مجمع البيان في تفسير القرآن
مجمع البيان في تفسير القرآن - الجزء1
(1) - كانت قبلة أبيه إبراهيم (ع) وقبلة آبائه عن ابن عباس وقيل لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا عن مجاهد وقيل إن اليهود قالوا ما دري محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم عن ابن زيد وقيل كانت العرب يحبون الكعبة ويعظمونها غاية التعظيم فكان في التوجه إليها استمالة لقلوبهم ليكونوا أحرص على الصلاة إليها وكان ص حريصا على استدعائهم إلى الدين ويحتمل أن يكون إنما أحب ذلك لجميع هذه الوجوه إذ لا تنافي بينها وقوله «فلنولينك قبلة ترضاها» أي فلنصرفنك إلى قبلة تريدها وتحبها وإنما أراد به محبة الطباع لا أنه كان يسخط القبلة الأولى «فول وجهك شطر المسجد الحرام » أي حول نفسك نحو المسجد الحرام لأن وجه الشيء نفسه وقيل إنما ذكر الوجه لأن به يظهر التوجهوقال أبو علي الجبائي أراد بالشطر النصف فأمره الله تعالى بالتوجه إلى نصف المسجد الحرام حتى يكون مقابل الكعبة وهذا خطأ لأنه خلاف أقوال المفسرين «وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره» أي أينما كنتم من الأرض في بر أو بحر أو سهل أو جبل فولوا وجوهكم نحوه فالأول خطاب للنبي ص وأهل المدينة (والثاني) خطاب لجميع أهل الآفاق ولو اقتصر على الأول لجاز أن يظن أن ذلك قبلتهم حسب فبين سبحانه أنه قبلة لجميع المصلين في مشارق الأرض ومغاربها وذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتابه عن ابن عباس أنه قال البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب والبيت قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الأرض كلها وهذا موافق لما قاله أصحابنا أن الحرم قبلة من نأى عن الحرم من أهل الآفاق وقوله «وإن الذين أوتوا الكتاب» أراد به علماء اليهود وقيل علماء اليهود والنصارى «ليعلمون أنه الحق من ربهم» أي يعلمون أن تحويل القبلة إلى الكعبة حق مأمور به من ربهم وإنما علموا ذلك لأنه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبي من صفاته كذا وكذا وكان في صفاته أنه يصلي إلى القبلتينوروي أنهم قالوا عند التحويل ما أمرت بهذا يا محمد وإنما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك مرة إلى هنا ومرة إلى هنا فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم يعلمون خلاف ما يقولون «وما الله بغافل عما يعملون» أي ليس الله بغافل عما يعمل هؤلاء من كتمان صفة محمد ص والمعاندة ودل هذا على أن المراد بالآية قوم معدودون يجوز على مثلهم التواطؤ على الكذب وعلى أن يظهروا خلاف ما يبطنون فأما الجمع العظيم فلا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ولا يتأتى فيهم كلهم أن يظهروا خلاف ما يعلمون وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه إلى بيت المقدس وقال ابن عباس أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة وقال قتادة نسخت هذه الآية ما قبلها وقال جعفر بن مبشر هذا مما نسخ من السنة بالقرآن
صفحه ۴۲۰