تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
{ سيقول الذين أشركوا } لرفع القبح عن اشراكهم بل لتحسينه بعد ان عجزوا عن الحجة { لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } كما هو ديدن النفس والمرأة الفاحشة فانهما لا ترضيان بنسبة السوء الى انفسهما بل تحسنان القبيح بما امكن، فاذا عجزتا عن ذلك تنسبانه بالتسبيب الى غيرهما من الشيطان والقرين ومشية الله وهو كذب محض، فان الشيطان والقرين ليس لهما الا الاعداد، والمشية وان كانت فاعلة او سببا للفعل لكن الفاعل ما دام يرى نفسه فى البين ليس له نسبة الفعل الى المشية او تعليقه عليها ولو نسب لا ينبغى الغفلة عن استعداد القابل وبهذا يرتفع التناقض المترائى بين تكذيبهم فى قولهم هذا وبين تعليق ذلك على المشية فى قوله ولو شاء الله لهديكم { كذلك كذب الذين من قبلهم } اى مثل تكذيبهم اياك بتعليق الاشراك والتحريم على المشية دون نسبته الى انفسهم كذب الذين من قبلهم انبياءهم (ع) { حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ } يعنى ليس عندكم برهان على دعويكم يمكنكم الاحتجاج به على الغير، واطلاق العلم على البرهان من قبيل اطلاق المسبب على السبب، او لان البرهان هو العلم الذى يحصل به علم اخر ولما كان البرهان هو الذى يمكن اعلام الغير به قال فتخرجوه لنا فنفى بهذا عنهم البرهان وبقوله ان تتبعون (الى آخره) نفى علمهم مطلقا، يعنى لا برهان لكم ولا شهود ولا سماع عن صادق او وحى وبقوله قل هلم شهداء كم نفى صحة تقليدهم لان التحدى بمثل هذا يدل على عدم شاهد لهم يصح الاعتماد عليه { إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } يعنى لا علم لكم فى انفسكم بمدعاكم كما لا برهان لكم لاعلام غيركم، ذمهم اولا على اتباع الظن فى اعمالهم، وثانيا على ان شأنهم الخرص والتخمين لا العلم واليقين، والعاقل لا يقف على الظن والتخمين بل يتعمل فى تحصيل العلم واليقين وما لم يحصل اليقين يقف عن العمل الا اذا اضطر فيحتاط لا انه يتبع الظن فيعمل ويفتى بظنه من غير اذن واجازة ولا يحصل اليقين الا بالبيان والبرهان، او بادراك مدارك الحيوان، او بالوحى والعيان، او بتلقيد صاحب الوحى وخليفة الرحمن، فمن ظن ان الظن مطلقا والاستحسان طريق حكم الله او المخطئ له اجر والمصيب له اجران فقد أخطأ طريق الجنان وسلك طريق النيران فمن فسر القرآن برأيه واحكام الله نزول القرآن فليتبوء مقعده من النيران، واما الخاصة فظنونهم قائمة مقام العلم بل نقول ظنونهم اشرف واعلى من العلم فقد حققنا سابقا ان اجازة المجيز اذا كانت الاجازة الصحيحة بلغت الى المجاز تجعل ظن المجاز اشرف من علم غيره لان العلم بدون الاجازة لا اثر فى قول قائله والظن مع الاجازة يؤثر وليس الاجازة الآهلية بأقل من الاجازة الشيطانية، والحال ان المرتاضين بالاعمال الشيطانية ان تعلموا تعلما صحيحا مع تصحيح الالفاظ جميع المناطر لم يؤثر شيء منها ما لم يجزه صاحب الاجازة، واذا اجازه صاحب الاجازة يؤثر قوله ولو كان مغلوطا، فالاجازة تجعل المغلوط اشرف من الصحيح وهكذا الحال فى الاجازة الآلهية ولما نفى البرهان عنهم فى تعليق الاشراك والتحريم على مشية الله المفهوم من مفهوم الشرط، فان المراد بقرينة المقام من هذا الشرط الدلالة على تعلق الاشراك بمشية الله وان كان بحسب اللغة أعم، ونسب تكذيب النبى (ص) اليهم بذلك التعليق مشعرا بذمهم فيه واوهم ذلك نفى تعليق الافعال على المشية امر نبيه (ص) بان يقول لهم: ان البرهان منحصر فى الله وفيمن اخذ عن الله تمهيدا لتعليق الافعال على مشية الله رفعا لتوهم عدم سببية المشية الناشى عما سبق فقال تعالى { قل فلله الحجة البالغة }.
[6.149]
{ قل فلله الحجة البالغة } فى كل ما قال وما فعل { فلو شآء لهداكم أجمعين } فله الحجة فى صدق هذا القول وقد اظهرها لى يعنى لى الحجة فى تعليق اشراككم وتحريمكم على مشية المفهوم من مفهوم قولكم لو شاء الله ما اشركنا لا لكم وله الحجة فى ترك تلك المشية ومشية ضده، اعلم، ان مشية الله وهى اضافته الاشراقية التى بها وجود كل ذى وجود كالرحمة والارادة عامة وهى التى بها وجود كل ذى وجود امكانى بكمالاته الاولوية والثانوية فى سلسلة النزول والصعود مثل الرحمة الرحمنية وخاصة، وهى التى بها وجود الكمالات الثانوية للمكلفين فى سلسة الصعود مثل الرحمة الرحيمية وتسمى بالرضا والمحبة
ولا يرضى لعباده الكفر
[الزمر:7]
يحبهم ويحبونه
[المائدة:54] اشارة اليها فالمشية العامة لها السببية لكل ذات وفعل وصفة لكن الفاعل ما لم يخرج عن حد نفسه ولم ينظر الى مشية الله بنور بصيرته ويرى نفسه فاعل فعله كما يشعر به قولهم ما اشركنا بنسبة الاشراك الى انفسهم ما صح له نسبة الفعل او تعليقه على المشية وكان مذموما كاذبا فى نسبة فعله الى المشية، وبهذا ايضا يصح ذمهم فى قولهم لو شاء الله ما اشركنا بتعليق عدم الاشراك اى الاهتداء على المشية مع اثبات هذا التعليق بقوله
ولو شآء لهداكم أجمعين
[النحل:9] وكذلك المشية الخاصة لها السببية فى الافعال التكليفية الصالحة، فلو ارادوا تلك المشية فالجمع بين ذمهم على قولهم واثبات قولهم بمثل ما ذكر فى المشية العامة ولما ابطل قولهم ذلك بعدم البرهان وعدم علمهم فى انفسهم اراد ان يبطل علمهم التقليدى ايضا باستحضار الرؤساء الذين قلدوهم والزمهم جهلهم وضلالتهم حتى يتبين لهم ان تقليدهم فاسد، وان التقليد يصح اذا كان تقليدا لمن نصبه الله للتقليد كالانبياء واوصيائهم وغيرهم كائنا من كان لا ينفك عن الهوى وتقليده اتباع للهوى فقال { قل }.
[6.150]
صفحه نامشخص