تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم
تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم
ژانرها
ولما تم لصلاح الدين الاستيلاء على البلاد المحيطة ببيت المقدس شمر عن ساعد الجد في المسير إليه فجمع جنده، وكانوا متفرقين في الساحل، وسار بهم حتى أتى بيت المقدس يوم الأحد 15 رجب سنة 583ه، وكان به البطريرك المعظم عندهم وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضا باليان بن بيرزان صاحب الرملة، وكانت مرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك .
شكل 10-4: شكل بيت المقدس وأسواره لما حاصره صلاح الدين.
وبه أيضا من خلص من فرسانهم من حطين، وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل تلك النواحي؛ عسقلان وغيرها، فاجتمع به كثير من الخلق كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدس ويأخذوه منهم، ويرى أن بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه، وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلا، وصعدوا على سوره بحدهم وحديدهم مجتمعين على حفظه، والدفاع عنه بجهدهم وطاقتهم، مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم، ونصبوا المنجنيقات؛ ليمنعوا الدنو منه، والنزول عليه، ولما قرب صلاح الدين منه تقدم أمير في جماعة من أصحابه غير محتاط ولا حذر فلقيه جمع من الصليبيين قد خرجوا من القدس، فقاتلوه وقاتلهم فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه. فأهم المسلمين قتله، وفجعوا بفقده، وساروا حتى نزلوا على القدس في منتصف رجب. فلما نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم، وسمعوا لأهله من الغلبة والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع، وبقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لينظر من أين يقاتلها؛ لأنها في غاية الحصانة والامتناع فلم يجد عليها موضع قتال إلا من جهة الشمال نحو باب عمود أو كنيسة صهيون، فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها، ونصب تلك الليلة المنجنيقات فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها ورمى بها.
شكل 10-5: منجنيقات لرمي النبال.
ونصب الصليبيون على سور البلد منجنيقات، ورموا بها، وقوتلوا أشد قتال رآه أحد من الناس كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينا وحتما واجبا فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني، بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون، ويزجرون ولا يزدجرون.
وكان خيالة الصليبيين كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون فيقتل من الفريقين، وممن قتل من المسلمين: الأمير عز الدين عيسى بن مالك، وهو من أكابر الأمراء، وكان أبوه صاحب قلعة جعبر، وكان يصطلي القتال بنفسه كل يوم فقتل، وكان محبوبا إلى الخاص والعام. فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك، وأخذ من قلوبهم فحملوا حملة رجل واحد. فأزالوا الصليبيين عن مواقفهم فأدخلوهم بلدهم، ووصل المسلمون إلى الخندق فجاوزوه، والتصقوا إلى السور فنقبوه، وزحف الرماة يحمونهم، والمنجنيقات توالي الرمي لتكشف الصليبيين على الأسوار؛ ليتمكن المسلمون من النقب. فلما نقبوه حشوه بما جرت به العادة، فلما رأى الصليبيون شدة قتال المسلمين، وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك، وتمكن النقابين من النقب، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك اجتمع مقدموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون. فاتفق رأيهم على طلب الأمان، وتسليم بيت المقدس إلى صلاح الدين؛ فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان. فلما ذكروا ذلك للسلطان امتنع من إجابتهم، وقال: «لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه سنة 492ه من القتل والسبي، وجزاء السيئة بمثلها.» فلما رجع الرسل خائبين محرومين أرسل باليان من بيرزان، وطلب الأمان لنفسه؛ ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره. فأجيب إلى ذلك وحضر عنده، ورغب في الأمان، وسأل فيه فلم يجبه إلى ذلك، واستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم يرحمه. فلما آيس من ذلك قال له: «أيها السلطان، اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ظنا منهم أنك تجيبهم إليه كما أجبت غيرهم، وهم يكرهون الموت، ويرغبون في الحياة، فإذا رأينا الموت لا بد منه فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا وأمتعتنا، ولا نترككم تغنمون منا دينارا واحدا ولا درهما، ولا تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة، وإذا فرغنا من ذلك أخرجنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من المواضع، ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف أسير، ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا إلا قتلناه، ثم خرجنا إليكم كلنا قاتلناكم قتال من يريد أن يحمي دمه ونفسه، وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله، ونموت أعزاء أو نظفر كراما.»
شكل 10-6: آلة لنقب الأسوار وهي برج يجر على مجادل أو عجل نحو السور، وفي أسفله رجال ينقبون السور بعمود طرفه كرأس الكبش وفي البرج رجال يشغلون حماة السور برمي النبال. (1-10) شروط التسليم
فاستشار صلاح الدين أصحابه فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان، وأن لا يخرجوا، ويحملوا على ركوب ما لا يدري عاقبة الأمر فيه عن أي شيء تنجلي، وقالوا: «نحسب أنهم أسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم.»
فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للصليبيين، فاستقر أن يؤخذ من الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير، ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين، وتزن المرأة خمسة دنانير، فمن أدى ذلك في أربعين يوما فقد نجا، ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤد ما عليه فقد صار مملوكا. فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار فأجيب إلى ذلك، وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب، وكان يوما مشهودا، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسوارها، ورتب صلاح الدين على أبواب البلد في كل باب أمينا من الأمراء؛ ليأخذوا من أهله ما استقر عليهم. فاستعملوا الخيانة ولم يؤدوا فيه الأمانة، واقتسم الأمناء الأموال، وتفرقت أيدي سبأ، ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن وعم الناس، فإنه كان فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء والولدان، ولا يعجب السامع من ذلك فإن البلد كبير، واجتمع إليه من تلك النواحي من عسقلان وغيرها والدارون والرملة وغزة وغيرها من القرى بحيث امتلأت الطرق والكنائس، وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي، ومن الأدلة على كثرة الخلق أن أكثرهم وزن ما استقر من القطيعة، وأطلق باليان بن بيرزان ثمانية عشر ألف رجل وزن عنهم ثلاثين ألف دينار، وبقي بعد هذا جميعه من لم يكن معه ويعطي، وأخذ أسيرا ستة عشر ألف آدمي ما بين رجل وامرأة. ثم إن جماعة من الأمراء ادعى كل واحد منهم أن جماعة من رعية إقطاعه مقيمون بالبيت المقدس فيطلقهم ويأخذ قطيعتهم.
وكان جماعة من الأمراء يلبسون الصليبيين زي الجند المسلمين ويخرجونهم، ويأخذون فيهم قطيعة قرروها، واستوهب جماعة من صلاح الدين عددا من الصليبيين فوهبهم لهم فأخذوا قطيعتهم، وبالجملة فلم يصل إلى خزائنه إلا القليل، وكان بالقدس بعض نساء الملوك من الروم وقد ترهبت وأقامت به، ومعها من الحشم والعبيد والجواري خلق كثير، ولها من الأموال والجواهر النفيسة شيء عظيم، فطلبت الأمان لنفسها ومن معها فأمنها وسيرها، وأطلق أيضا ملكة القدس التي كان زوجها الذي أسره صلاح الدين قد ملك الصليبيين بسببها، وكان يقوم بالملك نيابة عنها، وأطلق مالها وحشمها، واستأذنته في المسير إلى زوجها، وكان حينئذ محبوسا بقلعة نابلس فأذن لها فأتته وأقامت عنده.
صفحه نامشخص