[الشورى: 23]. ولماذا قربى رسول الله؟ لأنهم ليس لهم حق في الزكاة حتى يبرأ المبلغ عن الله من أي نفع يعود عليه، أو يعود على آله، لذلك منع الله عنهم أي حق في الزكاة. وكأن الله يريد أن يقول لنا: لا يصح أن تجعلوا الناس الذين رفعهم الله وكرمهم عن أخذ الزكاة التي يأخذها أي فقير منكم ممنوعين من أخذ كل شيء، فلابد أن تتخذوهم أقارب لكم بحيث لا تجعلونهم محتاجين. وعلى فرض أن الآية تريد قربانا نقول:
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
[الأحزاب: 6]، فقرباه وآله أولى من قربانا وأهلنا. وبعد ذلك جاء الله بقوله: { واليتامى } ، ونعرف أن اليتيم هو من فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال. واليتيم في الإنسان غير اليتيم في الحيوان فاليتيم في الحيوان هو من فقد أمه، ولكن اليتيم في الإنسان هو من فقد أباه. واليتيم لا يكون له وصي إلا إذا كان عنده شيء من مال، عندئذ يكون هناك وصي لإدارة أمور اليتيم. ولذلك جاء الحق بالأمر بإعطاء المال على حبه لليتامى، ولم يقل: " لذوي اليتامى ". فربما كان هناك يتيم ضاع لا يتقدم أحد للوصاية عليه، وليس عنده ما يستحق الوصاية لذلك فعلينا أن نؤتي اليتيم من مال الله حتى ندخل في صفات البر، أو نعطي للوصي على اليتيم لينفق عليه إن كان له وصي. وكذلك نؤتي المال للمساكين، والمسكين مأخوذة من السكون، وهو الإنسان الذي لا قدرة له على الحركة، كأن استخذاءه وذله في الحياة منعاه من الحركة. واختلف الفقهاء حول من هو الفقير، ومن هو المسكين، قال بعضهم: إن الفقير هو من لا يملك شيئا، والمسكين يملك ما لا يكفيه، أي يملك شيئا دون ما يحتاجه، وقال البعض الآخر: إن الفقير هو الذي يملك ما هو دون حاجته، والمسكين من لا يملك. وعلى كل حال فقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يجعل للفقير نصيبا من البر. وللمسكين أيضا نصيبا كالآخر، والخلاف بين العلماء لا يؤدي إلى منع أحدهما من المال، لأن كلا منهما - المسكين والفقير - يستحق من مال الله. وعلى ذلك فالخلاف لا طائل من ورائه. وكذلك نؤتي المال لابن السبيل، والسبيل هو الطريق، وابن السبيل هو ابن الطريق، وعادة ما ينسب الإنسان إلى مكانه أو إلى بلده، فإذا قيل ابن السبيل، فذلك يعني أنه ليس له مكان يأوي إليه إلا الطريق، فهو رجل منقطع، وقد يكون ابن سبيل ذا مال في مكانه، إلا أن الطريق قطعه عن ماله وباعد بينه وبين ما يملك أو يكون ذا مال وسرق منه ماله، فهو منقطع. ولماذا جعل الله نصيبا من البر لابن السبيل؟. لقد جعل الله نصيبا من المال لابن السبيل حتى يفهم المؤمن أن تكافله الإيماني متعد إلى بيئة وجوده، فحين يوجد في مكان وينتقل إلى مكان آخر يكون في بيئة إيمانية متكافلة. ونؤتي المال أيضا للسائلين أي الذين يضعون أنفسهم موضع السؤال، أعط من يسألك ولو كان على فرس لأنك لا تعرف لماذا يسأل، إن بعضا من الناس يبررون الشح فيقولون: إن كثيرا من السائلين هم قوم محترفون للسؤال، ونقول لهم: ما دام قد سأل انتهت المسألة، وعمدتنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
" أعطوا السائل وإن جاء على ظهر فرس ".
وما دام قد عرض نفسه للسؤال فأعطه ولا تتردد. قد تظن أنه يحمل حقيبة ممتلئة بالخبز، أو يخفي المال بعيدا. وأقول: قد يكون عنده خبز لكنه لا يكفي أولاده، وقد يخفي المال الذي لا يكفيه، ولن تخسر شيئا من إعطائه، فلأن تخطئ في العطاء، خير من أن تصيب في المنع. ونؤتي المال أيضا لمن هم " في الرقاب " وكلمة " رقبة " تطلق في الأصل اللغوي على أصل العنق، وليس على العنق نفسه. وتطلق كلمة الرقبة على الذات كلها، أي الإنسان في حد ذاته، لماذا؟ لأن حياة الإنسان يمكن أن تملكها من الرقبة، فتستطيع أن تمسك إنسانا من رقبته وتتحكم فيه وتضغط عليه ضغطا تمنع تنفسه إلى أن يموت، لذلك تطلق الرقبة ويراد بها الشخص ذاته، وفي ذلك يقول القرآن:
ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة
[البلد: 12-13]. أي فك الأسير، إذن " في الرقاب " تعني فك أسر العبد، ويمكن لصاحب البر أن يشتري العبيد ويعتقهم، أو يسهم في فك رقابهم فذلك لون من ألوان تصفية الرق، وفي تصفية الرق هناك شيء اسمه التدبير، وشيء اسمه المكاتبة. هب أن عبدا يخدمك وبعد ذلك ترى أنه أخلص في خدمتك، فثمنا لإخلاصه في خدمتك مدة طويلة قررت أن تدبره بعد موتك، أي تعطيه حريته فيصبح حرا بعد موتك، فكأنك علقت عبوديته على مدى حياتك، وبعد انتهاء حياتك يصبح مدبرا أي حرا، ولا يدخل في تركتك، ولا يورث. وقد تكاتبه على مال فتقول له: يا عبد أنا أكاتبك على مائة جنيه، وأطلق حركتك لتتصرف أنت وتضرب في الحياة وتكسب وتأتي لي بالمائة جنيه، ثم أطلق سراحك، وفي هذه الحالة فإن على أهل البر أن يعاونوا هذا المكاتب ليؤدي مال الكتابة حتى يفك رقبته من الأسر. ومن البر أيضا إقامة الصلاة، كأن المعنى: " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة " ، ونعرف أن معنى إقامة الصلاة هي أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المطلوب شرعا. ومن البر أن نؤتي الزكاة، فكأن كل ما سبق { وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب } [البقرة: 177] لا علاقة لها بالزكاة، إن كل ذلك هو بر آخر غير المطلوب للزكاة، لأن الزكاة لو كانت تدخل فيما سبق لما كان الله كررها في الآية. هذه أوجه البر التي ذكرتها الآية من إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكل ذلك لمن أراد أن يدخل في مقام الإحسان، فمقام الإحسان كما نعرف هو أن تلزم نفسك بشيء لم يفرضه الله عليك، إنما تحس أنت بفرح الله بك ورضاه عنك فيقبله الله منك.
ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في المال حق غير الزكاة؟ ذكر هذه الآية: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]. إذن، فتلك أوجه البر المطلوبة، والزكاة أيضا مطلوبة. ففي مصرف الزكاة لا يوجد ذوو القربى ولا اليتامى. صحيح أن في مصارف الزكاة إعطاء المسكين وابن السبيل، لكن في البر هناك أشياء غير موجودة في الزكاة، فكأنك إن أردت أن تفتح لنفسك باب البر مع الله، فوسع دائرة الإنفاق، وستجد أن البر قد أخذ حيزا كبيرا من الإنفاق لأن المنفق مستخلف عن الله. فالله هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام هو المستدعي إلى الوجود فهو سبحانه مكلف بإطعامه، وأنت إذا أنفقت على المحتاج الذي استدعاه الله للوجود، فإنك تتودد إلى الله بمساعدة المحتاجين من خلقه دون أن يلزمك به الله، ولذلك يقول الله عز وجل:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة..
[البقرة: 245]. إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال، فكيف يقول: أقرضني؟. نعم، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال، إن المال الذي لك هو هبة من الله، ولكن إن احتاجه أخ مسلم، فهو لا يقول لك " أعطه من عندك أو أقرضه من عندك " ، إنما يقول لك: " أقرضني أنا، لأني أنا الذي أوجدته في الكون ورزقه مطلوب مني " ، فكأنك حين تعطيه تقرض الله، وهذا معنى قوله:
صفحه نامشخص