يسيرون في ممشى متنزه سنترال بارك.
تقول إلين أمام تمثال بيرنز: «يبدو وكأن لديه دملا فوق عنقه.»
همس هاري جولدوايزر متنهدا من حلقه السمين: «آه، ولكنه كان شاعرا عظيما.»
كانت تسير مرتدية قبعتها العريضة وفستانها الفضفاض ذا اللون الباهت، والذي كانت الرياح تثنيه بين الحين والآخر على ساقيها وذراعيها، وتعبر به كالحرير مهفهفا وسط فقاعات الشفق الوردية والأرجوانية والفستقية التي ترتفع من العشب والأشجار والبرك، بارزة أمام المنازل الطويلة ذات اللون الرمادي الحاد كأسنان الموتى حول الطرف الجنوبي للمتنزه، الذي اختفى في القمة النيلية اللون. عندما يتحدث، مكونا جملا من بين شفتيه المستديرتين السميكتين، متفحصا وجهها باستمرار بعينيه البنيتين، تشعر بكلماته تضغط على جسدها، وتلكزها في التجاويف التي يلتصق بها فستانها؛ فلا تكاد تستطيع التنفس خوفا من الاستماع إليه. «سيصبح عرض «فتاة الزينية» (زينيا جيرل) مذهلا حقا يا إلين، صدقيني، وذلك الدور مكتوب لك خصوصا. سيسعدني حقا العمل معك مرة أخرى ... أنت مختلفة للغاية، ذلك ما يميزك. فجميع هؤلاء الفتيات هنا في نيويورك متشابهات تماما، إنهن مملات. بالطبع يمكنك الغناء أيضا إن أردت ... لقد جن جنوني منذ أن قابلتك، وها قد فات علينا ستة أشهر جيدة الآن. أجلس لأتناول الطعام ولا يكون للطعام أي مذاق ... لا يمكنك أن تتخيلي كيف يشعر الرجل بالوحدة عندما يكون عليه أن يكبت مشاعره بداخله عاما بعد عام. عندما كنت شابا كنت مختلفا عن ذلك، ولكن ماذا كنت لأفعل؟ لقد كان علي أن أكسب المال وأشق طريقي في الحياة. وهكذا واصلت على هذا الحال عاما بعد آخر. وللمرة الأولى أشعر بالسعادة؛ لأنني مضيت قدما في طريقي وكسبت الكثير من المال؛ لأنني الآن يمكنني أن أقدمه لك. أتفهمين ما أعنيه؟ ... كل تلك الأشياء المثالية والجميلة قد دفنت داخلي عندما كنت أشق طريقي في عالم الرجال كان ذلك بمثابة زرع البذرة وأنت الآن زهرتها.»
يلامس ظهر كفه ظهر كفها من حين لآخر أثناء سيرهما؛ فتحكم قبضتها بتجهم ساحبة إياها بعيدا عن بدانة يده الساخنة واللحوحة.
ممشى المتنزه مليء بالأزواج والعائلات في انتظار أن تبدأ الموسيقى. وكانت رائحته هي رائحة الأطفال وواقيات الملابس وبودرة التلك. مر بهم بائع بالون يجر خلفه البالون الأحمر والأصفر والوردي كعنقود عنب ضخم مقلوب. «أوه، اشتر لي بالونا.» انطلقت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من إيقافها. «أنت، أعطني واحدة من كل لون ... وماذا عن واحدة من تلك الذهبية؟ كلا، احتفظ بالباقي.»
وضعت إلين خيوط البالون في الأيادي الملطخة بالتراب لثلاث فتيات صغيرات بوجوه كوجوه القرود بقلنسوات حمراء. ألقى المصباح القوسي بهالة بنفسجية على كل بالون. «أوه، تحبين الأطفال يا إلين، أليس كذلك؟ أنا أحب النساء اللاتي يحببن الأطفال.»
تجلس إلين لا مبالية إلى طاولة في شرفة مطعم كازينو. تلتف حولها خانقة نفحة ساخنة من رائحة الطعام وإيقاع فرقة تعزف أغنية «إنه جامع خردة» (راجبيكر)؛ فتدهن بين الحين والآخر قطعة من الخبز الملفوف وتضعها في فمها. تشعر بالعجز التام، بأنها قد أمسك بها كالذبابة في جمله المنسالة اللزجة. «ليس ثمة شخص آخر في نيويورك يمكنه أن يجعلني أسير كل هذه المسافة، صدقيني ... لقد سرت كثيرا في الأيام الخوالي، هل تفهمين ما أعني، كنت أبيع الصحف عندما كنت طفلا، وأعمل كصبي مهمات في متجر ألعاب شوارتز ... كنت أسير على قدمي طوال اليوم باستثناء الفترة التي قضيتها في المدرسة الليلية. ظننت أني سأصبح محاميا، جميعنا شباب حي إيست سايد ظننا أننا سنصبح محامين. ثم عملت حاجبا في صيف إحدى السنوات في حي إيرفينج بلاس، وأصابتني عدوى المسرح ... لم تكن فكرة سيئة، ولكنها محفوفة بالمخاطر. أما الآن فلم أعد أهتم؛ فكل ما أريده هو أن أعوض خسائري. هذه هي مشكلتي. أنا في الخامسة والثلاثين ولم أعد أهتم بشيء. قبل 10 سنوات كنت لا أزال كاتبا صغيرا في مكتب إرلانجر، والآن هناك الكثيرون ممن كنت ألمع أحذيتهم في الأيام الخوالي يسرهم حقا أن يحصلوا على فرصة لمسح أرضية شقتي في شارع ويست 48 ... يمكنني أن أصحبك الليلة إلى أي مكان في نيويورك، لا يهمني مدى الغلاء أو الرقي الذي عليه المكان ... وكنا نظن ونحن أطفال في الأيام الخوالي أننا سنعيش في النعيم إذا كان معنا خمس قطع نقدية لنصطحب بعض الفتيات إلى شاطئ كوني آيلاند ... أراهن أن كل ذلك كان مختلفا عما عشته يا إلين ... ولكن ما أريده هو أن أستعيد ذلك الشعور، أتفهمينني؟ ... أين سنذهب؟» «لم لا نذهب إذن إلى كوني آيلاند؟ فأنا لم أذهب إليه من قبل.» «إنه مليء للغاية بالمشاكسين ... ولكن لا يزال بإمكاننا أن نأخذ جولة بالسيارة. هيا. سأطلب سيارة عبر الهاتف.»
تجلس إلين ناظرة لأسفل إلى فنجان قهوتها. تضع قطعة كبيرة من السكر في ملعقتها، وتغطسها في القهوة، وتلقي بها في فمها حيث تجرشها ببطء، وهي تحك حبيباتها بلسانها في سقف فمها. تعزف الأوركسترا لحن رقصة تانجو. •••
تشق أشعة الشمس المتدفقة إلى المكتب أسفل الستائر المنسدلة طبقة مائلة لامعة كالقماش المموج عبر دخان السيجار.
صفحه نامشخص