586

تفسیر وسیط

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ناشر

دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

ویراست

الأولى

محل انتشار

الفجالة - القاهرة

قال القرطبي ما ملخصه: قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ لأن النبي ﷺ قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام. وقيل إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية.. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلّم عن أبيه قال: سمعت عمر ابن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق.
قالت أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب. فقال عمر: اللهم اشهد وتلا: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ «١» .
والذي تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن التدين لا يكون مع الإكراه- كما أشرنا من قبل- ولأن الجهاد ما شرع في الإسلام لإجبار الناس على الدخول في الإسلام إذ لا إسلام مع إجبار، وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله، والرسول ﷺ ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول في الإسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدءوه بالعداوة.
ولأن الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين، ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال: نزلت في رجل من الأنجر من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما، فقال للنبي ﷺ ألا استكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية «٢» وفي رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول في الإسلام فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال الأنصارى: يا رسول الله أيدخل بعضى النار وأنا أنظر إليه فنزلت الآية.
ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن التوفيق بأن نقول:
إن الآية التي معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ جاءت لحض النبي ﷺ وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق دعوته، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا.
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة الكافرين فقال- تعالى-:

(١) تفسير القرطبي ج ٣ صفحة ٣٨٠.
(٢) تفسير ابن كثير ج ١ صفحة ٣١١.

1 / 590