370

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[9.16]

{ أم حسبتم أن تتركوا } على فراغكم ولا تؤمروا بالمقاتلة { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } اى جهاد المجاهدين فان فى الاتيان بالموصول ايماء الى اعتبار حيثية الصفة ولما كان لعلمه تعالى مراتب وبعض مراتبه مع الحادث وفى مرتبة الحادث وان كانت بالنسبة اليه تعالى قديمة واجبة بقدمه ووجوبه تعالى صح نفى العلم عنه باعتبار نفى حدوث الحادث، او الفعل مضمن معنى الظهور اى ولما يظهر علمه بالذين جاهدوا منكم، او نسبة نفى العلم اليه تعالى باعتبار مظاهره اى لما يعلم النبى الذى هو مظهر الله { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } عطف على جاهدوا والوليجة الجماعة التى يكون الشخص مراودا لهم ومستظهرا بهم وخاصتك من الرجال ومن تتخذه معتمدا عليه من غير اهلك واللصيق بالشخص الذى لا ينفك عنه، والمراد بالمؤمنين الائمة كما فى الاخبار لانهم الكاملون فى الايمان ولانهم الاصل فيه وايمان غيرهم فرع ايمانهم، ولانهم يجعلون الناس فى امان الله بالبيعة معهم ويجيز الله امانهم، ويجوز تعميم المؤمنين، وفسر الوليجة فى الاخبار بالبطانة وبمن يقام دون ولى الامر { والله خبير بما تعملون } فيعلم المجاهد، وآخذ الرسول (ص) والمؤمنين وليجة، ويعلم القاعد، والآخذ غير الله ورسوله والمؤمنين وليجة، وهو ترغيب فى المجاهدة والاعتماد على الله وتهديد عن القعود والاعتماد على غير الله.

[9.17-19]

{ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } استيناف لرد مفاخرة المشركين بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وحجابة البيت وفك العناة كما فسر فى الاخبار، وفيه ايضا ردع للمؤمنين عما يتخاطروا به من عدم جواز مقاتلة المشركين مع كونهم مباشرين لتلك الاعمال السنية والمناصب الشريفة، والمقصود انه ليس الاعتبار بمشاكلة صورة اعمال الابرار وان صدرت من الاشرار بل الاعتبار بمصدر الاعمال فتعميرهم فى الحقيقة تخريب لمسجد القلب حيث يراؤن ويفتخرون به، وسقايتهم صد متعطشى مملكتهم عن ماء الحيوة حيث يعجبون به، وحجابتهم حجابة الشيطان لبيته الذى هو بيت النفس، وفك العناة اسر لاحرار قواهم وصد لهم عن الرجوع الى مولاهم، { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } يعنى بالايمان بالله ومساجد الله هى الصدور المنشرحة بالاسلام والقلوب المستنيرة بنور الايمان وعمارتها بالاسلام والايمان؛ ولذا قال اشارة الى هذا البيان { شاهدين على أنفسهم بالكفر } حالا حيث يعملون اعمال الكفر وقالا حيث يقولون ما يلزم الكفر من عدم الاعتقاد بالبعث والحساب وبارسال الرسول وانزال الكتاب وغير ذلك مما يستلزم الكفر وعدم المعرفة بالله { أولئك حبطت أعمالهم } فلا يباهوا بصور اعمالهم ولا تنظروا ايها المؤمنون الى صورها لانها ساقطة بل هى كالاجساد الميتة التى توذى حاملها { وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة } لاغيرهم فهو تأكيد للنفى السابق بمفهومه ولما كان عمارة المساجد الصورية مع الاتصاف بالشرك تخريبا للمساجد الحقيقية التى هى القلوب واربابها وكان حكم التخريب غالبا وحكم العبارة مغلوبا كأنها لم تكن، وكان الايمان بالله واليوم الآخر الذى هو كمال القوة النظرية فى اعتقاد المبدء والمعاد وقد اندرج فيه جميع المعارف الراجعة الى المبدء والمعاد واقام الصلاة وايتاء الزكاة اللذان هما كمال القوة العملية، وهما اصلان لجميع النسك والعبادات عمارة للمسجد الحقيقى الذى هو القلب وصاحبه وصار حكمها غالبا بحيث تنسب الى المساجد الصورية وان لم تكن فيها عمارة قال بطريق الحصر: انما يعمر مساجد الله آتيا بالجمع المضاف المفيد للعموم وبمن الموصولة المفيدة للعموم، مع ان اكثر المؤمنين لم يعمروا مسجدا قط ولو صحح بتضمين يعمر معنى يصح فالتأدية بهذه الصورة للاشارة الى هذا المعنى { ولم يخش إلا الله } تعريض بالضعفاء من المؤمنين { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن } اى كمعمل من آمن او هو بتقدير مضاف فى جانب المسند اليه وهو خطاب للمشركين او للمؤمنين او للجميع { بالله واليوم الآخر } وهو كمال العلم { وجاهد في سبيل الله } وهو اجمال الصلاة والزكاة اللتين هما كمال العمل، والتكرار باعتبار مطلوبيته فى مقام الذم والمدح { لا يستوون عند الله } بحسب العلم والعمل اى الحال التى هم عليه { والله لا يهدي القوم الظالمين } فلا يستوون بحسب الغاية ايضا لان الله يهدى المؤمين، ووضع الظاهر موضع المضمر اشعارا بذم لهم وبعلة عدم هدايتهم.

[9.20]

{ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله } تكرار الاوصاف باعتبار اقتضاء مقام المدح { وأولئك } الموصوفون بتلك الاوصاف العظيمة { هم الفائزون } لا غيرهم.

[9.21-22]

{ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } تفصيل لفوزهم، والرحمة هنا محمد (ص) ونبوته لانها صورة الولاية التى هى الرحمة، والرضوان على (ع) وولايته، والتنكير للتفخيم { وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم } كأنه استكثر ما ذكر فقال تعالى: هذا فى جنب ما عند الله لهم قليل فهو استيناف جواب لسؤال مقدر.

[9.23]

{ يأيها الذين آمنوا } بالايمان العام { لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على الإيمان } فان نسبة الايمان قطعت النسبة الجسمانية فهى مقدمة على نسبة القرابة الجسمانية، ونقل عن الباقر (ع) ان الكفر فى الباطن فى هذه الآية ولاية مخالفى على (ع) والايمان ولاية على بن ابى طالب (ع)؛ وعلى هذا فليعم الايمان الايمان الخاص، ومعلوم ان احكام الايمان العام جارية فى الايمان الخاص بل هو اولى بها من الايمان العام { ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } حيث وضع ولايته فى غير موضعها وظلم نفسه بالصرف عن جهة الايمان الى جهة الكفر.

صفحه نامشخص