تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال أبو مخنف حدثني نمير بن وعلة عن الشعبي أن عليا مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم فحرض عليهم الناس وذكر أنهم غسان فقال إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم وضرب يفلق منه الهام ويطيح بالعظام وتسقط منه المعاصم والأكف وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان أين أهل الصبر وطلاب الأجر فثاب إليه عصابة من المسلمين فدعا ابنه محمدا فقال امش نحو أهل هذه الراية مشيا رويدا على هينتك حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك رأيي ففعل وأعد علي مثلهم فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر على الذين أعد فشدوا عليهم وأنهض محمدا بمن معه في وجوههم فزالوا عن مواقفهم وأصابوا منهم رجالا ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالا شديدا فما صلى أكثر الناس إلا إيماء الشأم على علي وربيعة فقال زياد بن خصفة التيمي يا أمير المؤمنين استوثق من ابن المعمر بالإيمان لا يغدرنك فاستوثق منه ثم انصرفنا فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه فناى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس لمن هذه الرايات قلنا رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عز وجل عصم الله أهلها فصبرهم وثبت أقدامهم ثم قال لي يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا قلت نعم والله وعشرة أذرع فقمت بها فأدنيتها حتى قال إن حسبك مكانك فثبت حيث أمرني واجتمع أصحابي
قال ابو مخنف حدثنا أبو الصلت اليتمي قال سمعت أشياخ الحي من تيم الله بن ثعلبة يقولون إن راية ربيعة أهل كوفتها وبصرتها كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة قال وسمعتهم يقولون إن خالد بن المعمر وسفيان بن ثور السدوسي اصطلحا على أن وليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين بن المنذر الذهلي وتنافسا في الراية وقالا هذا فتى منا له حسب نجعلها له حتى نرى من رأينا
ثم إن عليا ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها قال وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عددا منها يومئذ على ربيعة وهمدان ومذحج فوقع سهم حمير على ربيعة فقال ذو الكلاع قبحك الله من سهم كرهت الضراب فأقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها ومعهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشأم وعلى ميمنتهم ذو الكلاع فحملوا على ربيعة وهم ميسرة أهل العراق وفيهم ابن عباس وهو على الميسرة فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيدالله بن عمر حملة شديدة بخيلهم ورجلهم فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلا من الأخيار والأبدال قال ثم إن أهل الشأم انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلا حتى كروا وعبيدالله بن عمر يقول يا أهل الشأم إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه وأنصار علي بن أبي طالب وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك علي بن أبي طالب وأهل العراق فشدوا على الناس شدة فثبتت لهم ربيعة وصبروا صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء والفشلة وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ فلم يزولوا وقاتلوا قتالا شديدا فلما رأى خالد بن المعمر ناسا من قومه انصرفوا انصرف ولما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم وأمرهم بالرجوع فقال من أراد من قومه أن يتهمه أراد الانصراف فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو لما رأيت رجالا منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم إليكم وأقبلت إليكم فيمن أطاعني منهم فجاء بأمر مشبه
صفحه ۹۶