلان إذا أصاب خصبًا وسعة، فكفرت بأنعم الله، أي كذبت محمدًا (، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وأصل الرزق بالنعم وأكثر اشتقاقه منه وذلك أن الله تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة وكانوا يخافون من رسول الله (ومن سراياه. والقرية اسم لما يجتمع فيها جماعة كثيرة من الناس وهذا اسم مأخوذ من الجميع يقال: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه ويسمى ذلك الحوض مقراة.
وأما تسميتها بأم القرى فقد قال الله ﷿: ولتنذر أم القرى ومن حولها يعتى مكة، وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: أحدها أن الأرض ديحت من تحتها قاله أبن عباس وقال أبن قتيبة لأنها أقدمها، والثاني لأنها قبلة يزورها الناس، والثالث لأنها أعظم القرى شأنًا، والرابع فيها بيت الله ﷿ ٠٠٠٠.
قال أبن المجاور: ومما قرأت في كتب الفاكهي قال: قال لي رجل من أهل مكة قال أعطاه كتابا بعض أشياخه فإذا فيه أسماء مكة فإذا فيه مكتوب: بكة ومكة وبرة وبساسة وأم القرى والحرم والمسجد الحرام والبلد الأمين: وقالوا ومن أسمائها صلاح، وقال القائل في ذلك٠٠٠٠٠٠ صلاح، وقال كانت تسمى في الجاهلية النشاشة لأنها تنش من فيها أي تخرجه منها. قال أبن المجاور: وحدثني هندي بالهند إنها تسمى عند الهنود مكي مسير. وقال بعض الفضلاء: اسمها كوسا، واحتج بقول الشاعر:
سألت عمرًا عن فتى اسمه ... يحيى وثاني اسمه عيسى
فقال: يحيى أبصرته جالسًا ... بالفج يحلق رأسه موسى
وأبصرت عيسى داخلًا قرية ... هي التي قد سميت كوسا
ويسمونها التجار عروق الذهب ويسمونها البغاددة مربية الأيتام. وقد ذكر المسعودي في كتاب مروج الذهب أن مكة من الإقليم الثاني تنسب إلى المريخ وبناها إبراهيم الخليل ﵇. وهواها صحيح وجوها طيب وليلها أطيب من نهارها لأنها تنزل في لياليها الرحمة من بها. وماؤها من الآبار وأطيبها ماء الشبيكة والوردية والواسعة وهي بئر وراء جبل أبي قيس، فيها يربح الفقير. وجميع ذلك بنته أم العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور.
وأهلها عرب أشراف من نسل علي بن أبي طالب وما بقي من أهلها قرشيين على مذهب الأمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهم رجال سمر لأن جلة مناكحهم الجوار السود من الحبش والنوبة، وطوال الجثث صحيحين اللغة قليلين المال كثيرين العشائر والقبائل ذوو قناعة. وقد قال الني (: " القناعة غنى "، وقال ﵇: " القناعة كنز لا ينفذ "، وكان أحدهم يبقى على قرص وقيل سمن ثلاثة أيام بلياليها. وفي ذلك أنشد الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول:
أمت مطامعي وأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتًا ... وفي إحيائه عرض مصون
إذا طمع أحل بقلب عبد ... علته مذلة وعلاه هون

1 / 2

وملبسهم النصافي النيسابوري الرفيع ويتحزم بنصفه الثاني ويرمى بما فضل منها. لبس نسائهم القنوع وقد تقدم ذكر القنوع في أعمال صنعاء والبراقع. ومأكلهم اللحم والسمن والخبز. وأساميهم سالم ومسلم وغانم وغنام وفراح وفارح وقاسم وهياب ونهاب ووثاب ومطاعم ومطاعن ومفرج وفارج وقاسم وقائم وضاحك وضحكان وسلاسل وفلال وسيار وهبار وراشد وشاكر ومشكر وفاضل وفضائل وطالب وظالب وواصل وحاصل وراجي ومترجي وراجح وناجح وفاتك ومالك ومهيوب وهياب ووهلس ورعاش وحواس وكناس وقادم ومقدم ومشمر وهانئ ومهنا وزاكي وطائب وظافر وناجي ومنجي وجابر ولاحق وسيار وصابر وجابر وعارس.
ذكر زواج أهل مكة
في العشر من ذي الحجة يخطب زيد بنت عمرو وفي العاشر من المحرم يدخل كل واحد منهم على عرسه بالنظرة والتظهير. قلنا: ولم ذلك؟ قالوا: لآن كلا منا يعيش مع الحاج في كل فن من الفنون من إحرام وحلال فإذا رحل الحاج دار الخطب والنكاح والأفراح والأعراس بين الناس. فإذا تزوج رجل من أهل مكة وقطع المهر وأراد الدخول على المرأة يخضب الرجال أيديهم وأرجلهم تزين وكذلك جميع أهل اليمن وحضرموت. ويحضر كل أصدقائه من الأهل والأقارب وبيده قرطاس مشرور مكتوب عليه اسم الآتي مع وزن المبلغ وعدده يقدمه قدام العروس كل على حاله وسعة ماله وكذلك يفعل النساء. ويخرج العروس إلى الحرم ويطوف سبعًا ويصلي وقام إبراهيم ركعتين ويقبل الحجر الأسود ويخرج بالشمع إلى بيت العروس فتجلى عليه ويدخل عليها ويبقى عندها سبعة أيام. ففي اليوم السابع يخرج يضم الطرح الذي طرح له ويدبره رأس مال في يده وعند ذلك يفتح له دكانًا يعيش به. ويكون ذلك الطرح دينا عليه وكل من تزوج من القوم الذين حضورا العرس يدر إليهم الذي اخذ إلى كل واحد من القوم مثل الذي جاء به إليه أو أزيد منه، وكذلك يفعلون في سائر أقاليم اليمن.
وكانت أهل مكة في سالف الدهر يشترون العبيد ويقطعون عليهم قطعة تعطى لسيده كل يوم بيومه، وكذلك النساء تقطع المرأة قطعة على جوارها في تحصيل الذهب فترجع الجارية ترجو الفرج أو تبذل الفرج للرجل والحرج في هرج ومرج. وإلى الآن هذا موجود في عدن من الغريب وأهلها وليس هذا الفن عندهم عار بل يفتخر النساء بذلك. وكذلك كان في أيام الجاهلية كل جارية لا تبذل فرجها ينكر عليها إلى أن نزلت هذه الآية: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا فهي من ذلك العهد وعم على ذلك العهد باقون) . وإذا خرج السيد والعبد الجارية إلى أشغالهم خليت المرأة في الدار وحدها حتى إنها تبرك على أربع إذ ليس لها شغل تشتغل به فيرجع بروكها على وركها عادة وألفوه إلفًا. ويقال إذا تخاصم رجل وامرأته واغتاظت المرأة منه غاية الغيظ تقول المرأة لزوجها: لا شك أنك على أني أكسره، والمعنى أنك تريد أن اقعد على عجزي، فيقول لها زوجها: بالله عليك لا تفعلي ذلك.
فصل

1 / 3

دخل سيف الدولة بن عبد الله بن حمدان على بنت عمه ويقال بنت خاله وهي باركة على أربع وهي تنظم لها حب عقد لؤلؤ فقال لها سيف الدولة: بكم هذا؟ قالت له: بالموصل. قال لها: اشتريت. فقالت له: وأنا بعتك. وقضى منها شغله ٠٠٠٠٠ فلما أصبح من الغد جاء الخادم يتقاضى ثمن ما اشتراه فقال سيف الدولة للوزير: اكتب لها منشورًا بتسليم الموصل! فما أعجب الوزير هذا القول وامسك عن الكتب. فقال له سيف الدولة: أكتب لها فو الله لقد أخذت منها فردًا يسوي جملًا احمرًا أو يقال جمل عراقي. كما قال: نعم أقول لو أن القول مقبول. ظل الهوى وتمادى القال والقيل ليس السلام بشافي القلب من دنف. ما لم يكن فيه تخميش وتقبيل وليس يرضى محب عن أحبته. حتى يفوز بما ضم السراويل. ولأجل ذلك تكبر أعجاز نساء الحجاز لأنهم يربونه قاصدًا. ويطلع بها من جميع الخضر مثل البطيخ والخيار والقثاء والباذنجان والكراث ويأكلونه بالتمر والفجل وما أشبه ذلك وبها الرطب الطيب من البرني والمكتوم. ويقال إنه كان في قديم الأيام يجتمع بها من جميع الأزهار والفواكه والثمار والرياحين ومن جملة ذلك أنه كان يزرع في زهران الزعفران. وكان يرفع ذلك إلى بغداد كل عام بعد الخرج والمون ثمانون ألف دينار وقيل ثمانية عشر ألف دينار وهو الأصح. وجميع ذلك كان من الزرع والضرع ودخل الأشجار وجني الثمار وسقي الأنهار ومراعي الإبل ودخل النخيل. فلما دار الدهر نقص جميع ما ذكرناه لاختلاف النيات مع قلة الأمانات. وكل من بها يستعمل الطيب من الرجل والمرأة. وفي يد كل واحد من القوم سيف ولم يرموا العدة من أيديهم إلا في شهر الله الأصم رجب عظم الله حرمته.
وبناه البلد بالحجر والجص وبناء الطبقة الثانية بالشكل، وهذا في زمان معاوية بن أبي سفيان. وصارت بعده في أيام أبي عبد الله محمد المهدي بالله أمير المؤمنين لما بني الحرم الشريف كل دار تشابه حصنا من الحصون لأجل أحكامها. وبني الأمير هاشم مدينة ظاهر مكة بين درب الثنية والمسفل تسمى مربعة الأمير فكان يسكن بها جنده وخدمه وحشمه وبقي البلد عامرًا. وخربت في دولة الأمير عيسى بن فليته وبقي خراب إلى دولة الأمير قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم وجدد فيها آثارًا ومواضع شتى وأراد أن يسكن فيه الغرباء وقريش ويسكن هو وجميع أهل الشرف مكة فمات على غفلة وبطل جميع العمل من طول الأمل. وأدار الأمير قتادة بن إدريس على مكة سورًا من الحجر والطين وذلك على رءوس الجبال وبطون الأودية وركب عليه أربعة أبواب: باب درب المعلى ينفد إلى عرفات، وباب درب الثنية ينفذ إلى مدينة الرسول (ويسمى باب جدة وباب العمرة، وباب المسفلة ينفذ إلى اليمن، وباب الصغير ينفذ إلى الصفا المصافي والصحيفة، وهو واد ليس عليه طريق على هذا الوضع والترتيب والله تعالى اعلم بالصواب.
ذكر ولاة مكة من آل الحسن بن علي بن أبي طالب
كرم الله وجهه. الأمير منصور بن يكثر بن عيسى بن مكثر بن قاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبي هاشم بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله ب موسى الجون بن عبد الله ديباجة بني هاشم بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب. والأمير حسن بن قتادة بن إدريس بن مطاعم بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين بن سلمان بن علي بن عبد الله بن موسى الجون، وهاهنا يرجع النسبيين إلى فرد نسب. فهؤلاء الذين نزلوا مكة من أيام دولة الأمام عبد الله الخليفة أبي جعفر بن هارون الرشيد إلى سنة تسع عشر وستمائة. وفي هذا التأريخ ملكها السلطان الملك المسعود صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي بن مروان بن محمد.
ونقد البلد ذهب مصري وبها يضرب على عيار المصري يستوي الدينار أربعة وعشري علوي يحسب كل علويّ أربعة دراهم كل درهم ستة فلوس.

1 / 4

فلما رجعت الدولة لآل أيوب ضربوا الدراهم الكبار ويقال أول من ضرب هذا الدرهم الكبير بها المعز إسماعيل بن طغنكين في اليمن. وأول من ضرب الدراهم الكبار بمكة الملك المسعود يوسف بن محمد على قوانين اليمن يسوى الدينار المصري أربعة دنانير ونصف ملكي يصبح ثمان عشرة درهما يحسب كل أربعة دراهم دنانير دينار مكي، وكل درهم ثلث جوز كل جائز ثمان فلوس وكل فلس أربع درس. قال أبن مجاور: وكل ما كان يصح في أول العهد بعلوي رجع ذلك الشيء بدرهم كبير. والرطل مائة وثلاثون درهما وهو ستة أواق يحسب كل أوقية أحد وعشرون درهما وثلث وبه يباع جميع الحاوئج والعطر. ومن اليمن ثلاثمائة وعشرين درهما وبه يباع الثياب والسكر والعسل وجميع الحوائج الحلوة، ومن اللحم أربعمائة درهما وبه يباع اللحم والشحم والهريسة والمجبنة والألية، ومن السمن ثمانمائة درهما وبه يباع السمن والزيت والخل والشيرج. والذراع اليد في أيام الموسم وأيام الصدقة وإذا كان بعد الموسم بمدة شهر كامل زيد في الذراع وفي سنة أثنين وعشرين وستمائة زيد في الذراع ورجع الذراع على ذراع مصر. وكانت صنجة مكة في بغداد تصج المائة خمسة وتسعين دينارًا، فلما تولى ملك الحجاز طغتكين الكاملي نقص المائة الدينار فصار الآن تصح المائة المكية ببغداد أربعة وتسعين دينارًا. وجميع ما يباع بمكة مقايضة كج بكج. ويباع الحنطة وسائر الحبوب بالصاع ويحسب الصاع أربعة إمداد وكل مد أربعة أرباع الرطل. ويباع الادم بالبيعة كل بيعة مائة من يصح الحمل بيعتين ونصف. ويحسب العوار ثلاثة أضعاف: عوار الذي يكون في أوسط الطاق خدش سكين في رقبة الطاق، والثاني الشعراني وهو الذي يكون في الشعر، والمقفع يكون قد تقفح الكيمخت من على الجلد، وكذلك اليابس من الدهن والخفيف والأسود. والأديم الجيد وهو الثقيل النقي الطاهر عتابي الوجه مشتبك بعضه ببعض مبرأ من العيوب التي ذكرناها.
قال أبن المجاور: هذا في اليمن ونواحيها يكون يسوي كل مائة من بخوارزم على الصفة التي ذكرنا سبعين دينارا. ويدبغ الأديم في جميع أقاليم اليمن والحجاز ونواحيها ويبيعوه طاقاتٍ بالعدد وكذلك الحبشة وأعمالها ويسموه العجم أديم خوش وفي كشك من أعمال الهند كذلك. وما تدبغ الأديم إلا بالقرظ، ويدبغ في مكة جلود الجمال والبقر والغزلان وكان مسافرو خراسان يشترون جلود البغال الفحولة من رستاق الموصل وسواد إربل وتدبغ في مكة، وقد بطل جميع ذلك من سنة عشر وستمائة لظهور الكافر بخرسان والري. والأديم الخفيف يصلح للعراق والشام لأنهم ينشرون الطاق حتى يجعلوه على الكيمخت، وما يريدون في خوارزم وخرسان إلا الأديم الثقيل لأنهم يبطنون به الخف. ويقال في الأثمان يسوي الخوارزمي وألفا أربع دوانيق ربكبه وخفه عشر دنانير وكذلك الروم. ويقال إن الصديق بمنزلة الرأس والعدو بمنزلة الرجل ولأجل ذلك لبست أهل هذه النواحي أرجلهم أجود ما يكون من الملابس. حدثني محمد بن رزق الله قال لي: هل ترون في خراسان كوكب سهيل؟ قالت: لا والله! قال: لهذا لم يصح لهم دباغة الأديم. قالت: وكيف ذاك؟ قال: كل إقليم يطلع عليه وفيه سهيل يصح فيه دباغة الأديم لأنه يحمره ويصيره إلى ما ترى من الليونة والنعومة.
من مكة إلى المدينة
على طريق بني عصية وهم الرو. من مكة إلى بطن مر أربع فراسخ وهو واد طيب وبنى فيه بعض أمراء مكة من الشرق قصرًا وهو الآن خراب. وإلى الهدى أربع فراسخ وإلى برزة أربع فراسخ وإلى شابة أربع فراسخ وإلى المدينة قدر أربع فراسخ. وإلى هجر سبع فراسخ أرض عزة وهي أرض بني سليم التي فتحها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ذكر فتح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هذه الجبال

1 / 5

حدثني عيسى بن أبي البركات بن مظفر البغدادي بمكة قال: إني قرأت في بعض الكتب أنه كان لبني سليم في الجاهلية نحل عظيم فكان إذا جاءهم عدو دخنوا في الأكوارات يعني النحل فكان يطير ويعلو الجو يبان لناظره شبه غمامة من كثرته فإذا تعلى انحدر ونزل على خيل العدو ونكد عليهم فعند ذلك تنهزم خيل العدو من بين أيديهم. وكان بنو سليم قد قهروا جميع أعدائهم بهذا الفن وبقوا على حالهم إلى أن أظهر الله ﷿ الإسلام وخرج النبي (ومن معه من الصحابة إلى هذه الأعمال، ففعلت بنو سليم ما تقدم ذكره فلما صعد النحل الجو وانحدر على عساكر الإسلام نادى النبي (فقال: أين يعسوب الدين؟ فلم يجبه أحد فقال: أين أمير النحل؟ فلم يجبه أحد فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فلما سمع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ذلك من لفظ النبي (جذب ذا الفقار وحمل على النحل فأدبرت النحل على أثرها راجعين على بني سليم ولدغتهم فهربت بنو سليم بين أيدي النحل إلى الجبال وبطون الأودية وفتح الله جبال بني سليم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فلما إستتم الفتح واستقام النصر قال بعض الصحابة للنبي (: يا رسول الله شبهت علي بن أبي طالب باليعسوب وهو النحلة؟ فقال النبي (: المؤمن كالنحلة لا تأكل إلا طيبًا ولا يخرج منها إلا طيب فمن ذلك الحين والواقعة لقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بيعسوب الدين أمير النحل. وإلى الآن من هذه الجبال نحل أي عسل يشتري منه الحاج والحجاز وبعض أهل اليمن.
ذكر وادي أنظر
قال ابن المجاوز: رأيت في المنام ليلة السبت سادس شعبان سنة أربع وعشرين وستمائة كأن إنسان يقول لي: إن في أعمال المدينة يثرب وادٍ مسروق وجبال وشعاب لم يفتهم لأحد كيف دخوله. قلت له: ما يسمى؟ قال: وادي أنظر. قلت: وما المعنى فيه؟ قال: إنه سأل إنسان شيخًا من أهل هذا الوادي فقال له: من أين الشيخ؟ فقال: من وادي أنظر. قلت: وما المعنى في هذا الاسم؟ قال: لأنه وادٍ للإسلام به عز. قات: ومن أين سكانه؟ قال: هم قوم من أولاد حام بن نوح علية السلام وهم مع ذلك قوم لا عرب ولا عجم ولا هند ولا حبش ولا ترك ولا نبط بل لهم لغة منهم وفيهم. قلت: فكم يصح دوره؟ قال: فرسخين أو مسيرة يومين. ولا يزل الأمير قاسم أبن المهنا بن جماز الحسيني يرعى إبله ونعمه فيه وأرضه ذات مزارع وعيون وأمن وسكون، وقد خلت من ٠٠٠السبب في خلوها؟ قال: إن الله ﷿ قلب عاليها سافلها. قال ابن المجاور: وفي هذه الأيام قتل الأمير قاسم بن المهنا جماز ابن عمه شيحة وتولى يعد قتله الأمير هاشم بن قاسم على ملك مكة. ومع ذلك يمكن أن يكون هذا الوادي في هذه الأودية والجبال والشعب مسروقة لم يعلمه أحد من الأعراب سوى سكانه والعلم عند الله.
وإلى الخضراء من يثرب أبع فراسخ وبه أعين ونجيل ويسكن أهلها في أخدار الشعر إلى الآن. وإلى عين النبي (أربع فراسخ وهي عين جارية وعليها نخيل وهي أواخر الجبال والأودية وأول الفلاة والرمال وإلى عمق أربع فراسخ وبه أعين ونخيل، وأحرق نخلها الأمير عز الدين أبو عزيز قتادة بن إدريس سنة خمس عشرة وستمائة. وإلى نجد أربع فراسخ وتسمى مرك وهي أرض قفر وبها بركة عظيمة خلقها الرحمن، ويقال أغتسل بها ومن مائها النبي (فلا يزال الماء طول الدهر من بركات النبي (. وتمر على ثلثه جبال تسمى البرانين فإذا كنت طالب المدينة أترك جبلان منا على يسارك وإن كنت طالب مكة فأتركهما عن يمينك وأمش بالقرب من الجبال لكي لا تضل لأنه وادٍ فيه رمل أبيض يشابه دقيق السميد ولا شك أنه إلا في هذا المكان. وإلى بئر علي بن أبي طالب ﵁ أربع فراسخ وهي بئر عظيم البناء يروى الحاج منها ومن حولها من الأعراب ما عندهم من المواشي وغيرهم. وإلى قباء أربع فراسخ وكانت مدينة قبل المدينة وقيل بني في زمن النبي (وفي مسجدها قبتان إحداهما إلى المشرق والثانية إلى الكعبة لما أمر الله سبحانه النبي (أن يوجه وجهه نحو الكعبة لما قال: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) ثم إلى المدينة فرسخ بين نخل باسقات شامخات.
ومن مكة إلى الطائف

1 / 6

من مكة إلى منى فرسخ. وإلى المشعر الحرام فرسخ. وإلى جبل عرفات فرسخ، مبتدئ وادي نعمن وفيه أراك ونخل.
ألا هل لأيام المحصب أوبة ... وهل لي بهاتيك القباب وحلول
وهل لليالي الخفيف بالخفيف مرجع ... وهل لمبيت بالجمار سبيل
وهل لي بأعلام المعرف وقفة ... وبالسرح من وادي الأراك مقبل
وإلى برقة ثلاث فراسخ وبه قبر الأمير شكر بن أبي الفتوح الذي أستفتح جدة. وإلى المرزة أربع فراسخ والأصل ستة فراسخ. وإلى الحجر فرسخين ويكون جوازك على جبل عالٍ يسمى عفر، قال أبن المجاور: ولا شك أنه يسمى غزوان وبه قال الشاعر:
إذا خفت يومًا من أمير عقوبة ... فلي باللوى من رأس غزوان منزل
بناء الطائف
قرأت في كتاب الفاكهي قال: حدثني الحسين قال حدثني على بن الصباح قال حدثني أبن الكلبي عن إياد بن نزار ويقال عن أبيه عن أبي صالح عن أبن عباس قال: كان بالنخع وثقيف رجلان من إياد بن نزار يقال لأحدهما ثقيف وهو قسي بن منبه أبن بنت أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار والآخر النخع بت عمرو بت طهمان بن عبد مناة بن يقدم بن أفصي بن دعي بن إياد بن نزار. فخرجا ومعهما غنيمات لهما فيها عنز لبون وهما يشربان من لبنها، فعرض لهما مصدق ملك من ملوك اليمن فأراد أن يأخذ من غنمها الصدقة. فقالا: خذ من أيتهن شئت! فقال: آخذ صاحبة اللبن. فقالوا: إنما معيشتنا ومعيشة هذا الجدي من لبنها. فأبى إلا أخذها فقتله أحدهما. فقال له صاحبه: لا يجمعني وإياك بلد ولا تحوينا أرض فإما أن تصعد وأنحدر وإما أن تنحدر وأصعد. فقال النخع: أنا اصعد، فأتى النخع بيشة فنزلها. ومضى ثقيف إلى وادي القرى فكان يأوى إلى عجوز يهودية يكمن عندها بالليل ويعمل بالنهار فعند ذلك اتخذته ولدًا واتخذها أمًا. فلما حضرها الموت فقالت: يا بني إذا مت فخذ هذه الدنانير وهي قضبان من الكرم فإذا نزلت بلدا فأغرس هذه القضبان فأنك لا تعدم منها رزقا. ففعل ثقيف ذلك ثم أقبل حتى نزل موضعا قريبًا من الطائف، فإذا هو بجارية حبشية على ظهر ترعى مائة شاة لمولاها. فأسر طمعًا فيها وقال: أقتلها وآخذ الغنم! فألقى في نفسها ما أراد بها فقالت له: يا هذا كأنك طمعت نفسك أن تقتلني وتأخذ غنمي؟ قال: نعم. قالت له: لقد عدلت ولو قتلتني وأخذت الغنم ما نجوت فأنا جارية عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو أبن قيس بن عيلان بن مضر وهو سيد أهل الوادي وأنا أظنك غريبًا خائفًا. قال: نعم. قلت: أفلا أدليتك على خير مما أردت؟ قال: بلى! قالت: إن مولاي إذا طلعت الشمس ليأتي إلى هذه الصخرة فيضع ثيابه وقوسه وجفيرته عندها وينحدر في هذا الوادي يقضي حاجته ويتوضأ من العين التي في الوادي ثم يرجع ويأخذ ما ترك وينصرف إلى رحله ويأمر مناديًا ينادي: ألا من أراد العيش والتجمع فليأت دار عامر بن الضرب! فيقبل جميع من أراد ذلك، فأكمن له تحت الصخرة وخذ ثوبه وقوسه وجفيرته فإذا رآك وقال: من أنت؟ فقل: غريب فأنزلني وخائف فأجرني وكفيء فزوجني إن كنت برًا شريفًا! فقال: أنا افعل جميع ما ذكرت. فال فخرج عامربن الضرب كعادته فاستخفى له ثقيف فلما دخل الوادي فعل ثقيف ما أمرته به الجارية فقال عامر بن الضرب: انطلق فانطلق معه فانحدر إلى قومه. ونادى مناديه فأقبلت الناس يهرعون إليه فأكلوا وتجمعوا. فقال لهم عامر: ألست سيدكم؟ قالوا بلى! قال: وقد أجرتم من أجرت وآمنتم من آمنت وزوجتم من زوجت؟ قالوا: بلى! فقال عامر: هذا قسي بن منبه، فزوجوه في الحال ابنته فولدت لثقيف عوف ودارس وسلامة، ثم تزوج بأختها بعدها فولدت له قاسم. وأقام بالطائف وغرس تلك القضبان من الكروم فنبتت وأطعمت. وبنى المكان فسمي الطائف لأنه طاف البلاد وسكن بها. وقيل ما سمي ثقيفًا لأن أباه ما ثقف حتى ثقف عامرًا حين آمنه وزوجه، وثقف الكرم حين غرسه فسمي ثقيفًا. حدثنا محمد بن أبي عمرو قال: حدثنا شعبان بن جريح عن مجاهد في قوله ﷿: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، قبل القريتين مكة والطائف، فأما الرجل فقيل هو عيبة بن ربيعة وكان ريحانة قريش يومئذ وقالوا بل هو مسعود بن معتب.
ذكر حصن الهجوم

1 / 7

حدثني أبو علي أحمد بن علي بن آدم البزلي قال: كان حصن الهجوم جبل مدور في وسط قاع صفصف فجاء الأنباط وهم من نسل اليونانيين النصارى ويقال الروم وقد بقى من تذاكيرهم طي القنوات ومجاري الأعين وحجر الطواحين التي يطحن عليها القرظ لأجل دباغة الأديم. قال الراوي: ودور كل حجر منها ثمانية أذرع في الارتفاع إلى سبعة أذرع. وليس هذا من عمل العرب لأنهم لا يتدبر لهم فيه عمل ولا يستدبر لهم في أيديهم ولا يتصور في خواطرهم بل هذا وما أشبهه من عمل الجبابرة وحكمة الأوائل. وما ذكرت ذلك الأحكام إلا لما نذكره من بناء الحصن وذلك أن الأنباط جاءوا وبنوا حول الجبل الحجر المنقوش المربع طول كل حجر منه سبعة أذرع في عرض ثلاثة أذرع ولا زال القوم في بنائه إلى أن حاذى البناء ذروة الجبل، فلما استتم البناء به على حسب المراد بما أراد الفكر بنوا بعده الأسوار والأبراج وهو على وضع ما تقدم ذكره. وركب عليه باب واحد وحفر في داخل القلعة بئر عظيم فظهر في البئر مع تمام الحصن الوافر ماء يحاكي الشهد في حلاوته والماء ورد في رائحته وعين الحيوة في صفاته. فلما دار الدهور بالسنين والشهور ارتدم ما بين الأمة من التقارب والاتصال تقاربت بهم الآجل وتباعدت عنهم الأحوال إلى أن أظهر الله ﷿ الإسلام ففتحها النبي (بالسيف. وبقى الحصن على حاله إلى أن وصل ملك الحجاز إلى الأمير عز الدين أبي قتادة بن إدريس فأمر بهدم الحصن فهدم خوف أن لا يعصيه فيه أحد من الأعراب ويبقى الحصن خراب إلى الآن خراب إلى الآن ويسمى عند أهلها حصن الغراب.
ذكر الوهط
حدثنا معبد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا شعيب عن عمرو بن دينار قال: كتب عمرو بن العاص في وصيته وذلك في الوهط وجعلها صدقة لاتباع ولا توهب ولا تورث: وهي للأكبر من أولادي المتبع فيها عهدي وأمري فان لم يقم بعهدي ولا أمري فليس له ولاء، يعني بذلك الوهط، حتى يرثه الله تعالى قائمًا على أصوله. حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: عرش عمرو بن العاص في الوهط مائة ألف عود كل بدرهم. والوهط قرية من أعمال الطائف بينهما ثلاثة أميال فكان كل فاكهة الطائف ومكة من ذلك الوهط. حدثنا محمد بن موسى القطان قال حدثنا محمد بن الحجاج الثقفي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عم عطاء عن أبن عباس قال: كان الطائف من أرض فلسطين فلما قال إبراهيم: ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم قال فرفع الله تعالى له موضعًا إلى الطائف في موضعها. قال حدثني محمد أبن فارس القرشي قال لي: ما بقى في الوهط من الشجر سوى شجرة توت وهي إلى الآن وقف عليهم.
ذكر سليمان بن عبد الملك

1 / 8

أبن مروان وخروجه إلى الطائف. حدثني محمد بن صالح البخلي قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال: كنا مع عبد العزيز بن أبي رواد في المسجد الحرام فأصابنا مطر شديد وريح شديدة فقال عبد العزيز: خرج سليمان نب عبد الملك إلى الطائف فأصابهم نحو من هذا ببعض الطريق فهالهم ذلك وخافوا فأرسل إلى عمر بن عبد العزيز، وكانوا إذا خافوا شيئًا أرسلوا عمر فقال له سليمان بن عبد الملك: ألا ترى ما نحن فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا صمت رحمته فكيف بصوت عذابه! فخرج سليمان إلى الطائف قال فلما قدم إليها لقيه أبو زهير بني ثقيف فقال: يا أمير المؤمنين أجعل منزلك عندي! فقال: إني أخاف من الصداع. فقال: كلا إن الله قد رزقني خيرًا كثيرًا. قال فنزل ورمى بنفسه على البطحاء فقيل له: الوطاء! فقال: لا! البطحاء أحب إلي. فلزمه بطنه فأتى بخمس رمانات فأكلهن وأتوه بخمس. أخرى فأكلهن ثم قال: أعندكم غيرها؟ قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بخمسة خمسة حتى أكل سبعين رمانة ثم أتى بخروف وست دجاجات فأكلهن وآتوه نصيب من الزبيب يكون فيه مكوك على نطع فأكله جميعًا ثم نام. وانتبه فدعا بالغداء فأكل مع أصحابه فلما فرغ دعا بالمناديل فكان فيها قلة من كثرة الناس فلم يكن عندهم من المناديل ما يسعهم، فقال: كيف الحيلة يا أبا زهير؟ فقال أبو زهير: أنا أحتال. فأمر بالصرح والخزامى وما أشبههما من الشجر فأتي له بما يمسح به سليمان يده، ثم شمه فقال: يا أبا زهير دعنا وهذا الشجر وخذ هذه المناديل أعطها العامة! ثم قال سليمان: يا أبا زهير هذا الشجر الذي ينبت عندكم أشجر الكافور هو؟ قال: لا فأخبره بخبره فأعجب سليمان. وقد قال امرأ القيس الكندي:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المسنتحر
فلما فرغ قال أبو زهير: افتحوا الأبواب! ففتحت ودخل سليمان مع الناس فأصابوا بستانًا ذات أكمام وإتمام من الخير والفواكه فأصابوا الفاكهة. فأقام سليمان يومه ومن الغد ثم قال لعمر: ألا ترى أنا قد أضرينا بهذا الرجل! فرحل ونظر إلى الوادي وخضرته مع طيب رائحته فقال: لله در قيس أي وادٍ ننزل! ونظر إلى عناقيد عنب يظنها الحرار فقال له عمر: يا أمير المؤمنين هذه عناقيد العنب! فأقام سبعًا ثم رجع إلى مكة.
ووصف بعضهم النارنج فأنشأ يقول:
وروضةٍ يتركني زهرها ... بالحسن والنضرة مبهوتا
أنعت منه حسن نارنجها ... ولم يكن من قبل منعوتها
وصحت في الناس: ألا من يرى ... زبرجدًا يحمل ياقوتًا
وقال في السوسن:
سقيا لأرض إذا ما نمت ينبهني ... قبل الهجوع بها صوت النواقيس
كأن سوسنها في كل ساقبة ... على المبادين أذناب الطواويس
وقال في المنثور:
ومنثور حططت إليه رحلى ... وقد طلعت لنا شمس النهار
كشبة دراهم من كل فن ... يخالطه كبار مع صغار
وقال في الياسمين:
والياسمين أتاك في طبقة ... قد أكسر الناس٠٠٠ من عقبة
قد نفض العاشقون ما صنع الس ... بين بألوانهم على ورقة
وقال في اللينوفر:
ولازوردية تاهت بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنها فوق طاقات لها صبغت ... ذبائل النار في أطراف كبريت
وقال في النرجس:
وأحداقٍ مسهدة عواني ... سرفن السحر من حدق الغواني
على قضب الزبرجد شاخصات ... حوين صفات نور الأقحوان
بأحداق من الكافور صبغت ... مكحلة الجفون بزعفران
صفة الطائف

1 / 9

الطائف سامية باردة الماء والهوى صحيح كثيرة الفواكه زراعتهم الحنطة اللقيمة التي تشابه اللؤلؤ، وأهلها من ثقيف وقريش على زي أهل مكة في الأكل واللبس. وأهلها يرثوا البنت عند الموت ولم يورث أحدهم بنته الدراهم، وكذلك بنو هذل ومضر وبجيلة وجميع أهل السراة وجميع العرب الذين هم سكان بأرض الحجاز وما حول مكة. وللقوم عصبية عظيمة إذا مات بها أحد لم يحمل جنازته إلا الشبان ومع ذلك يقولون: سلم سلمك الله هذا ما وعد الله نعم القاضي! وهم يتداولون بالنعش إلى الجبانة وهم الذين يحفرون القبر. حدثنا الزبير بن أبي بكر قال حدثنا عمر بن أبي بكر الرملي قال: اخبرني بعض أهل العلم من قريش قال: ما استن للنوائح وأحرباه إلا من بعد موت حرب بن أمية فناحت نوائحه وأحرباه فجعلن النواح للناس كلهم يقلن: وأحرباه! من ذلك العهد. وبه قبر عبد الله بن العباس ﵄. وجميع عملهم دباغ الأديم ويدبغ بها الأديم المليح الثقيل المعروف بها وهو الذي يصلح لخوارزم. وكل فريق يغرس في هذه البلاد يطلع مكتسبي وبه يطعن السدر وهو سويق النبق من نبق العراق ليس له شوك وكذلك شجرة في زبيد مما يلي القرنب.
من الطائف إلى جبل بدر
من الطائف إلى المعى ستة فراسخ وبه تنحت قدور البرم التي يفخر حجرها على سائر الأحجار. حدثني شيخ قدوري بهذا قال: إن احجر الأملس يعمل فيه الحديد إلا الفولاذ وإلى خبت عنتر خمس فراسخ وهو عنتر بن زبيبة العبسي، وهي ارض ذات شعاب ومكسّرات وبها بئر عذب فرات. وإلى حدان ستة فراسخ. وإلى بحرى خمس فراسخ وبه تزرع الحنطة في العام مرّتين بعد كل ستة اشهر مرّة وهذا خلاف كلّ العالم في الزروع. وإلى الدرب فرسخين. وإلى ارض ليلى العامريّة وقيس بن المللوّح ويقال أنّ ليلى العامريّة وقيس بن المللوح كانوا في هذه الأرض وماتوا بها. وفي قبيلها يقول الشاعر:
ألا لَيتَ أتى بالما عامريّةٌ ... إذا صابها ضيمٌ دَعت يالَ عامرِ
وإلى نوا فرسخ، أول معاملة بجيلة وهم الذين يسمون السرو.
ذكر السرو
فأما السرو فإنهم قبائل وفخوذ من العرب ليس يحكم عليهم سلطان بل مشائخ منهم وفيهم وهم بطون متفرقون. فإذا خرج أحدهم إلى سفر أتت المرأة إلى عند المخلف أي عشيق تلك المرأة يحاضنها إلى أن يرجع زوجها. فإذا قرب المسافر من منزله نادى بأعلى صوته: أيها المخلف اللجوج، فقد حان وقت الخروج! ويدخل المسكن غفلة فإن وجده في المسكن قتله وإن كان قد خرج فقد عفا الله عما سلف. وسألت رجلًا منهم في مكة فقلت له: أيها الرجل والنزيل ماذا يصنع المخلف؟ فرد أسوئ جواب فقال: يسحق الخبز ويمحق المرأة. وغاية حج القوم عمرة أول رجب وقد ضمن لهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضه تلك العمرة بحجة كاملة مقبولة. فإذا دخلوا مكة ملئوها خبزا من الحنطة الشعير والسويق والسمن والعسل والدخن واللوز والزبيب وما يشبه ذلك، ولذلك يقول أهل مكة: حاج العراق أبونا نكسب منه الذهب والسرو امنًا نكسب منهم القوت. يقال أن معاملة نوا مائتي قرية أو اكثر ومن جملة القرى المائتين المسلم وعقدة واليفوع وحدا والراهن وسعمون وبريف. وبها وقعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع الأفعى فقتله، وبه جبل إبراهيم الخليل ﵇. ومنهور والفروات والشعبين واللقاع وحرف والرجعين وهي قرى جماعةٌ. وبهذه الأعمال كانت وقعة بني تميم وبكر بن وائل وفي حرب منها هلك لقيط بن زرارة أخو حاجب بن زرارة وحسن. وإلى الرداء ستة فراسخ. وإلى الملحاء ستة فراسخ وهو جبل عظيم والله اعلم.
ذكر جبل الملحاء

1 / 10