تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال القوم تكلمت بالعدل وحكمت بالقسط ونحن به راضون فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريت عليهم واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس فأوصاهم بوصيته وخوفهم وحذرهم بطشه إن هم كذبوه ووعدهم المعروف إن هم صدقوه وقال زرح إني مرسلكم لأمانتكم وشحكم على دينكم وحسن رأيكم في قومكم لتطالعوا لي أرضا من أرضي وتبحثوا لي عن شأنها وتعلموني علم أهلها وملكها وجنودها وعددها وعدد مياهها وفجاجها وطرقها ومداخلها ومخارجها وسهولتها وصعوبتها حتى كأني شاهد ذلك وعالمه وحاضر ذلك وخابره وخذوا معكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوه ويشترون منكم إذا نظروا إليه
فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها فجهزهم لبرهم وبحرهم ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرق ودلوهم على مقاصدها فساروا كالتجار حتى نزلوا ساحل البحر ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيلياء ثم ساروا حتى دخلوها فخلفوا أثقالهم فيها وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم ودعوا الناس إلى أن يشتروا منهم فلم يفرغوا لبضاعتهم وكسدت تجارتهم فجعلوا يعطون بالشيء القليل الشيء الكثير لكيلا يخرجوهم من قريتهم حتى يعلموا أخبارهم ويحقوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم
وكان أسا الملك قد تقدم إلى نساء بني إسرائيل ألا يقدر على امرأة لا زوج لها بهيئة امرأة لها زوج إلا قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار فإن إبليس لم يدخل على أهل الدين في دينهم بمكيدة هي أشد من النساء فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلا منتقبة في رثة الثياب لئلا تعرف فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنه مائة درهم بدرهم جعل نساء بني إسرائيل يشرين خفية بالليل سرا لا يعلم بهن أحد من أهل دينهن حتى أنفقوا بضاعتهم واشتروا بها حاجتهم واستوعبوا خبر مدينتهم وحصونهم وعدد مياههم وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هدية للملك وجعل الأمناء يسألون من رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه إذ لم يشتر منهم شيئا وقالوا ما شأن الملك لا يشتري منا شيئا إن كان غنيا فإن عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه وإن كان محتاجا فما يمنعه أن يشهدنا فنعطيه ما شاء بغير ثمن
قال لهم من حضرهم من أهل القرية إن له من الغنى والخزائن وفنون المتاع ما لم يقدر على مثله إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر والحلي الذي كان بنو إسرائيل أخذوا وما جمع يوشع بن نون خليفة موسى وما جمع سليمان رأس الحكماء والملوك من الغنى الكثير والآنية التي لا يقدر على مثلها
قال الأمناء فما قتاله وبأي شيء عظمته وما جنوده أرأيتم لو أن ملكا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذا قتاله إياه وما عدته وعدد جنوده أم بأي الخيل والفرسان غلبته أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته
فأجابهم القوم وقالوا إن أسا الملك قليلة عدته ضعيفة قوته غير أن له صديقا لو دعاه واستعان به على أن يزيل الجبال أزالها فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلق يطيقه
قال لهم الأمناء ومن صديق أسا وكم عدد جنوده وكيف مواجهته وقتاله وكم عدد عساكره ومراكبه وأين قراره ومسكنه
صفحه ۳۰۷