تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
[10.20]
{ ويقولون } استهزاء واستظهارا { لولا أنزل عليه } اى على محمد (ص) { آية من ربه } مما اقترحناه او مما يدل على رسالته { فقل } الفاء جواب شرط محذوف او متوهم اى اذا قالوا فقل { إنما الغيب لله } علم الغيب مختص به فلا اعلم انا ولا انتم ما يترتب على انزال الآية من المفاسد والمصالح وهو يعلم فلا ينزل الآية لما فيها من المفاسد وفى تركها من المصالح او عالم الغيب ملك الله ليس لى تصرف فيه ولا تسلط عليه حتى اجيب مقترحكم او انزل منه ما اريد، فانا وانتم سواء فى ذلك { فانتظروا } نزول الآية والفاء مثل سابقه { إني } مثلكم { معكم من المنتظرين } ويحتمل ان لا يكون قوله فقل انما الغيب (الآية) مماشاة معهم بل يكون تهديدا لهم على استهزاءهم والمعنى ان الغيب لله ينزل منه ما يشاء من عذابكم وعذابى والرحمة بكم وبى فانتظروا نزول عذابه انى معكم من المنتظرين ويؤيد هذا المعنى تهديدهم بالآية الآتية { وإذآ أذقنا الناس رحمة }.
[10.21]
{ وإذآ أذقنا الناس رحمة } سعة وصحة وأمنا فانها من آثار الرحمة وان كانت قد تصير نقمة او هى رحمة فى انظارهم القاصرة عن ادراك الغايات { من بعد ضرآء مستهم } وهى ضد المذكورات { إذا لهم مكر في آياتنا } الكبرى البشرية او الصغرى الآفاقية والانفسية والتدوينية فان الانسان ليطغى ان رآه استغنى، والمكر فى الآيات الكبرى بالاضرار بالحيل الخفية، وفى الآيات الصغرى فى المعجزات بحملها على السحر ونحوه من الوجوه الخفية، وفي غيرها باخفائها وتلبيسها على الغير او تأويلها على مقتضى شهواتهم { قل الله أسرع مكرا } انفذ مكرا واسبق مكرا فان مكركم فى الآيات فى الحقيقة مكر الله فيكم فمكره اسبق من مكركم فى كل حال ونسبة المكر الى الله من باب المشاكلة او المشابهة والا فالماكر يقال للعاجز عن اعلان المخاصمة المنصرف عنه الى اخفائها { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } تهديد لهم بظهور ما يظنونه خافيا عليه بواسطة الرسل وصرف للخطاب عنه (ص) اليهم والتفات من الغيبة الى التكلم ليكون ابلغ فى الانذار على قراءة تمكرون بالخطاب وهو جواب سؤال ناش عن سابقه كأنه قيل: هل الله يعلم ما نمكر حتى يمكر بنا.
[10.22]
{ هو الذي يسيركم } بمنزلة التأكيد والاضراب من غير الابلغ الى الابلغ فى الجواب كأنه قال: بل نعلم ما تمكرون بدون واسطة الرسل وانتم بحسب الفطرة تعملون ذلك لانا نحن الذى نسيركم، والتسيير يستلزم العلم بدقائق احوال المسير والمسير فيه والمسير له وانتم اذا رفع عنكم غشاوة الخيال تعلمون ذلك، لانكم تدعونه وقت انقطاع الوسائل وحيل الخيال عنكم فتعلمون انه هو الذى يعلم حالكم ودعاءكم ويقدر على اجابتكم ورفع البلاء عنكم فتدعونه مخلصين عن اغراض الخيال، لكنكم اذا رفع عنكم البلاء وتسلط عليكم الخيال احتجب بأغراضكم الخيالية واهويتكم النفسانية معلومكم الذى تكونون مفطورين عليه فتشركون به غيره، فهو تأكيد للجواب وتفظيع لهم بالتبع، والمراد بتسييره تعالى تمكينه اياهم من السير بتهية اسبابه الداخلة من قواهم العلامة والعمالة والخارجة من تسطيح الارض وتسخير المراكب وجعل ما يحتاج اليه من المأكول والمشروب والملبوس مما يمكن نقله، او نقول لكل متحرك لا محالة والمحرك الاول فى الحركات الاختيارية هو النفس المسخر لها القوى والنفس بالنسبة الى الله تعالى مثل القوى بالنسبة الى النفس لا استقلال لها فى شأن من شؤنها، فكما ان فعل القوى ينسب الى النفس حقيقة بل النفس اولى بنسبتها من القوى فكذلك فعل النفس بالنسبة الى الله تعالى فالمسير وان كان هى النفس اولا لكنه الحق الاول تعالى حقيقة والنفس كالآلة له؛ فصح نسبة التسيير اليه تعالى بطريق الحصر { في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } التفات من الخطاب الى الغيبة { جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان } من امكنة البحر يعنى من جميع جوانب السفن { وظنوا } أيقنوا لما مر مرارا ان علوم النفس ان كانت يقينة فهى ظنون، او المراد حقيقة الظن لان ظاهر الامواج وان كان مورثا ليقينهم لكن رجاءهم بالغيب المفطور على العلم به وبقدرته على انجائهم مورث لاحتمال الانجاء { أنهم أحيط بهم } اى اهلكوا والتأدية بالماضى للاشارة الى تحققه كأنه وقع وهذا يؤيد كون الظن بمعنى اليقين وهو صار مثلا فى الهلاك، واصله من قولهم: احاط به العدو فلا سبيل للخلاص له ولا مسلك للخروج { دعوا الله } بدل من ظنوا بدل الاشتمال، او جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما فعلوا؟ { مخلصين له الدين } طريق الدعاء او طريق النفس الى الله او اعتقادهم التوحيد وسائر عقائد الدين او ملتهم التى أخذوها دينا من نبيهم ووجه الاخلاص قد مضى من ان تسلط الخيال وتصرفه يورث الشرك الظاهر والباطن وحين تراكم البلاء وتلاطم امواجه ينقطع حيله ويفر ويقول كالشيطان:
إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله
[الأنفال:48] رب العالمين فيبقى التوحيد الفطرى بلا معارض ولا حجاب { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } تفسير للمدعو به المحذوف تقديره: دعو الله بشيء لئن انجيتنا، او مفعول لقول محذوف حالا.
[10.23-24]
{ فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض } يعنى خرجوا من الشكر ونكثوا حلفهم ونقضوا عهدهم لعود الخيال وحيله واغشيته اليهم بغى عليه عدا وظلم، وبغى وعدل عن الحق واستطال وكذب، وبغى فى مشيه اختال واسرع، وبغاه طلبه والكل مناسب ههنا { بغير الحق } تقييد للبغى باى معنى كان قد يكون بالحق مثل ما يرى من اهل الحق من التجاوز عن الحد وصورة الظلم والعدول عن الحق تقية والاستطالة والكذب فى موقعه والاختيال فى محله وطلب الدنيا بامر الرب { يأيها الناس } بعد ما ذمهم بالنكث والبغى توجه اليهم بالنداء وذكر ان وبال بغيهم راجع عليهم ليكون اردع { إنما بغيكم على أنفسكم } لا يتعداها فى الحقيقة الى غيركم فان الانسان ما لم يفسد قوى نفسه بصدها عن مطاوعة العقل لا يفسد غيره، وافساده غيره وان كان افسادا له ظاهرا لكنه اصلاح له حقيقة، فيبقى البغى افسادا لنفس الباغى فقط وعلى هذا فعلى انفسكم خبر عن بغيكم ويحتمل وجوها من الاعراب وهى كون بغيكم بمعنى او بتضمين معنى يقتضى التعلق بعلى وكون الجار متعلقا به { متاع الحياة الدنيا } بالرفع خبرا عنه او على انفسكم خبرا ومتاع الحياة الدنيا بعد خبر، او خبر مبتدء محذوف حالا من المستتر فى الظرف او مستأنفا، وعلى قراءة نصب متاع الحياة الدنيا فالخبر هو الظرف ومتاع الحياة الدنيا نائب عن مصدر بغيكم، او مصدر لفعل محذوف حالا او مستأنفا، او منصوب على الذم اى اذم متاع الحياة الدنيا، وعلى قراءة نصب المتاع يحتمل كونه مفعولا لبغيكم ايضا، ويحتمل وجوها اخر بعيدة مثل كون الظرف لغوا ومتاع الحياة الدنيا بالرفع او بالنصب بوجوه كونه غير خبر والخبر محذوفا مثل محذور او ثقل ووبال { ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون إنما مثل الحياة الدنيا } جواب سؤال ناش عن ذم متاع الحياة الدنيا { كمآء } كمثل ماه { أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض } اختلاط النباتات كثرتها وتداخل انواعها المختلفة بعضها خلال بعض { مما يأكل الناس والأنعام حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها } الوان نباتها فان زخرف الارض الوان نباتها { وازينت } تزينت باصناف النبات وازهارها واخضرارها واختلاف الوان رياحينها واشكالها واختلاطها بحيث يعجب الناظر اليها { وظن أهلهآ } اهل الارض او اهل الزخرف فانه باعتبار معناه الذى هو الوان النبات اذا اضيف الى الارض يجوز ارجاع ضمير المؤنث اليه { أنهم قادرون عليهآ } على الارض بانباتها وانماء نباتها وابقائه الى ان انتفعوا به او على الزخرف بانباتها وانمائها وابقائها ذلك لكمال غفلتهم واغترارهم بتدبيرهم { أتاهآ } اتى الارض او الزخرف { أمرنا } باهلاكها واستيصالها بالعاهات والآفات { ليلا أو نهارا فجعلناها } اى الزخرف { حصيدا } محصودة والفعيل بمعنى المفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث وهو فى اللغة اسم لما حصده الانسان بالحديد لكنه صار مثلا فى كل ما استوصل بحيث لم يبق منه شيء { كأن لم تغن } لم تقم او لم تكن { بالأمس } يعنى قبل ذلك الزمان فهو ايضا صار مثلا فى الزمان القريب، اعلم، ان هذه التمثيل من احسن اقسامه لتطابق جميع اجزاء الممثل به والممثل له فى التشبيه حيث ان النفس الانسانية النازلة من سماء الارواح كالماء النازل من السماء الدنيا وبدن الانسان كالارض فى استقرار النفس والماء وقواه كنبات الارض فى اختلاف انواعها واغترار الانسان بقوة قواه واشتدادها كاغترار اهل الارض بزخرفها واستيصال قوى الانسان بالاجل كاستيصال اصناف النبات بالآفة { كذلك نفصل الآيات } آيات العالم الكبير والعالم الصغير { لقوم يتفكرون } يتسعملون قوتهم المتصرفة فى معلوماتهم بالضم والتفريق التى تسمى باعتبار استخدام العاقلة لها مفكرة وباعتبار استخدام الواهمة متخيلة، فان التفكر هو استعمال المفكرة او المتخيلة فى التصرف فى المعلومات، وامثال هذه الآيات المتراكمة المتداخلة المتوافقة المتخالفة لا يدركها الا من كان عالما متفكرا.
صفحه نامشخص