تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ فأعقبهم } البخل والتولى { نفاقا في قلوبهم } لا فى السنتهم وصدورهم فقط، او المراد بالقلوب نفوسهم { إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } اعلم، ان الصدق والكذب كالحق والباطل كما يجريان فى الاقوال اللسانية والعلوم النفسانية يجريان فى الافعال والاخلاق والاحوال، فكما ان القول اخبار عن الواقع وصدقه باعتبار مطابقة نسبته للواقع وكذبه بعدم مطابقتها له كذلك فعل الانسان الجارى على جوارحه باعتبار نسبته الى صورته ينبئ عن انه صادر عن انسانيته وغايته استكمال انسانيته، فكلما كان هذا الاخبار مطابقا للواقع بمعنى كون الفعل صادرا عن الانسانية وراجعا الى استكمال الانسانية فالفعل صدق والفاعل صادق، وكلما لم يكن هذا الاخبار مطابقا للواقع بمعنى ان الفعل الجارى على صورة الانسان لم يكن صادرا عن الانسانية، بل عن البهيمية او السبعية او الشيطانية كان الفعل كذبا وفاعله كاذبا وهكذا الحال فى الاخلاق والاحوال، ويجرى ايضا هذا الاعتبار فى الاقوال والعلوم فانها ان كانت صادرة عن الانسانية وراجعة الى استكمالها فهى صادقة بهذا الاعتبار، وان لم يكن كذلك فهى كاذبة وان كانت صادقة باعتبارها فى انفسها، والمعتبر عند اهل الله فى الصدق والكذب فى الاقوال والعلوم هو اعتبار المبدء والمرجع دون الواقع فقط، ولذا ورد عنهم (ع): من فسر القرآن برأيه يعنى بحيثية شيطانيته لا بحيثية انسانية واصاب الحق فقد أخطأ، وورد نفى العلم عمن لم يكن عمله متوجها الى حيثية انسانيته وآخرته من غير اعتبار مطابقته وعدم مطابقته كما قال تعالى:
ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون
[البقرة:102]، فقد نفى العلم عنهم مع اثباته لهم مطابقا لما فى نفس الامر حيث كان الواقع كما علموا، لكن لما لم يكن علمهم متوجها الى جهة استكمال الانسانية نفاه عنهم واثبت الجهل لهم بنفى العلم عنهم، اذا تقرر هذا فاعلم، ان الانسان له مراتب ولكل مرتبة منها درجات فهو ما دام فى مرتبة نفسه فاذا كان فى درجة النفس الامارة فكل ما يصدر عنه فهو كذب، واذا ترقى من هذه الدرجة ووقع فى درجة النفس اللوامة فقد يكون ما يصدر عنه صادقا وقد يكون كاذبا، واذا ترقى الى درجة النفس المطمئنة ولا يكون هذا الترقى الا اذا تمكن فى مرتبة القلب فكل ما يصدر عنه يكون صادقا، فالمنافق الواقع فى درجة النفس الامارة لا يكون منه الا الكذب ويصير الكذب سجية له ولذلك اتى بالماضى فى قوله بما اخلفوا الله وبالمضارع الدال على الاستمرار التجددى فى الكذب مع تخلل كان الدال على ان مدخوله صار سجية.
[9.78]
{ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم } خفايا امورهم من خطراتهم وخيالاتهم واخلاقهم واحوالهم { ونجواهم } ما يظهر على الستنهم بحيث يخفى على غيرهم، او المراد بالسر الاخلاق والاحوال الموجودة ومكمونات النفس التى لم توجد بالفعل بعد وبالنجوى ما ظهر على اللسان بطريق الخفية وما ظهر على النفوس من الخطرات والخيالات شيطانية كانت او رحمانية، والاستفهام للتوبيخ والتقريع { وأن الله علام الغيوب } من ذكر العام بعد الخاص تحقيقا للخاص وتأكيدا له.
[9.79]
{ الذين يلمزون } يعيبون { المطوعين } المعطين للصدقات المستحبة او المعطين للصدقات مطلقا المبالغين المعتنين بها { من المؤمنين في الصدقات } متعلق بيلمزون او بالمطوعين او بهما على سبيل التنازع وهو اما خبر مبتدء محذوف، او مبتدء خبر محذوف، او مبتدء خبره فيسخرون او سخر الله منهم او قوله استغفر لهم او قوله ان تستغفر لهم (الآية) او بدل من قوله من عاهد الله وقوله تعالى لم يعلموا (الى آخر الآية) معترضة { والذين لا يجدون إلا جهدهم } الا قدر تعبهم فى التحصيل والطلب فيتصدقون بما يتعبون انفسهم فى تحصيله، وقد ذكر فى نزوله ان سالم بن عمير الانصارى جاء بصاع من تمر فقال: يا رسول الله (ص) كنت اجرت نفسى ليلتى بصاعين من تمر فجئت بصاع اليك وتركت صاعا لعيالى، وذكر فى نزوله ايضا ان عليا آجر نفسه فأتى باجرته الى النبى (ص) فلمزه المنافقون { فيسخرون منهم سخر الله منهم } استعمال السخرية فى الحق تعالى من باب المشاكلة اللفظية والمشابهة المعنوية وهى اما دعائية فيكون عطف قوله { ولهم عذاب أليم } لكونه ايضا دعائيا او باعتبار الاخبار اللازم لذلك الدعاء كأنه قال لهم سخط الله ولهم عذاب اليم، او خبرية فلا اشكال فى العطف.
[9.80]
{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } الامر والنهى ههنا للتسوية غير منظور منهما حقيقة الامر والنهى، ولفظة او للتخيير على ما روى
" انه (ص) قال فى جواب من قال: اما نهاك ربك عن الاستغفار للمنافقين؟ - حين صلى على ميت عبد الله بن ابى: ان الله خيرنى "
صفحه نامشخص