تنبيه العطشان على مورد الظمآن في الرسم القرآني

تنبيه العطشان على مورد الظمآن في الرسم القرآني

ژانرها
The Recitation
•
مناطق
مراکش
•
امپراتوری‌ها و عصرها
وطاسیان

قسم التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد [وعلى](¬1)آله وصحبه أجمعين(¬2).

يقول العبد المذنب الراجي عفو ربه ورضوانه ، وإحسانه وأفضاله ، حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي ، خار(¬3)الله له ولطف به بمنه وكرمه(¬4).

صفحه ۵۸

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه الطيبين .

وبعد :

فهذا كتاب سميته ب"تنبيه العطشان على مورد الظمآن" ، ومن الله أسأل الإعانة والتوفيق بمنه إلى سواء الطريق والتحقيق .

قال الناظم أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم الأموي الشريشي - عفا الله عنه - : هكذا ثبت في نسخة الناظم بخط يده - رحمه الله [تعالى](¬1)- ، وفي هذه المقدمة عشرة مطالب :

أحدها : ما اسم الناظم ؟ ، ثانيها : ما نسبه ؟ ، ثالثها : ما بلده ؟ ، رابعها : ما فنونه من العلم ؟ ، خامسها : ما تواليفه ؟ ، سادسها : لأي شيء ذكر اسمه ؟ ، سابعها : لأي شيء عبر بالماضي في موضع المستقبل ؟ فقال : قال ، مع أنه لم يقل بعد شيئا ، ولكن سيقوله ، ثامنها : ما مولده ؟ ، تاسعها : ما وفاته ؟ ، عاشرها : ما أحسن الكتب المصنفة في علم الرسم ؟

أما اسمه فهو : أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأموي الشريشي الشهير بالخراز(¬2)، قدس الله روحه وبرد ضريحه بمنه .

وأما نسبه ، فقد ذكره وهو أموي النسب ، أي من بني أمية(¬3).

وأما بلده ، فقد ذكره - أيضا - وهو شريش مدينة بالأندلس أعادها الله للإسلام بمنه ، ولكن سكناه بمدينة فاس ، وكان يعلم فيها الصبيان إلى أن توفي فيها ، وقبره فيها معروف رحمة الله عليه .

صفحه ۵۹

وأما فنونه ، فهي : علم القراءة ، والرسم ، والضبط ، واللغة العربية ، وغير ذلك من علوم القرآن ، وكان إماما مقدما في مقرأ نافع ، وكان أدرك أشياخا جلة أئمة في علوم القرآن وأخذ عنهم .

وأما تواليفه ، فهي : مورد الظمآن هذا ، وله - أيضا - تأليف آخر في الرسم مثل مورد الظمآن ، لكنه منثور لا منظوم(¬1)، وله شرح على الدرر اللوامع(¬2)، وله شرح على الحصرية(¬3)، وله عمدة البيان على الضبط(¬4)، وكان مفتوح البصيرة في التأليف نظما ونثرا .

وأما لأي شيء ذكر اسمه [ فإنما ذكره ](¬5)تعظيما للتأليف ؛ لأن التأليف إذا جهل مؤلفه فهو وضيع القدر حقير الحضر ، إذ بمعرفة المؤلف يعظم التأليف ، ولأجل هذا قال الشاعر(¬6):

صفحه ۶۰

ومن يكتب الكتاب لم يذكر اسمه كبنت لها أم وليس لها أب وأما لأي شيء عبر بالماضي في موضع المستقبل ، فقال : قال ، فقيل : قال هذا بعد فراغه من التأليف ، فالمقول على هذا حقيقة لأنه ماض لفظا ، وقيل إنما قال : قال بلفظ الماضي ، لأنه قال في نفسه ، فالمقول على هذا - أيضا - حقيقة لأنه ماض لفظا ومعنى ، لكن القول في الأول لفظي ، والقول هاهنا نفسي لا لفظي ، لأن القول يطلق على النفسي كما يطلق على اللفظي ، ومنه قوله تعالى : { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول }(¬1). واختلف في إطلاق القول على النفساني ، فقيل : حقيقة ، وقيل : مجاز . وقيل : إنما عبر بالماضي عن المستقبل ، لقرب الوقوع لصحة عزمه عليه ، لأن قريب الوقوع كالواقع ومنه قوله تعالى : { أتى أمر الله }(¬2)وهو يوم القيامة ، لأنه قريب الوقوع في المعنى ، إلا أن هذا محقق الوقوع ، والأول مظنون الوقوع . وقيل : إنما عبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على قوة رجائه ، كما تقول : إذا تقوى رجاؤك بحصول شيء قد حصل ذلك إن شاء الله .

وقيل : إنما عبر بالماضي عن المستقبل ، لأجل التفاؤل بحصول مقصوده .

وقيل : عبر بالماضي عن المستقبل ، لجواز ذلك في اللغة لا لقصد معنى من المعاني ، لأن التعبير بالماضي عن المستقبل ، والتعبير بالمستقبل عن الماضي جائزان . مثال التعبير بالماضي عن المستقبل ، [ قوله تعالى : { أتى أمر الله } ، ومثال التعبير بالمستقبل عن الماضي ](¬3)، قوله تعالى : { فلم تقتلون أنبئآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين }(¬4)، أي فلم قتلتموهم ؟

وأما مولده ووفاته ، فلم أقف على تحقيق ذلك ولا رأيته عند من يوثق به(¬5).

صفحه ۶۱

وأما أحسن الكتب المصنفة في علم الرسم : فهو هذا الكتاب المسمى ب"مورد الظمآن" ، لأن ناظمه أتقنه غاية الإتقان ، واختصره من كتب الأئمة المقتدى بهم في هذا الشأن ؛ لأنه جمع فيه أربعة كتب : اثنين منظومين واثنين منثورين(¬1). جعله الله له دخرا ، وأثابه بالجنة أجرا بمنه . ثم قال :

[1] الحمد لله العظيم المنن **** ومرسل الرسل بأهدى سنن

وفي هذا الصدر عشرون تنبيها :

لم خطب ؟ ، وهل لا يشرع في مقصوده من غير خطبة ؟ ، ولم خصت الخطبة بالحمد دون غيره من الأذكار ؟ ، وما معنى الحمد ؟ ، وما الفرق بينه وبين الشكر ؟ وما الفرق بينه وبين المدح ؟ ، وما الفرق بينه وبين الثناء ؟ ، وما أقسامه ؟ ، وما فائدة التقسيم ؟ ، وأي المحامد أفضل ؟ ، وما حكمه ؟ ، وهل هو متلقى من السمع أو من العقل ؟ ، وهل هو قديم أو حادث ؟ ، ولم عدل عن التعبير بالفعل إلى التعبير بالاسم ؟ ، ولم عدل عن التعبير بالتنكير إلى التعبير بالتعريف ؟ مع أن التنكير أصل والتعريف فرع ، ولم عدل عن التعبير بالإضافة إلى التعبير بالألف واللام ؟ ، ولم أضاف الحمد إلى الله دون سائر أسمائه ؟ فقال : (( الحمد لله )) ، ولم يقل : الحمد للرحمن ، أو للرحيم ، أو للسميع ، أو للبصير ، أو غير ذلك ، وما معنى اللام في قوله : (( لله )) ؟ ، وما معنى الله ؟ ، وهل هو جامد أو مشتق ؟ ، وهل هو منقول أو مرتجل ؟

أما افتتاح كتابه بالخطبة : فللاقتداء بالمصنفين قبله ، لأنهم يبتدئون كتبهم بالخطبة فخطب الناظم كما خطبوا ، لجريان العادة به أول كل مهم ، مما للناس فيه خوض وعليه منهم إقبال .

وأما افتتاح خطبته بالحمد دون غيره من سائر الأذكار ، فقال : (( الحمد لله )) ، ولم يقل الشكر لله ، أو المدح لله ، أو الرضى لله ، أو غير ذلك ، ففي ذلك عشرة أقوال :

صفحه ۶۲

قيل : إنما بدأ كتابه بالحمد دون غيره تأدبا بآداب الشريعة ؛ لأن الله تعالى أدب به نبيه - عليه السلام - ، فقال : { قل الحمد لله وسلم }(¬1).

وقيل إنما فعل ذلك : تبركا وتيامنا بالذكر الجميل ، وهو : { الحمد لله } ؛ لقوله - عليه السلام - : (( ما من أحد أحب من الله في المدحة ولذلك حمد نفسه ))(¬2).

وقال - أيضا - : (( أولى الناس بالله وأولاهم بما عنده المكثر من حمده ))(¬3). ويروى (( أولى الناس بالله وأولاهم بما عنده حامده على السراء والضراء )) .

فإذا كان الحمد من الله بهذه المنزلة ، فلم لا يجب الافتتاح به عند المهمات وحلول الملمات ؟

وقيل افتتح كتابه بالحمد : اقتداء بكتاب الله تعالى ؛ لأنه مفتتح بالحمد لله .

صفحه ۶۳

وقيل : اقتداء بسائر الكتب المنزلة ، إذ ما من كتاب نزل إلا وفي أوله الحمد لله ، قالوا : أول التوراة أول سورة الأنعام ، وهو قوله تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } إلى قوله : { تمترون }(¬4)، وآخره خاتمة هود وهي قوله : { ولله غيب السماوات والأرض }(¬5)إلى آخرها ، وقيل آخرها : خاتمة بني إسراءيل وهي قوله تعالى : { قل ا دعوا الله أو ا دعوا الرحمان }(¬6)إلى آخرها وقيل : اقتداء بالنبي - عليه السلام - في خطبه ومواعظه ورسائله .

وقيل اقتداء [بأهل](¬1)الجنة عند دخولهم الجنة ، [لأنهم](¬2)يقولون : { الحمد لله

الذي هد انا لهاذا وما كنا لنهتدي لولا أن هد انا الله }(¬3)، ويقولون : { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور }(¬4).

وقيل : اقتداء بالمصلين عند دخولهم الصلاة .

وقيل إنما بدأ بالحمد : توطئة للدعاء في قوله بعد(¬5): (( ملتمسا في كل ما أروم عون الإله فهو الكريم )) ؛ لقوله - عليه السلام - )) من بدأ بالثناء قبل الدعاء استجيب له ، ومن بدأ بالدعاء قبل الثناء فهو على الرجاء والخوف ))(¬6).

وقيل : بدأ بالحمد توطئة لقضاء حاجته ؛ لأن الإنسان إذا أراد حاجته يثني على المولى أولا ، ثم يطلب حاجته .

صفحه ۶۴

وقيل إنما بدأ كتابه بالحمد : رجاء للتمام وخوفا من النقصان ، لقوله - عليه السلام - : ((كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع أو أجدع أو أجذم أو أخذج أو أبتر ))(¬7) على اختلاف الأحاديث ، ومعاني هذه الألفاظ متقاربة ، فهي راجعة إلى معنى القطع والنقصان . قوله : أقطع ، أي مقطوع الشرف ، أي ناقص الشرف ، وقوله : أجدع أي مقطوع الشرف وناقصه - أيضا - ، لأنك تقول : جدعت أنفه ، أي قطعته ، وقوله : أجذم ، أي مقطوع الشرف أي ناقص الشرف ، ومنه قولهم : " سيف جذماء" ، أي قاطعة ، ومنه قولهم - أيضا - : " جذمت يداه " أي قطعت(¬1)، ومنه قوله - عليه السلام - : (( من قرأ القرآن وتلف له لقي الله عز وجل أجذم ))(¬2)، أي مقطوع الحجة(¬3)، ومنه قول أبي القاسم الشاطبي(¬4)- رحمه الله - :

صفحه ۶۵

وما ليس مبدوءا به أجذم العلا(¬5) أي ناقص الشرف والمنزلة والرفعة ، وقوله : أخدج ، أي مقطوع التمام ناقص الشرف - أيضا - ، ومنه قوله - عليه السلام - : (( كل ركعة أو كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ))(¬1)أي ناقصة التمام ومقطوعة التمام ، وقوله في اللفظ الآخر أبتر ، أي مقطوع الشرف وناقص الشرف ، ومنه قوله تعالى : { إن شانئك هو الابتر }(¬2)، أي هو الأقطع ، وذلك أن أبا جهل(¬3)لعنه الله يقول : إن محمدا - عليه السلام - تنقطع أوامره بموته ، إذ لم يترك ولدا ، فأخبر الله - عز وجل - أن هذا هو الأبتر(¬4)، لأن كفره ينقطع بموته .

صفحه ۶۶

وأما معنى الحمد ، فللمتكلمين فيه حدود وكلام فيه مقبول ومردود ، وذكروا في حقيقته عشرين قولا :- قيل : الحمد هو الثناء ، وقيل : الثناء الحسن ، وقيل الثناء الكامل ، وقيل : الثناء الحسن والذكر الجميل ، وقيل : الثناء على المحمود بجميع المحامد الحسنة ، وقيل : الثناء على المحمود بصفاته المحمودة ، وقيل : الثناء على المحمود بصفاته المحمودة شرعا ، وقيل : الثناء على المحمود بصفات الكمال ومحاسن الأمور من الأقوال والأفعال ، وقيل : هو الشكر . قاله الطبري(¬5)، وقيل : هو المدح ، وقيل : هو الرضي . قاله سيف الدين(¬1)، وقيل : ما يناقض الذم . قاله إسماعيل بن أحمد صاحب تاج اللغة في كتاب الصحاح(¬2)، وقيل : إشاعة الجميل وإظهاره بالقول ، وقيل : الثناء بذكر أوصاف الكمال والإجلال والإنعام والإفضال . قاله أبو علي ناصر الدين(¬3)، وقيل : الشكر الكامل والثناء الجميل ، وقيل : ذكر مجيد مطرب عن سماعه ، صادر عن رضى النفس وصفاء القلب ، وقيل : ما أرضى به المسخوط وحل بسببه المربوط ، وقيل : ما هز به العطاف وانجر به الانعطاف ، وقيل : ذكر المحمود بما فيه من خصال السؤدد(¬4) حقا ، وقيل : الثناء على المحمود بما فيه من المدح . وأما الفرق بينه وبين الشكر ، ففيه خمسة أقوال : قيل : هما مترادفان ، فالحمد هو الشكر والشكر هو الحمد ، قاله الطبري(¬1)، وقيل : هما متباينان . قاله ابن عطية(¬2). ...

فالحمد : هو الثناء على المحمود بما فيه من الأوصاف الجميلة ، كالعلم والصبر والحياء والشجاعة . والشكر : هو الثناء على المشكور بما فيه من الإحسان والإنعام لغيره ، وحرر بعضهم الفرق بينهما ، فقال : الحمد هو الثناء على المحمود بما فيه من المدح ، والشكر : هو الثناء على المشكور بما أولاك من المنح .

فالحمد على هذا القول : من صفات الذات ، والشكر : من صفات الفعل .

صفحه ۶۸