تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال أبو جعفر ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن رده الله إليه تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وغير ذلك من أعماله ويعذب من الشياطين من شاء ويطلق من أحب منهم إطلاقه حتى إذا دنا أجله وأراد الله قبضه إليه كان من أمره فيما بلغني ما حدثني به أحمد بن منصور قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا وكذا فيقول لأي شيء أنت فإن كانت لغرس غرست إن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان اللهم عم علي الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل فأكلتها الأرضة فسقط فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين
قال وكان ابن عباس يقرأها حولا في العذاب المهين قال فشكرت الجن الأرضة فكانت تأتيها بالماء
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي مات فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك فتقول الشجرة اسمي كذا وكذا فيقول لها لأي شيء نبت فتقول نبت لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك قالت أنا الخروبة قال ولأي شيء نبت قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولا تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من اولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ونظر إلى سليمان قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي في قراءة ابن مسعود فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذاك قول الله عز وجل ما دلهم على موته إلا دابة الأرض إلى قوله في العذاب المهين يقول بين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرا لها
وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفا وخمسين سنة وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر
صفحه ۲۹۶