كان جورج بالدوين يقول منتزعا الكلمات من فمه: «بسلاسة تامة. يجب أن نفعل ذلك بسلاسة تامة يا جاس.» كان جاس ماك نيل بوجهه الأحمر ورقبته الأشبه برقبة ثور وسلسلة ساعته الثقيلة المعلقة في صدريته يجلس على الكرسي ذي الذراعين وهو يحرك رأسه في صمت، جاذبا إليه سيجاره. «بالوضع الحالي ، ليس ثمة محكمة ستدعم مثل هذا الإنذار القضائي ... الإنذار القضائي الذي يبدو لي ممارسة محضة لسياسة القاضي كونر الحزبية، غير أن هناك بعض العناصر ...» «كما قلت ... اسمع يا جورج، سأترك لك أمر إلقاء اللوم هذا برمته. لقد زججت بي عبر فوضى موانئ نيويورك الشرقية، وفي ظني أنه بإمكانك أن تزج بي في ذلك الأمر أيضا.» «ولكن موقفك في هذا الأمر برمته يا جاس كان بالكامل داخل الحدود الشرعية. ولو لم يكن الحال كذلك لما استطعت بالتأكيد أخذ القضية، ولا حتى لصالح صديق قديم مثلك.» «أنت تعرفني يا جورج ... فأنا لم أخلف وعدي مع أحد قط، ولا أتوقع أن يخلف أحد وعده معي.» نهض جاس متثاقلا وبدأ يعرج حول المكتب متكئا على عكازه ذي المقبض الذهبي. «كونر وغد ... لن تصدق ولكنه كان رجلا محترما قبل أن يذهب شمالا إلى مدينة ألباني.» «سيكون موقفي هو الدفاع بأن تصرفك في هذا الأمر برمته قد أسيء فهمه عمدا. إن كونر يستغل منصبه على مقعد القضاء لخدمة مصلحة سياسية ما.» «أسأل الرب أن تستطيع النيل منه. يا إلهي، لقد ظننته واحدا منا؛ فقد كان كذلك بالفعل قبل أن يذهب شمالا ويختلط بجميع جمهوريي الشمال الحقراء. ألباني هي مصدر دمار الكثير من الرجال الصالحين.»
نهض بالدوين من خلف الطاولة المسطحة من خشب الماهوجني التي كان يجلس إليها بين حزم طويلة من ورق الفولسكاب ووضع يده فوق كتف جاس. «لا تقلق مطلقا ...» «كنت سأشعر بأن كل شيء على ما يرام لولا تلك السندات بين المناطق الإدارية.» «أي سندات؟ من رأى أي سندات؟ ... لندخل هذا الشاب هنا ... جو ... وهناك شيء آخر يا جاس، أرجوك ألا تتحدث في الأمر ... إذا أتى أي صحفيين أو أي أحد لرؤيتك، فأخبرهم برحلتك إلى برمودا ... يمكننا الحصول على الدعاية الكافية عندما نحتاج إليها. ولكننا في الوقت الحالي نريد أن نبعد الصحافة عن الأمر وإلا فسيتعقبك جميع المصلحين.» «ولكن أليسوا أصدقاءك؟ يمكنك تدبير الأمر معه.» «أنا محام ولست سياسيا يا جاس ... لا أتدخل في تلك الأمور بتاتا. إنها لا تعنيني.»
ضغط بالدوين على جرس الباب بيد مبسوطة. دخلت الغرفة شابة ذات بشرة عاجية وعينين غائرتين ثقيلتين وشعر فاحم السواد. «كيف حالك يا سيد ماك نيل؟» «يا إلهي تبدين بحالة جيدة يا آنسة ليفيتسكي.» «أخبريهم يا إميلي أن يدخلوا ذلك الشاب الذي ينتظر السيد ماك نيل.»
دخل جو أوكيف يجر قدميه بعض الشيء، وقبعته القشية في يده. «كيف حالك سيدي؟» «اسمع يا جو، ماذا يقول مكارثي؟» «ستعلن جمعية المقاولين والبناءين إغلاقا من يوم الإثنين.» «وكيف حال النقابة؟» «لدينا خزينة كاملة. سنقاتل.»
جلس بالدوين على حافة المكتب. «أتمنى لو كنت أعرف موقف حاكم المدينة ميتشل من كل هذا.»
قال جاس وهو يعض بوحشية عقب سيجاره: «مجموعة الإصلاح تلك تنحت في الصخر كعادتها.» «متى سيعلن هذا القرار على العامة؟» «يوم السبت.» «حسنا ابق على اتصال معنا.» «حسنا أيها السادة. رجاء لا تتصلوا بي عبر الهاتف. لا يبدو ذلك صائبا على الإطلاق. فكما ترون هذا ليس مكتبي.» «قد يكون التنصت مستمرا أيضا. هؤلاء الرجال لا يوقفهم شيء. حسنا، أراك لاحقا يا جوي.»
أومأ جو برأسه وخرج. استدار بالدوين عابسا إلى جاس. «لا أعلم ماذا سأفعل معك يا جاس إن لم تبتعد عن كل هذه المسائل العمالية. حري بشاب ولد في بيئة سياسية مثلك أن يكون أكثر حكمة. لا يمكنك الفرار من الأمر.» «لكننا تمكنا من تجميع المدينة اللعينة بأكملها.» «أعرف الكثيرين في المدينة لم يتحدوا. لكن حمدا للرب أن هذا ليس من شأني. أمر السندات هذا لا بأس به، ولكن إذا تورطت في هذه الأعمال الإضرابية فلن أستطيع تولي قضيتك. فلن تدعمها الشركة.» هكذا همس بحدة. ثم قال بصوت عال بنبرته المعتادة: «حسنا، كيف حال الزوجة يا جاس؟»
في الخارج بالردهة الرخامية اللامعة، كان جو أوكيف يصفر بلحن أغنية «روزي أوجرادي الحلوة» (سويت روزي أوجرادي) منتظرا المصعد. تخيل رجلا لديه سكرتير مذهل كهذا . توقف عن التصفير وترك أنفاسه تخرج صامتة عبر شفتين مزمومتين. ألقى التحية في المصعد على رجل أحول العينين يرتدي بذلة ذات نقشة مربعة. «مرحبا يا باك.» «هل قمت بعطلتك بعد؟»
وقف جو مباعدا بين قدميه ويداه في جيبيه. وهز رأسه. «سأذهب يوم السبت.» «أظن أنني سأقضي بضعة أيام في أتلانتك سيتي.» «كيف يمكنك ذلك؟» «أوه، ذلك الولد ذكي.»
عندما خرج أوكيف من المبنى، كان عليه أن يشق طريقه خلال الناس المتزاحمين في البوابة. كانت السماء الأردوازية الغارقة بين المباني المرتفعة تلطخ الأرصفة بما يشبه القطع المعدنية من فئة الخمسين سنتا. وكان الرجال يركضون بحثا عن مخبأ بقبعاتهم القشية أسفل معاطفهم. وقد صنعت فتاتان غطاءين من الجرائد فوق قلنسوتيهما الصيفيتين. لمح زرقة أعينهما وبريق شفاهما وأسنانهما وهو يمر. مشى سريعا إلى الناصية واستقل راكضا سيارة متجهة إلى الشمال. اجتاح المطر الشارع في زخات صلبة تتلألأ وتحفحف وتضرب الصحف فتسوي سطحها، وتثب كحلمات فضية بمحاذاة الأسفلت، وتخطط النوافذ، وتلمع طلاء الترام وسيارات الأجرة. في شارع 14 لم تكن هناك أمطار، ولكن الهواء كان خانقا.
صفحه نامشخص