تاریخ مسرح
تاريخ المسرح في العالم العربي: القرن التاسع عشر
ژانرها
145
مع ملاحظة أن يعقوب صنوع نشر بعض الألعاب التياترية وصرح بأن نصها من آخرين؛
146
أي إنه قام بدور الناشر فقط. والعجيب أن أسلوب ومنهج هذه اللعبات يتفق تماما مع أسلوب ومنهج باقي اللعبات، المنسوبة إلى صنوع، ويصل هذا الاتفاق إلى درجة التماثل والتطابق التام. بل إن معظم الألعاب التياترية المنشورة، تتضمن أحداثا تدور في القرى والنجوع والمناطق النائية في مصر، ولم تكن أحداثا عامة منشورة في الصحف، أو معروفة للجميع؛ أي إن هذه الأحداث لا يستطيع أن يكتب عنها إلا من عاصرها فقط، فكيف استطاع صنوع أن يعايش هذه الأحداث ويكتب عنها بتفصيل دقيق في لعباته، وهو في باريس؟!
وهكذا استطاع صنوع أن يدخل إلى عالم الكتابة المسرحية، من أوسع أبوابه، عندما نشر ألعابا تياترية من مؤلفين عرب مجهولين، نسب أغلبها إلى نفسه. وبعد أن اطمأن إلى ذيوع اسمه ككاتب مسرحي - من خلال صحفه - كتب مذكرات أوهم فيها قراءه بهذه الريادة، واستغل هذا الوهم كثيرا أمام الصحفيين، والكتاب وكبار القوم في الدول الأخرى ممن كتبوا عنه كمسرحي بعد ذلك، أمثال جاك شيلي، وبول دوبنيير، وإيرين جندزير، وأوجين شينيل، ومحرر جريدة الساترداي ريفيو، بالإضافة إلى النقاد العرب، كما مر بنا.
ثانيا:
أما فيما يتعلق بقيام صنوع بإحاطة شخصيته بهالة كبيرة من المكانة المرموقة، بحديثه في صحفه ومذكراته، عن علاقاته الحميمة بالخديو إسماعيل والخديو توفيق، وكبار القوم أمثال خيري باشا. فإن هذا التصرف من قبل صنوع - بالإضافة إلى زعمه بالريادة المسرحية - كان مقصودا بعد سفره إلى فرنسا؛ كي يوهم القراء والمحيطين به، بأنه كان شخصية مرموقة في مصر. وهذه المكانة ساعدته كثيرا في تكوين علاقات وثيقة ببعض الصحف الأجنبية، وببعض الشخصيات العامة والسياسية التي كانت في عداء كبير مع السلطة الحاكمة في مصر، أمثال الأمير حليم الذي اغتصب الخديو إسماعيل حقه الشرعي في الخديوية، ونفاه من مصر.
والذي يثبت أن هذه العلاقات من أوهام صنوع ومزاعمه، ما أثبتناه سابقا، عن علاقته بالخديو إسماعيل وحديثه عن هذه العلاقة بعد عزل إسماعيل، كي يضمن عدم الرد عليه. وقد فعل صنوع نفس الشيء، عندما تحدث عن علاقته بالخديو توفيق بعد وفاته مباشرة، قائلا: «قد عرفت المرحوم توفيق من مبدأ شبوبته واستمريت أتردد عليه إلى سنة 1878 ... وكم من مرة كان يطلب مني ترجمة الجرائد الإنكليزية مثل التيمس وغيره التي كانت في سنة 1877 و1878 ... وذات ليلة في أواخر سنة 1878 كم شهر قبل تنازل أبيه إسماعيل عن الخديوية. اجتمع لديه بالسلاملك في سراية العباسية رؤساء الحزب الوطني قصدا بالممارسة في أحوال القطر والطريقة في إنقاذه من ظلم إسماعيل باشا ... وفي شهر يونيو سنة 1879 تولى بدل أبيه. ثم وبعد قليل وصلني جواب من أحد أتباعه يدعوني إلى العودة إلى مصر وقال إن العدو قد رحل، فدرجت مكتوبه في جرنالي وأجبته بقولي نعم أعود إلى وطني لكن أريد أولا أرى سلوكك، فإن كان خلاف مسلك والدك فلا بأس أتوجه إلى القاهرة وأقبل الأعتاب.»
147
وهكذا يتحدث صنوع عن علاقته الوهمية بالخديو توفيق بعد وفاته، ويسهب في مزاعمه عن هذه العلاقة، واثقا من عدم الرد عليه! لأن تكذيب هذه العلاقة، لا يأتي إلا من خلال الخديو توفيق المتوفى! ولكن بإمعان النظر في هذه المزاعم، نستطيع الرد عليها. فمثلا حديثه عن صداقته بتوفيق التي استمرت حتى عام 1878، حديث كاذب لأن هذا العام تحديدا كان عام نفي صنوع - تبعا لأقواله في مذكراته - من قبل الخديو إسماعيل والد صديقه توفيق! فهل يعقل أن يصادق الأمير عدو أبيه الخديو، ويحافظ على هذه الصداقة؟! وهل يعقل أن الخديو إسماعيل كان يسمح لعدوه صنوع بأن يحضر إلى قصره ليجالس ابنه الأمير ويترجم له الصحف؟! وهل الأمراء - في ذلك الوقت - في حاجة إلى حضور صنوع لقصورهم ليترجم لهم الصحف؟! فأين قلم الترجمة بالديوان الخديوي الذي يقوم بهذه المهمة؟! هذا بخلاف حديث صنوع عن اجتماع رؤساء الحزب الوطني، وكأنه كان معهم، رغم أن هذا الاجتماع، كما ذكر كان قبل عزل إسماعيل بأشهر معدودة في أواخر عام 1878، ونسي صنوع تماما أنه في هذا الوقت كان في باريس.
صفحه نامشخص