تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ يعتذرون إليكم } يبالغون فى ايتاء العذر اليكم وابدائه لكم من غير حصول عذر لهم بقرينة الرد عليهم وان كان الاعتذار اعم من ابداء العذر من غير عذر او مع عذر وهو اخبار بما سيقع { إذا رجعتم إليهم } من غزوتكم هذه وهى غزوة تبوك { قل } فى جوابهم بعد رجوعك واعتذارهم { لا تعتذروا } لا تبدوا العذر من غير حقيقة { لن نؤمن لكم } اى لن نصدقكم { قد نبأنا الله من أخباركم } ومنه اعتذاركم هذا بالكواذب ولما كان اعتذارهم للتدليس على النبى (ص) واصحابه جميعا ضم اصحابه الى نفسه واتى بلفظ المتكلم مع الغير { وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } وضع الظاهر موضع المضمر للتهديد وانه لا يخفى عليه شيء من اعمالكم تأكيدا لما قبله { فينبئكم بما كنتم تعملون سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } اخبار عنهم قبل وقوعه ايضا { لتعرضوا عنهم } ولا تخاطبوهم بما وقع منهم ولا تعاتبوهم بل تكونوا توافقونهم وترافقوهم كسائر المؤمنين { فأعرضوا عنهم } لا عن خطابهم وعتابهم فقط بل عن معاشرتهم وموافقتهم { إنهم رجس } بحسب اصل ذواتهم فلا يقبلون الطهارة حتى يؤذن لكم فى عتباهم او فى مرافقتهم باحتمال اصلاحهم { ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم } بدل من الاول نحو بدل الاشتمال، او تأكيد نحو التأكيد المعنوى حيث ان الغرض من الاعراض الاعراض عن المعاتبة والملامة المقارن للرضا غالبا، ولذا عقب الامر بالاعراض بقوله انهم رجس للاشارة الى ان الامر ليس لما قصدوه من الرضا وترك السخط، بل لعدم شأنيتهم للمعاتبة والملامة { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } نهى عن الرضا بألطف وجه وابلغه كأنه قال: فان ترضوا كان رضاكم مخالفا لرضا الله والايمان يقتضى ان يكون رضاكم تبعا لرضا الله فلا ترضوا عنهم لان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ووضع الظاهر موضع المضمر اشارة الى ذم آخر واشعارا بعلة الحكم.
[9.97]
{ الأعراب } الاعراب فى اهل البدو كالعرب بالضم والتحريك فى اهل البلاد كما سبق لكنهما قد يعتبران فى العالم الصغير فيطلق الاعراب على الواقف فى تيه النفس الامارة والعرب على الساكن فى عمران النفس المطمئنة ومدينة القلب، ولذا سموا فى الاخبار اعداء اهل البيت اعرابيين وان كانوا قرشيين او مكيين او مدنيين؛ وسموا شيعتهم عربيين وان كانوا من اهل البدو واقصى بلاد الهند { أشد كفرا ونفاقا } لقسوة قلوبهم وغلظة نفوسهم وعدم سماعهم لما يقربهم الى الحق ويرغبهم فى الآخرة وعدم تفطنهم بما خلقوا له { وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله } لعدم سماعهم لها وعدم تفطنهم لمقصود المسموع وعدم اقتضاء حالهم لحفظ ما يتفطنون به، والمراد بالحدود اما الاحكام من العبادات والمعاملات او الغايات المقصودة من احكامه وآدابه وقصصه ومواعظه { والله عليم حكيم } عطف على جملة الاعراب اشد كفرا ونفاقا والجامع بين المتعاطفين هو تقابل مسنديهما فان المراد بالحكمة هنا هو الحكمة العملية التى هى الاتقان فى العمل والمداقة فيه المستلزمة للمداقة فى العلم ويعبر عنها بالفارسية به " خورده كارى، وخورده بينى " والكفر والنفاق ناش عن عدم المداقة فى العلم والعمل فبين ملزوم الكفر والحكمة تقابل السلب والايجاب وهو الجامع، وبين العلم وعدمه ايضا كذلك، والمعنى ان الاعراب فى طرف والله ومظاهره فى طرف آخر، فبينهما مباينة تامة فلا يتفضل الله عليهم ولا يتوجهون اليه والمراد بالاعراب ظاهرا ما عرفت وتأويلا منافقوا الامة فقوله والله عليم حكيم ذم آخر لهم حيث يشير الى بعدهم عن الله وكان الموافق تأخير الكفر والنفاق او تقديم الحكمة ليكون المتعاطفان على ترتيب واحد، لكن لما كان الكفر والنفاق سببا للجهل الخاص المأخوذ فى المعطوف عليه وان كانا مسببين عن الجهل المطلق، والحكمة بهذا المعنى مسببة عن العلم المطلق المأخوذ فى المعطوف ، عكس الترتيب مراعاة للترتيب بين مسندى كل.
[9.98]
{ ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق } فى الجهاد وعلى فقراء المسلمين من الحقوق المفروضة او الغير المفروضة { مغرما } خسرانا بلا عوض لعدم اعتقاده بالله وبالآخرة وبالاجر والعوض من الله { ويتربص بكم الدوائر } الحوادث المقلبة عليكم الامور، سميت دوائر لدورانها على البشر لكن استعمالها فيما فيه شر { عليهم دآئرة السوء } اخبار عن حالهم التى هم عليها فى الآخرة لكن اداه بصورة الواقع لتحقق وقوعه، او عن حالهم التى هم عليها فى الدنيا اشارة الى غرور الشيطان ودواعى النفس التى كلها مهلكات، او دعاء عليهم ولما لم ينفك دعاء الله عن تحقق المدعو به فهو مستلزم للاخبار والاضافة الى السوء هنا دون الاول ولحرمة المؤمنين واهانة المنافقين { والله سميع عليم } والجامع ههنا هو لازم المعطوف عليه ومتعلق المعطوف المقدر كأنه قال: ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما فيقول قد وقعت فى محذور مع محمد (ص) ويتربص بكم الدوائر فيضمر هلاككم وخلاصه والله سميع لقوله عليم بنيته وهو تهديد للاعراب وتسلية للمؤمنين.
[9.99]
{ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } لما كان قوله الاعراب اشد كفرا مقدمة للتفصيل الذى بعده حكم فيه على الجنس للاشعار بانه سجيتهم ولازمهم، ليكون مذمومهم اشد ذما وممدوحهم ابلغ مدحا، وكرر لفظ الاعراب ليكون تصويرا لهم بما وصفوا به من السجية الخبيثة ليكون فى الذم والمدح أبلغ { وصلوات الرسول } سبب دعواته لانه (ص) كان يدعو للمصدق بحسب الامر الآلهى بقوله: اللهم صل عليه { ألا إنها قربة لهم } لما صار المقام مظنة السؤال عن انها قربة ام لا؟ وهل يكون سببا لصلوات الرسول (ص)؟ وهل يجاب الرسول (ص) فى حقهم ام لا؟ اتى بالجملة المذكورة مقطوعة عن سابقها مؤكدة مصدرة باداة الاستفتاح { سيدخلهم الله في رحمته } تصديق بسبية انفاقهم لدعاء الرسول (ص) واجابة الله له (ص) فى حقهم، والسين اما للتأكيد او للتسويف { إن الله غفور رحيم } تعليل لتأكيد الوعد وتحقيقه.
[9.100-101]
{ والسابقون الأولون } عطف على من يؤمن بالله اى ومن الاعراب السابقون فضلا عن كون من يؤمن بالله منهم وعلى هذا فينبغى ان يراد بالاعراب الواقف فى بيداء النفس لا اهل البد وفقط، حتى يصح كون السابقين بلام الاستغراق منهم ويكون الآية حنيئذ اشارة الى ان من كان فى تيه النفس لا ينبغى ان ينظر اليه نظر الحقارة،
كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم
صفحه نامشخص