439

وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية يقال له بابك بن البيروان ديوان المقاتلة فقال لكسرى إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده فأعطاه ذلك فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه ووضعت له وسائد لتكأته ثم جلس على ما فرش له ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة عل ما يلزمهم من السلاح فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ولم يعاين كسرى فيهم فأمرهم بالانصراف ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا ويغدوا إليه وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد ولا من أكرم بتاج وسرير فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ثم أتى بابك ليعترض عليه وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا وجوشنا وساقين وسيفا ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا أو عمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا

فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه وقال له إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما ثم غرد داعي بابك بصوته وقال للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز بابك عن اسمه ثم انصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى فقال إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني فقال كسرى ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا وأقيم عليه أود ذي الأود منهم

ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معد يكرب ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن جيشا إلى اليمن فقتلوا من بها من السودان واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند وهي أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجوهرا كثيرا

ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فبلغ ذلك كسرى فبلغ ذلك منه مشقة فدعا بموبذان موبذ فقال إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظم الناس ذلك فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها فأخبرنا برأيك في ذلك

فقال له موبذان موبذ فإني سمعت أيها الملك عمرك الله فقهاءنا يقولون متى لا يغمر في بلدة العدل الجور ويمحق بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم وتساقط إليهم ما يكرهون وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منه إلا به فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم أو كلف مؤونة في أمرهم

وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم

وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد كسرى أنوشروان عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة وساق فيه إليها الفيل يريد هدم بيت الله الحرام وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وفي هذا العام كان يوم جبلة وهو يوم من أيام العرب مذكور

صفحه ۴۵۲