تنوير العقول
تنوير العقول لابن أبي نبهان تحقيق؟؟
من ذلك ليملأ أواني عقله فإني أعينه فيما أريد أن يظهر به عصيانه لي فأخلق اكتساب فعله ذلك ، وما لا أريد أن يفعله فلا أخلق له فعل اكتساب ما أراد أن يفعله ، وكذلك الطائع فلا يكون فعل من طائع أو عاصي إلا بإرادة الله ؛ ليظهر بحكمة تدبيره في الخلق وسنضرب في ذلك مثلا: لو أن ملكا أطاعه جميعا بقوته عليهم وعلم أن فيهم من يبغضه بغضا شديدا ، ويتمنى هلاكه أو أن يسلب عنه ملكه ، ولم يظهر ذلك منهم واجب أن يكرم أهل محبته ويحرم كرامته أهل بغضه فخجل على غير بيان عصيانهم وإظهار بغضهم له ، فعمل حيلة يظهر بها عصيان المبغض العدو له فجمع الرعايا وقال : رأيت في النوم هذه الليلة أن في الموضع الفلاني كنز عظيم ، وفيه خاتم من الياقوت وفي فضة اسم من لبسه ، رأى جميع خزائن الأرض وملك جميع الجن والأنس ولم يستطع أحد أن يخالفه فاذهبوا إليه جميعا ، فإنه عليه وقاف من الجن وإن ذهبتم جميعا فقد أخبرت أن في أحدكم خاصية ينفر منه الجن ولا أعرفه من[157/أ] وإن لم تذهبوا وتأتوني به أخاف إذا خالفني الناس لا أستطيع عليهم وبالخاتم استعين عليهم بالجن وإن[300/ب] خالفني أحد من الجن سخرته بالاسم الذي في الخاتم ولا أحب إلا من ذهب إلى ذلك ومن لم يذهب فإني أبغضه ولكن في هذا لا أكره أحدا على المسير قسرا وإن كنت قادرا على ذلك وفي نفسه أنه بهذه الحيلة لا يذهب إلى ذلك من كان يبغضه [282/ج] وهو يقدر أن يكلف الجميع على المسير إلى ذلك ولكن أراد تمييز المحب له من المبغض ولو كلف الجميع لم يتميز فاجتمع المبغض له وقالوا : نحن حاسدونه على ملكه هذا فكيف بزيادته وزيادة قوته علينا ونحن الآن نرجوا أن يطلع عليه أحد يسلب ملكه ويمكن أن يكون الخاصية في أحدنا فنتركهم يذهبون إليه فإن لم يبلغوه عرفنا أن الخاصية في أحدنا فنذهب إليه ونأخذ ذلك ونسلب به ملكه ولكن بعضنا لا يسير أبدا وبعضنا يذهب معهم ويبخل بالرجوع عنهم قبل الوصول ففعلوا ذلك ، وذهب الملك إلى الموضع متقدما من غير أن يشعر به أحد من الجميع ليعرف الذي يحبه والذي يبغضه فأخذ ذلك ورجع بأهل محبته وقربهم ودعا بالمتخلفين فقال قد عرفتم أنفسكم أنكم لستم من أهل محبتي وظهر ذلك منكم لنا ولجميع الناس فلا عتاب لكم أن جعلت كرامتي لأهل طاعتي ومنع كرامتي لمن ظهر منكم عصيانه فمن هذا المثل تتضح إرادة الله من إظهار كفره[301/ب] وأنه لو لم يرد إظهار ذلك منه لم يكن منه والملك لو لم يرد إظهار معصية أولئك العاصين لم يستطيعوا على إظهار ذلك العصيان فلم يكن منهم إلا ما أراد أن يكون وهو غني بملكه .
وبهذا البحث علم القدر مما يمكن أن يعرف فيدري به أن عصيان العاصي هو باختياره لأن الله خلق له نفسا خبيثة من أصل التكوين لا تحب إلا المعصية [حتى] (¬1) مجبورا على ذلك بأصل ولا نفس الطائع هي مخلوقة طيبه من[283/ج] أصل الخلقة لا تريد [إلا] (¬2) الطاعة مجبورة على ذلك بأصل الخلقة وفيه بيان علم الإرادة فإن كان المعتزلة أرادوا بهذه الإرادة من الله تعالى أنه لم يرد معصية العاصي على ما ضربناه من المثل، فلا شك في ضلالهم دانوا بذلك أو لم يدينوا و لا تطلق إرادة في أعمال العباد ، إلا على هذا الوجه وعلى الوجه نذكر لينزه الله عنها في عباده ، وإن كان الله كل ما يفعله هو عدل ولكن [تعبد] (¬3) أن لا تصفه بالصفات التي تسمى في أفعال المخلوقين[158/أ] ظلم وغير عدل وحيث ذكروا الإرادة [وقالوا لم يرد يصح لهم على الوجه جاز لمن أراد أن توقف عن حكمهم لاحتمال ذلك] (¬4) التي لو قصدوها كان كفرا ومن شاء أن يخطأهم ويضللهم على حكم الظاهر في مطلق الإرادة التي هي الإرادة وأطلقوا اللفظ فيها من غير تخصيص فهم في حكم الظاهر ضالون بذلك ، إن صح ذلك كافرون بذلك كفر نعمة دانوا بذلك أو لم يدينوا إذا كان على معنى مغلوبا فيها باستكراه سبحانه وتعالى علوا كبيرا .[302/ب]
¬__________
(¬1) سقط في ب.
(¬2) في ج إن.
(¬3) سقط في أوب.
(¬4) سقط في ب.
صفحه ۳۳۲