تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال هشام عن عوانة وقد بلغنا في حديث آخر أن مسلم بن عقبة كان مريضا يوم القتال وأنه أمر بسرير وكرسي فوضع بين الصفين ثم قال يا أهل الشأم قاتلوا عن أميركم أو دعوا ثم زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمدون لربع من تلك الأرباع إلا هزموه ولا يقاتلون إلا قليلا حتى تولوا ثم إنه أقبل إلى عبدالله بن حنظلة فقاتله أشد القتال واجتمع من أراد القتال من تلك الأرباع إلى عبدالله بن حنظلة فاقتتلوا قتالا شديدا فحمل الفضل بن العباس بن ربيعة في جماعة من الناس وفرسانهم يريد مسلم بن عقبة ومسلم على سريره مريض فقال احملوني فضعوني في الصف فوضعوه بعد ما حملوه أمام فسطاطه في الصف وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير وكان الفضل أحمر فلما رفع السيف ليضربه صاح بأصحابه إن العبد الأحمر قاتلي فأين أنتم يا بني الحرائر اشجروه بالرماح فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط
قال هشام قال أبو مخنف ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبدالله بن حنظلة الغسيل ورجاله بعده كما حدثني عبدالله بن منقذ حتى دنوا منه وركب مسلم بن عقبة فرسا له فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرضهم ويقول يا أهل الشأم إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها ولا أكثرها عددا ولا أوسعها بلدا ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على عدوكم وحسن المنزلة عند أئمتكم إلا بطاعتكم واستقامتكم وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير الله بهم فتموا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج ثم جاء حتى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل وأصحابه فأخذت الخيل إذا أقدمت على الرجال فثاروا في وجوهها بالرماح والسيوف نفرت وابذعرت وأحجمت فنادى فيهم مسلم بن عقبة يا أهل الشأم ما جعلهم الله أولى بالأرض منكم يا حصين بن نمير انزل في جندك فنزل في أهل حمص فمشى إليهم فلما رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال يا هؤلاء إن عدوكم قد اصابوا وجه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعة حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم إن لكم امرئ منكم ميتة هو ميت بها والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها فوالله ما كل ما أردتموها وجدتموها ثم مشى برايته غير بعيد ثم وقف وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها وأمر مسلم بن عقبة عبدالله بن عضاه الأشعري فمشى في خمسمائة مرام حتى دنوا من ابن الغسيل وأصحابه فأخذوا ينضحونهم بالنبل فقال ابن الغسيل علام تستهدفون لهم من أراد التعجل إلى الجنة فليلزم هذه الراية فقام إليه كل مستميت فقال الغدو إلى ربكم فوالله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريري عين فنهض القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رئي في ذلك الزمان ساعة من نهار وأخذ يقدم بنيه أمامه واحدا واحدا حتى قتلوا بين يديه وابن الغسيل يضرب بسيفه ويقول ... بعدا لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى ... لا يبعد الرحمن إلا من عصى ...
صفحه ۳۵۶