تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه خلصوا نجيا لا يفترق منهم أحد ولا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو روبيل وقد قيل إنه شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين إلا أن يحاط بنا أجمعين ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض التي أنا بها حتى يأذن لي أبي في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ( 2 ) وقد قيل معنى ذلك أو يحكم الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق فأسلمناه بجريرته وما شهدنا إلا بما علمنا لأن صواع الملك لم يوجد إلا في رحله وما كنا للغيب حافظين ( 2 ) يعنون بذلك أنا إنما ضمنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل ولم نكن نعلم أنه يسرق فيسترق بسرقته واسأل أهل القرية التي كنا فيها فسرق ابنك فيها والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك فإنك تخبر بحقيقة ذلك
فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين وتخلف روبيل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدي عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وروبيل
ثم أعرض عنهم يعقوب وقال يا أسفا على يوسف يقول الله عز وجل وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( 1 ) مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبه وذكره حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل من حبه وذكره هرما باليا أو تموت
فأجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم وأعلم من الله مالا تعلمون من صدق رؤيا يوسف أن تأويلها كائن وأني وأنتم سنسجد له
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عيسى بن يزيد عن الحسن قال قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الأجر قال أجر مائة شهيد قال وما ساء ظنه بالله ساعة قط من ليل ولا نهار
وحدثنا ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا حكام عن أبي معاذ عن يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد عن رجل من الأزد عن طلحة بن مصرف اليامي قال أنبئت أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له فقال يا يعقوب مالي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك قال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عز وجل إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال فإني قد غفرت لك فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون
حدثنا عمرو بن عبدالحميد الآملي قال حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن قال كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره قال الحسن والله ما على الأرض خليقة أكرم على الله من يعقوب
صفحه ۲۱۵