تنبه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحسن والمعيب

تنبه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحسن والمعيب

ژانرها
Philology
•
مناطق
یمن

[تنبه الأديب على ما في شعر أبي الطيب من الحسن والمعيب]

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين

مقدمة

حمدا لمن أرشدنا لحسن اتباع أديب نبيه: أحمد أبي الطيب ووفقنا لفهم كلماته التي كل بيت من

ديوان فصاحتها في سماء البلاغة مطنب. وفيأنا من مغانيها روضا قد تروى من غمام براعته الناقع

الصيب.

صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه صلاة لا يحصرها نثر الناثر المجيد، ولا نظم الشاعر

المتأدب ..... وبعد.

فالمجد لا يمد سرادقه إلا على من حلي بدرر الأدب جيد فضائله، ولا تمسي ألوية الفخر خافقة إلا

على من وشح بشذور ذهبه معاطف شمائله. ولا تصبح أعلام الثناء منصوبة ألا على من اطلع في

سماء الفصاحة من قريضة زهرا ولا تصير ألوية المحامد مضروبة إلا على من أنبت في روض

البلاغة من بيانه زهرا .....

وحسب الشعر والبيان شرفا وفخرا، قول من لا ينطبق عن الهوى: (أن من الشعر لحكمة، وأن من

البيان لسحرا).

رأيه في المتنبي:

صفحه ۱

وكان ممن ألقت أليه الفصاحة أزمتها، وسلمته البلاغة أعنتها، وملكته البراعة رسن قيادها، ومكنته الآداب من أفلاذ أكبادها. أمام قبلة القريض، ومصلى حلبته، وفارس ميدانه، وملك أيلته ... من أطاعه

الشعر طاعة تبرأ بها من عقوقه، وجرت معانيه في طباعه جري الدم في عروقه.

جذيله المحكك وعذيقه المرجب، وطراز معطفه المنضد المذهب، أحمد أبو الطيب: المتنبي، السائر

ذكره في الشعر مسير الشمس والقمر، والطائر صيته في البر والحضر، فلقد منح في شعره فصاحة

كسي بها سبحان وائل برد باقل، ورزق فيه حظا نسيت به أشعار الأواخر والأوائل، حتى كان كما

قال: (من الطويل، قافية المتدارك):

ودع كل بعد صوتي فأنني...أنا الصائت المحكي والآخر الصدى

ولقد كانت الأيام تترنم بمعانيه وتتغنى بأناشيده وأغانيه، إلى أن صار كما قال:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي...إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

فسار به من لا يسير مشمرا...وغنى به من لا يغنى مغردا

صفحه ۲

فليست مجالس الأنس أعمر بشعره من مجالس الدروس والمحافل، وليست ألسنة الخطباء في الوعظ به، أجري من أقلام الكتاب به في الخطب والرسائل، وليست لحون المغنين والقوالين أشغل به من

كتب المؤلفين والمصنفين، حتى لقد اعتنت العلماء بديوان شعره فشرحوه نحو أربعين شرحا، وكفى

له بذلك شرفا ومدحا.

ومع ذلك فلم يخل من مثن عليه وقال وهكذا شيم من ترقى هضب المعالي.

رأي الناس:

والناس فيه وفي أبي تمام على مذهبين: فمنهم من فضل أبا تمام عليه، وجعل شاهد دعواه ما نسب

من الهفوات والسقطات إليه. وقال، حين سئل عنهما، ومن الأفضل منهما -: (أنا لا أسمع عذلا في

حبيب. وقام عنده: أنه في ذلك مصيب. ومنهم من فضله على أبي تمام، وعذل من أحب حبيبا،

وأطال له العذل، وأوسع له الملام، وسدد لتعييب شعره من الطعن نبالا، ومن القدح سهاما.

سبب التأليف:

ولما صار لكل ذام ومادح، وشاكر وقادح، تفرقوا فرقا، فيما يزين أبا الطيب أو يشينه، وأكثروا

الفحص فيما يعزه أو يهينه، وأطالوا التعصب عليه وله، فيما يظهر موجب مدحه أو تنقيصه وألفوا

صفحه ۳

الكتب في توضيح مشكل كلامه، وحل عويصه ولم يكن الإجماع عليه منعقدا، ولم أره سالما من طاعن أو معترض أو منتقد، أردت أن اخبر خبره، لا بالتقليد، بل بالاجتهاد!. وانظر: أحقا أم باطلا

قول الذين سلقوه بالسنة حداد. فشمرت - حينئذ - عن ساعدي الجد بنيل المطلوب وتحصيل المراد.

وتبعت جميع كلامه؛ لاطلع على ما فيه من المحاسن وما فيه من الانتقاد.

فألفيت أبكار معاني قريضه لم يطمثهن انس قبله (ولا جان). ولم يحلق طائر فكر على معاقل ألفاظه

الجزلة، ولم يحم سانح قريحة على مخدرات فكرته الولود، ولم يمد باعث خاطر ناظره إلى مصونات

قريحته القانصة لكل معنى شرود.

وتيقنت أن أبا الطيب ثبير القريض الذي لا يزحم، وبدره الذي ينجلي به ليله الأسحم، وغائص لجته

لا يرضيه من دررها لا كباره، وفارس ميدانه الذي في قصبات السبق لا يشق غباره، ولم اظفر في

نظمه بشيء مما يعاب به شعره، أو يبخس به سعره ، إلا بالقليل النزر، الذي هو بالنسبة إلى محاسنه،

كالقطرة في البحر ..

فعلمت أن الصارم قد ينبو، وأن الجواد قد يكبو، وان الزناد قد يخبو، وأن الكامل من عدت سقطاته،

وأن السعيد من حسبت هفواته (من الطويل - قافية المتدارك):

صفحه ۴

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها...كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

ورأيت غالب ما في ديوانه من القصائد محاسن وغررا، وانما يعاب شعره في بعض القصائد،

تتفرق شذر مذر. لا يهتدي اليه ألا فكر كل ذكي ألمعي، ولا يميط عنه النقاب إلا فهم كل أريب

لوذعي: فعمدت إلى استخراج ما يعاب به شعره من زوايا أبيات قصائده، وميزت جزع لفظه المعيب

من بين در قلائده، وأدنيته من طرف ناظره؛ ليجتنيه من روض كلامه بأيسر قطف، وأرحته عن

إزاحة ما ذوي من كلماته الغضة من البحث والفحص والكشف. وجمعته احسن جمع ووضعته الطف

وضع، وذلك أن ما كان من قصائده سالما من الانتقاد، خاليا من الاعتراض والطعن والايراد، ضربت

عنه صفحا، وطويت عنه كشحا.

منهجه:

وما أعيب من شعره أو بخس من دره، رتبته على حروف المعجم؛ ليكون أتقن واحكم ... فأذكر في:

(ذلك الحرف): مطلع القصيدة المعيب، بعض أبياتها، المشوه ذلك العيب، حسن صفاتها، واذكر العيب

صفحه ۵

ومحله منها، وسببه من تنافر أو غرابة أو تعقيد. ثم اذكر بعد ذلك العيب ما فيها من المحاسن؛ ليزول بنوره ظلام غيهب هاتيك القصيدة.

وكل قصيدة فيها عيب، كان روية على ذلك الحرف، ذكرتها فيه، وذكرت ما فيها من المحاسن أو

مما ينافيه، وكلما أوردت بيتا، أمطت عن وجه معانيه النقاب وذكرت معه ما يحتاج إليه من لغة

واعراب، وأجبت عن مشكلة بأوضح الأجوبة، وأرحت الواقف عليه من أن يكد فكره في فهمه أو

يتعبه ..

خلاصة رأيه:

وبالجملة فمعايب أبي الطيب تعد ومحاسنة لا تحصى ولا تحد، وهو، وإن كن بحرا لا يمتطى

ثبحبه، ولا تخاض لججه، فالبحر قد يغور، وإن كان قد طمي، والسهم قد يجوز الغرض وإن كان

مقوما، والماء العذب، ربما خالطه الكدر ، وغائص اللجة ربما أعياه إخراج الدرر، وكل يؤخذ من

كلامه ويرد عليه، وينسب له السقطات والهفوات وتضاف اليه، الا من جعله الله من أهل العصمة،

وحفظه من كل منقصة، ووصمة.

رجع إلى منهجه:

وعند انتهاء ما أوردناه من غرر المحاسن وعرر المعايب، واجتناب ما نبذ من الخبائث، واجتناء ما

صفحه ۶

لذ من الأطايب، ذكرنا طرفا من سرقات الشعراء منه، وسرقاته من الشعراء، ونبذة من محاسنه، من ارسال المثل، وعقده حكم الحكماء، ما لم يسبق لحسنه إليه، ولم تحم سوانح القرائح عليه، ورتبته

على مقدمة، وبابين، وخاتمة.

أما (المقدمة):

ففي حد الفصاحة، وبيان معرفتها، وعظم شأنها، وعلو مرتبتها، وما يجب على الشاعر التنبيه له مما

يطيب ويستحسن، أو يخبث ويستهجن.

- وأما (الباب الأول): ففي ما وضع هذا المؤلف؛ لأجله من المحاسن المستملحة والمعايب

المستقبحة.

- وأما (الباب الثاني): ففي سرقاته من الشعراء، وسرقات الشعراء منه.

- وأما (الخاتمة): ففي محاسنه من: إرسال المثل، وعقد الحكم، وبها يتنجز الغرض، وتحصل سهام

مرامنا المرمى، وينال العرض ..

إهداؤه:

ولما تم قمر هلاله، وأضاء في أفق الفراغ بدر كماله، توجته بخدمة من نظم تاج شرفه بلآلئ عقود

الرسالة، وأفرغت عليه النبوة خلعا، تملأ العين مهابة وجلالة، وأدارت على محياه النبوي من ساطع

الأنوار أشرف هالة وغذته من أخلاقها الكريمة بما غدت به أهل بيت النبي وآله، وأنهلته من

مواردها الصافية عذب سلسبيلها وزلاله، وبوأته من سمائها منزل مجد أبدي له، الفخر منه هلاله.

صفحه ۷

وفيأته من حدائقها روض سؤدد، ما أينع زهره وأورف ظلاله، وأورثته معالي آبائه الأكابر فحازها

بالفرض، لا عن كلالة ...

ملك تفرع من دوحة الحسنين غصن محتده الطاهر الزكي، ونفح من شذا الريحانتين مسك ثنائه

العطر الذكي، قد أحله الله - تعالى - محل الشمس والقمر، وأطاع له الماضيين: السيف والقدر،

وعقد له في الخافقين ألوية العز وبنود الظفر، وتشرفت به وباسمه هامات المنابر، وأسرة الملك،

ودارت الأملاك بمراده، وجرت به في بحر السعادة الفلك، وارتعدت من هيبته فرائص الصوارم،

واضطربت صدور الرماح، واستقادت لأمره الأيام والليالي، وغدت خافضة الجناح، وأصبح إنسانا

لعين الدهر ولأزمته مالك، وتحلت بدر مفاخر لبات الدول وترائب الممالك، وأضاءت به مسالك

المعالي، بعد أن كانت مظلمة حوالك، وأصحت به شموس المكارم في الآفاق مشرقة، وحدائق المحامد

مورقة، وسحائبها مغدقة. حامي حمى بيت الله الحرام، ومهبط وحيه ومنشأ نبيه، ومرباه، وحارس

صفحه ۸

حوزته، بخيله ورجله ورماحه وظباه، سيدنا ومولانا: السيد الشريف الحسيب النسيب، نجم الدنيا والدين محمد - أبي نمي - بن بركات بن محمد بن بركات، لا زالت دولته القاهرة، تلبس الأيام خلع

العدل وتكسو الليالي ملابس الامان، وسلطنته الباهرة غرة في جبهة الملك وشامة في وجنة الزمان،

ولا برح ملكه الشريف على طول الزمان، محفوظا حفظ الصلوات الخمس، ومحروسا من جهاته

الست بالسبع المثاني، حراسة القمر والشمس بمحمد وآله.

التعريف بأبي الطيب:

ولنقدم قبل الشروع في المقصود نبذة لطيفة تشتمل على التعريف بأبي الطيب، وأخباره. فنقول:

نسبه:

أبو الطيب اسمه: أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكندي المتنبي.

تسميته المتنبي:

وإنما قيل له: (المتنبي)؛ لأنه ادعى النبوة ببادية السماوة، وتبعه خلق كثير، من بني كلب وغيرهم؛

فخرج إليه لؤلؤ - أمير حمص - نائب الإخشيدية، فأسره، وتفرق أصحابه وحبسه - طويلا - ثم

استتابه، وأطلقه وكان قد قرأ على البوادي كلاما، ذكر أنه قرآن؛ فمنه: (والنجم السيار، والفلك

صفحه ۹

الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، أمض على سنتك، وأقف اثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من لحد في الدين، وضل عن السبيل ... ).

مع سيف الدولة:

وكان ربما يذكر له ذلك في مجلس سيف الدولة، فينكره ويجحده، ولما أطلق من السجن، التحق

بالأمير: سيف الدولة بن حمدان، ثم فارقه، ودخل مصر، سنة ست وأربعين وثلثمائة، ومدح كافورا

الإخشيدي. وكان يقف بين يديه، وفي رجله خفان، وفي وسطه سيف، ومنطقة، ويركب بحاجبين من

مماليكه، وهما بالسيوف والمناطق، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر، سنة خمسين

وثلاثمائة، ووجه كافور خلفه عدة رواحل إلى جهات شتى، فلم يلحق، وقصد بلاد فارس، ومدح عضد

الدولة بن بويه الديلمي؛ فأجزل صلته؛ ولما رجع عرض له فاتك (بن أبي الجهل الأسدي) السعدي،

في عدة من أصحابه، فقاتلوهم، فقتل المتنبي وابنه، وغلامه بالقرب من: (النعمانية). في موضع،

يقال له: (الصافية)، من الجانب الغربي من سواد بغداد، ويقال: أنه ساء عضد الدولة، فدس عليه من

صفحه ۱۰