399

وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي ولى نرسي أخاه خراسان وأنزله بلخ واستوزر مهر نرسي بن برازة وخصه وجعله مزرجفرمذار وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند ليعرف أخبارها والتطلف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل وقتل ناسا كثيرا فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله وانتهى أمره إلى الملك فدعا به وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهىبهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل رقي الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل فصاح به فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد ومنظر هائل فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب ووقذه بالنشاب حتى بلغ منه ووثب عليه فأخذه بمشفره فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك فعجب من شدته وجرأته وحباه حباء عظيما واستفهمه أمره فقال له بهرام أنا رجل من عظماء الفرس وكان ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه وسار إليه بجنود عظيمة فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك فنهاه بهرام عن ذلك وضمن له كفاية أمره فسكن إلى قوله وخرج بهرام مستعدا له فلما التقوا قال لأساورة الهند احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين ويأتي الفيل فيقد مشفره بالسيف ويحتمل الفارس عن سرجه والهند قوم لا يحسنون الرمي وأكثرهم رجالة لا دواب لهم وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه فلما عاينوا منه ما عاينوا ولوا منهزمين لا يلوون على شيء وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه وانصرف محبورا مسرورا ومعه بهرام فكان في مكافأته إياه أن أنكحه ابنته ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند وكتب له بذلك كتابا وأشهد له على نفسه شهودا وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم وحمل خراجها إلى بهرام وانصرف بهرام مسرورا ثم إنه أغزى مهر نرسي بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي فتوجه في تلك العدة ودخل القسطنطينية وقام مقاما مشهورا وهادنه عظيم الروم وانصرف بكل الذي أراد بهرام ولم يزل لمهر نرسي مكرما وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهرنرسة وهو مهر نرسي بن برازة بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ بن سيسنابروة بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب

وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه وجودة آرائه وسكون العامة إليه وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا أحدهم زروانداذ كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه فأدرك من ذلك أمرا عظيما حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر ما جشنس ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم واسم مرتبته بالفارسية أسطران سلار وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزر جفر ماندار وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة واتخذ فيها بيت نار هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية يقال لها مهرنرسيان واتخذ بالقرب من إبروان أربع قرى وجعل في كل واحدة منها بيت نار فجعل واحدا منها لنفسه وسماه فراز مرا آورخذايان وتفسير ذلك أقبلي إلي سيدتي على وجه التعظيم للنار وجعل الآخر لزراونداذ وسماه زراونداذان والآخر لكارد وسماه كارداذان والآخر لماجشنس وسماه ماجشنسفان واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات جعل في كل باغ منها اثنتي عشرة ألف نخلة وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون وفي باغ اثنتي عشرة ألف سروة ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيرات في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم وإن ذلك فيما ذكر إلى اليوم باق على أحسن حالاته

وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم خلقا ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت

واختلفوا في مدة ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما

صفحه ۴۱۲