تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ أفمن أسس بنيانه } بنيان وجوده { على تقوى من الله ورضوان خير } من الله عطف على محذوف مستفاد من سابقه والهمزة والفاء على التقديم والتأخير او على تقدير المعطوف عليه بينهما تقديره امسجد اسس على التقوى خير ام مسجد اسس على النفاق فامن اسس بنيانه او فمن اسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير { أم من أسس بنيانه على شفا جرف } الجرف جانب الوادى الذى تجرفه السيول وتذهب بتراب اصله فتنشق والشفا شفيره { هار } اصله هائر وهور وهو المنشق المشرف على السقوط { فانهار به } اسقط اى البنيان او من اسس النبيان { في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين } عطف باعتبار المعنى كأنه قال فمن اسس بنيانه على شفير جهنم ظالم والله لا يهدى القوم الظالمين. اعلم، ان النفس الانسانية فى اول الخلقة ليس لها الا فعلية الجماد ثم تتدرج الى فعلية النبات ثم الى فعلية مراتب الحيوان من مراتب الخراطين الى مراتب البهيمية والسبعية، ثم الى فعلية الشيطانية، ثم الى فعلية الانسانية فى الجملة، وهى مقام تميزها للخير والشر العقليين فى الجملة فى اول مراتب البلوغ والتكليف وحينئذ تقع برزخا بين عالم الجنة والشياطين وفيه جهنم ونيرانها، وبين عالم الملائكة بمراتبها وفيه الجنان ونعيمها وروحها وريحانها، والانسان فى هذا المقام ليس الا قابلا صرفا يتصرف فيه الشياطين ويجذبونه الى السفل والى عالمهم ويتصرف فيه الملائكة ويجذبونه الى العلو والى عالمهم وله القوة والاستعداد للسير على مراتب السفل والاتصاف بها وعلى تمام مراتب العلو والاتصاف بها، فان ساعده التوفيق وادرك ببصريته شروره وان جذب الشياطين له ليس الا الى دار الشرور واتقى ذلك ولم ينصرف الى ما اقتضيه القوة الشيطانية والسبعية والبهيمية، بل كان على حذر من ذلك وقام فى مقام الانسانية متدرجا فى مراتبها فقد اسس دار وجوده وتعيشه على تقوى من لوازم سخط الله وهى مقتضيات القوى المذكورة، وان ادراكه خذلان الله العياذ بالله، وانصرف عن مقام الانسانية وانجذب بوسوسة الشيطان الى مقام القوى المذكورة وهو اقرب مقاماته الى العالم السفلى الذى فيه جهنم وقام فى هذا المقام الذى هو اضعف مراتبه واوهنها فقد اسس دار وجوده وتعيشه على اوهن مقاماته الذى اذا انهدم سقط فى جهنم.
[9.110]
{ لا يزال بنيانهم الذي بنوا } يعنى اهل مسجد الضرار { ريبة في قلوبهم } سبب شك { إلا أن تقطع قلوبهم } فلا يبقى منها اثر حتى تتصف بالريبة { والله عليم حكيم } يعنى ان بنيانهم سبب جهلهم وبلاهتهم والله عليم حكيم فيكون بنيانهم سبب بعدهم من الله فليهدم كما روى انه (ص) امر بهدمه واحراقه.
[9.111-112]
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } بعد ما ذكر اصناف المنافقين واحوالهم ذكر اوصاف المؤمنين وما هم عليه وما لهم فى الآخرة لازدياد حسرة المنافقين. اعلم، ان النفوس البشرية خلقت متعلقة بمعنى ان التعلق جزؤ جوهر ذواتها وفصل مميز لها عن الجواهر المجردة الصرفة لا ان التعلق وصف خارج عن ذواتها عارض لها، وهذا التعلق الفطرى هو الذى يكون منشأ شوقها الذى يعبر عنه بالفارسية ب " درد " وهو يقتضى التعلق الاختيارى حين البلوغ فان ساعدها التوفيق وتعلقت اختيارا حسبما كلفها الله بالعقول المجردة ومظاهرها البشرية فازت بالحياة الابدية، وان خذلها الله وتعلقت بالشيطان ومظاهره البشرية اعاذنا الله منها، هوت الى المظاهر القهرية وهلكت، ولما كان فى بدو الامر مداركها العقلية ضعيفة ومداركها الحيوانية والشيطانية قوية بحيث لا تدرك الا ما ادركته المدارك الظاهرة والباطنة الحيوانية او ما اقتضته القوى الحيوانية والشيطانية، ولا يتيسر لها ادراك العقول والتعلق بها بلا واسطة بشرية مدركة بمداركها الحيوانية، امرهم الله تعالى شأنه بالتعلق بمظاهر العقول من الانبياء وخلفاءهم والانقياد لهم واتباعهم، ولتطابق العوالم وتوافق المراتب ولزوم سريان حكم كل عالم ومرتبته الى سائر العوالم والمراتب، امرهم الله تعالى بالبيعة التى هى مشتملة على التعلق الجسمانى بعقد يدى المتعلق والمتعلق به وتعلق سمع كل بلسان الآخر وصوته ليكون التعلق النفسانى موافقا للجسمانى وساريا الى المرتبة البشرية، وتلك البيعة كانت سنة قائمة من لدن آدم (ع) الى زمان ظهور دولة الخاتم (ص)، بحيث كان اهل كل دين لا يعدون من اهل ذلك الدين احدا الا بالبيعة مع صاحب ذلك الدين او مع من نصبه لاخذ البيعة من الناس ولتلك كانت شرائط وآداب مقررة مكتومة عندهم، ولشرافة تلك البيعة والضنة بابتذالها عند من ليس لها باهل كانت تختفى فى كل دين بعد قوته ورحلة صاحبه واختيار العامة له بأغراضهم الفاسدة على سبيل الرسم والملة، وقوله
وبئر معطلة
[الحج: 45] اشارة الى التحقق بالدين بالدخول فيه بما به تحققه من البيعة،
وقصر مشيد
[الحج: 45] اشارة الى صورة الدين المأخوذة على طريق الرسم والملة من دون التحقق به اذا تقرر ذلك، فاعلم، ان تلك البيعة لما لم تكن الا مع المظاهر البشرية لعدم امكان الوصول الى الله والى العقول من غير توسط تلك المظاهر وقد تحقق ان المظاهر يعنى الانبياء وخلفاءهم (ع) لفنائهم فى الله خصوصا وقت اخذ البيعة واشتراء الانفس والاموال، وجودهم وجود الله لا وجود انفسهم لعدم نفسية لهم حينئذ وفعلهم فعل الله لا فعل انفسهم، وكان القاصرون لا يرون البيعة الا مع الوسائط من غير نظر الى الظاهر فيها، قال الله تعالى بطريق حصر القلب والتعيين او الافراد ان الله اشترى لا الوسائط البشرية كما اعتقدوا لقصورهم وقد صرح بالحصر فى قوله انما يبايعون الله يعنى ان المشترى هو الله لا انت، وهكذا قوله
يد الله فوق أيديهم
صفحه نامشخص