تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية يقال له بابك بن البيروان ديوان المقاتلة فقال لكسرى إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده فأعطاه ذلك فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه ووضعت له وسائد لتكأته ثم جلس على ما فرش له ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة عل ما يلزمهم من السلاح فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ولم يعاين كسرى فيهم فأمرهم بالانصراف ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا ويغدوا إليه وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد ولا من أكرم بتاج وسرير فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ثم أتى بابك ليعترض عليه وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا وجوشنا وساقين وسيفا ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا أو عمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه وقال له إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما ثم غرد داعي بابك بصوته وقال للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز بابك عن اسمه ثم انصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى فقال إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني فقال كسرى ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا وأقيم عليه أود ذي الأود منهم
ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معد يكرب ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن جيشا إلى اليمن فقتلوا من بها من السودان واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند وهي أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجوهرا كثيرا
ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فبلغ ذلك كسرى فبلغ ذلك منه مشقة فدعا بموبذان موبذ فقال إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظم الناس ذلك فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها فأخبرنا برأيك في ذلك
فقال له موبذان موبذ فإني سمعت أيها الملك عمرك الله فقهاءنا يقولون متى لا يغمر في بلدة العدل الجور ويمحق بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم وتساقط إليهم ما يكرهون وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منه إلا به فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم أو كلف مؤونة في أمرهم
وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم
وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد كسرى أنوشروان عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة وساق فيه إليها الفيل يريد هدم بيت الله الحرام وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وفي هذا العام كان يوم جبلة وهو يوم من أيام العرب مذكور
صفحه ۴۵۲