1169

قال وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة وكثرت القتلى بينهم وتحاجزوا عند الليل وكل غير غالب فأصبحوا من الغد فصلى بهم علي غداة الخميس فغلس بالصلاة أشد التغليس ثم بدأ أهل الشأم بالخروج فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم وعلى ميمنته عبدالله بن بديل وعلى ميسرته عبدالله بن عباس وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن ياسر ومع قيس بن سعد ومع عبدالله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلي في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار ومعه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف إليهم بالناس ورفع معاوية قبة عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته وزحف عبدالله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة فلم يزل يحوزه ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر

قال أبو مخنف حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن ابن بديل قام في أصحابه فقال ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ونازع هذا الأمر من ليس مثله وجادل بالباطل ليدحض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب قد زين لهم الضلالة وزرع في قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمر وزادهم رجسا إلى رجسهم وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدرو قوم مؤمنين ( 1 ) وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه

قال أبو مخنف حدثني عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه ومولى له أن عليا حرض الناس يوم صفين فقال

إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تشفي بكم على الخير الإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبة في جنات عدن ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأفروا الحاسر وعضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام والتووا في أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها يضربون حفافيها خلفها وأمامها ولا يضعونها أجزأ امرؤ وقد قرنه رحمكم الله وآسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيكسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله عز وجل فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله قال الله عز من قائل لقوم لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ( 2 ) وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة واستعينوا بالصدق والصبر فإن بعد الصبر ينزل الله النصر

الجد في الحرب والقتال

صفحه ۸۵