تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي

تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي

ژانرها
poetry
•
مناطق
سوریه
•
امپراتوری‌ها و عصرها
فاطمیان
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
مقدمة المؤلف
الحمد لله حمدًا يقضي عنا شكر آلائه، ويسنى الحظ من رحمته وجزيل عطائه، وصلى الله على محمد خاتم أنبيائه، وخيرة أصفيائه، وعلى آله الأطهار من ذريته، والأبرار من عترته، وسلم وكرم.
أما بعد فإنه حضر عندي جماعة من أهل الأدب، بين ريان منه صادر عن مورده، وطالب موف على مقصوده، ومجتهد سمت همته إلى جمع فنونه، وافتراع أبكاره وعونه. جعلوا مبدأ مذكراتهم، ومنشأ مشاجرتهم معاني شعر أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، وقصروا همهم على كشف ما التبس من معانيه، والحث عن غوامضه وخوافيه فكأنه عناهم بقوله:
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهرُ الخلق جراها ويختصمُ
وسألني منهم أوجب حقه، وأوثر موافقته، جمع ما انتهى إلى علمه من أقوال مفسري ديوان المذكور، على سبيل الإيجاز والاختصار، والاقتصاد، فانتهت إلى مراده، وسارعت إلى جمع مقترحه وإيراده، وتتبعت جميع قصائده تتبع الناشد مظان نشائده، أقتضب منها الألفاظ الشريفة والمعاني اللطيفة مظهرًا خبياتها، جاليًا لها في أحسن هيآتها، وأفردت لها مختصرًا لطيفا مجمله، كافيا لمن يتأمله. لم أتسمح في إغفال نكتة لغوية ولا إهمال مشكلة نحوية. إن كان شيخنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سلمان ﵀ ورضي عنه، قد أورد في كتابه المعروف: ب) اللامع العزيزي (مالا فائدة فيما عداه، ولا حاجة معه إلى ما سواه، إلا أنه رحمة الله قلد ظرف الكلام فضل عنانه، وأرسل سابقا يفتن في ميدانه، فلم يدع فضلة علم إلا رفع منارها، ولا دفينة معنى إلى كشفها وآثارها. فطال الكتاب بما استودع من صنوف الآداب.
وأما الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني، ﵀، فإنه بسط عبارة كتابه، وجعل النحو معظم ما أتى به، حتى صار طالب البيت الواحد يفني عدة صفحات في اختلاف مذاهب النجاة، قبل إدراك طلبه، وبلوغ أربه ز ولم يخلص تصنيف الأستاذ أبي علي ابن فروجة ﵀ فيما نقمه على الشيخ أبي الفتح ابن جني من ألفاظ غير مفيدة، ومقاصد في الرد عليه ليست بالرشيدة.
فاستخرجت في ذلك كله ما لابد منه، ولا غنى للناضر عنه تقريبا على الطالب المستفيد، وتذكرة للراغب المستزيد معولا في تيسير ما قصدته، وتجنب الزلل فيما أوردته، على معونة الله وحسن توقيفه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
حرف الهمزة
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي من أهل الكوفة ومولده منها بكندة سنة ثلاث وثلاثمائة، وتوفي سنة أربع وخمسين:
عذْلُ العواذلِ حولَ قلبِ التَّائِهِ ... وهوى الأحِبَّةَ مِنْهُ في سَوْدائِهِ
قال الشيخ أبو العلاء: عَذْل وعَذَل، والتحريك في هذا الموضع أحسن، لأنه أقوى في السمع والغريزة، ويقال: عذلت فلانا فاعتدل، أي: لام نفسه.) معتذلات سهيل (: أيام شديدات الحر تجيء قبل طلوعه أو بعده، وبعض الناس يرويها) معتدلات (بالدال، أي: أنهن قد استوين في شدة الحر، وأما بالكف عنه.
وقوله:) التائه (جاء بالهاء الأصلية مع تاء الإضمار في القوافي، وربما فعلت الشعراء ذلك وهو قليل ومنه قول الأنصاري:
أبلغ أبا عمرو أحي ... حة والخطوب لها تشابه
أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه
وسوداء القلب وسويداؤه، وأسوده، وسواده واحد، وهي علقة من دم أسود تكون فيه.
يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه
قال الشيخ أبو العلاء ﵀: المعنى أن اللام يشكو إلى اللوائم اللاتي يلمن هذا المحب، لأنه إذا وقع في سمعه، صار إلى قلبه، فوجد حرارة شيديدة، وهو من دعوى الشعر المستحيلة.
الشمس من حساده والنصر من ... قرنائه والسيف من أسمائهِ
قال الشيخ أبو العلاء: السيف من أسمائه يعني اللفظة دون جوهر السيف لأن الحديد جوهر ولا يكون أحد الجنسين في الآخر.
ومن أبيات لها:
القلب أعلم يا عذول بدائهِ ... وأحق منك بجفنه وبمائهِ
قال أبو الفتح ابن جني: أي هو يصرف الدمع حيث يريد لأنه مالكه والهاء في مائه تعود على الجفن ويجوز أن تعود على القلب وفيه بُعد.
ما الخل إلا من أود بقلبهِ ... وأرى بطرف لا يرى بسوائهِ

1 / 1

قال ابن جني: معنى البيت ليس خليل إلا نفسك فلا تلتف إلى قول أحد: إني خليل لك. ويجوز أن يكون المعنى، ما الخل إلا من فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود وإذا رأيت فكأني بطرفة أرى. إنما يستحق أن يسمى خلا من كان منك بهذه المثابة
إن المعين على الصبابة بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائهِ
قال ابن جني: كأنه قال: إن المعين على الصب بالأسى وهو الحزن أولى بأن يرحمه ويكون أخاه إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه. ويجوز أن يكون قوله:) على الصبابة (. أي: مع ما أنا فيه من الصبابة يكون المعنى في هذا أي: لا معونة إلا إيراده علي الأسى والحزن. فيجري مجرى قولك: عتابك السيف. وحديثك الصمم أي لا عتاب عندك إلا السيف.
وقال الشيخ أبو العلاء: يقول الذي يعين على الصبابة بالأسى أي الحزن أولى برحمة ربها: أي كان ينبغي أن لا يفعل ذلك. كأنه جعل عذله إياه زيادة في حزنه ويجوز أن يعني أنك يا عذول كان ينبغي أن تحزن بحزني كما يقال للرجل إذا منع صديقه شيًا: إن الذي يعين خليله بالمال وقضاء الحاجة هو الذي يستحق أن يسمى خليلًا ومؤاخيًا.
وقد روت) الأسى (بضم الهمزة. من أسيت الحزين أي عزته. والمعنى إن الذي يقول لك أسوة بفلان وفلان أولى بأن يكون خليلًا ناصحًا.
عجبَ الوشاةُ منَ اللحاق وقولهم ... دع ما نراك ضعفتَ عن إخفائهِ
قال ابن جني: المعنى إنه ليس حوله إلا واش أو لاحٍ. فعجب الوشاة من تكليف اللحاق له بما لا يستطيعه لأنه إذا ضعف عن إخفائه فهو عن تركه أضعف. والواشي: لذي ينمق الكذب. واللاحي: الذي يزجر ويغلظ القول
مهلا فإن العذل من أسقامه ... وترفقًا فالسمع من أعضائهِ
قال أبو العلاء: هذا مجاز واتساع، لان السمع ليس من الأعضاء، ولكنه يحمل على أنه أراد موضوع السمع من أعضاءه؛ أي الأذن.
ومن التي أولها:
أتنكر يا ابن إسحاق إخائي
أأنطق فيك هجرًا بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماءِ
قال الشيخ ﵀: الهجر: مالا ينبغي من القول. يقال: أهجر الرجل إذا جاء بالهجر قال الشماخ:
كما جدة الأعراقِ قال ابن ضرةٍ ... عليها كلامًا جار فيه وهَجَّرا
وهجر الرجل بمعنى هذى ومنه قوله تعالى:) سامرا تهجرون (أي: تهذون وقيل: من الهجر الذي هو القطيعة أي تهجرون سامرًا لا تحضرونه.
وتنكر موتهم وأنا سهيلٌ ... طلعتُ بموتِ أولادِ الزناءِ
قال الشيخ ﵀: إثبات الألف في أنا عند بعض الناس ضرورة لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الموقف. وكان محمد بن يزيد يتشدد في ذلك ولا يجيزه. وقد جاء في مواضع كثيرة من ذلك قول الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا
وقول حميد بن بحدل:
أنا زين العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تذريت السناما
والزنا تمد وتقصر. وجاء في كتاب الله ﷿ مقصورًا. وكأنه إذا مد مصدر زاني يزني قال الشاعر:
أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرًا
ومن التي أولها:
أمن ازدياد في الدجى الرقباءُ ... إذ حيث كنت من الظلام ضياءُ
قال ابن جني: أي لا يقدر أحد على زيارتك ولا تقدرين على زيارة أحد ليلًا لأن ضوء وجهك ينم عليك.
قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاءُ
قال أبو علي ابن فورجة: قلقها: يعني حركتها في مشيها. وهتكها مصدر هتك فلان الستر هتكًا وهو مصدر فعل متعدٍ. ولو أتى بمصدر لازم كان أقرب إلى الفهم. كأنه لو قال: انهتاكًا كان لعلم المخاطب به، كأنه يقول: ومسيرها في الليل هتك لها من قبل الطيب الذي استعمله بل جعلها نفسها مسكًا. وكأنه ألم بقول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيبِ
وبقول آخر:
درة كيفما أديرت أضاءت ... ومشم من حيثما شم فاحا
وأما المعنى المتداول أن الطيب يهتك من استعمله فمنه قول بشارٍ:
رب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه فما رفعا
أملي لا تأت في قمرٍ ... لحديثٍ واتقِ الدرعا
وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا
وأجود منه آخر محدث تقدم أبا الطيب:

1 / 2

ثلاثة منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليل خوف الكاشحِ الحنقِ
ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... يفوح من عرقٍ كالعنبر العبقِ
هب الجبن بفضل الكم تستره ... والحلي تنزعه ما الشأن في العرق
وقوله:) مسيرها في الليل وهي ذكاء (يشبه قوله أيضا:
رأت وجه من أهوى بليل عواذلي ... فقلن ترى شمسا وما طلع الفجر
والأصل في هذا قول القائل:
عجبت لمسراها وأني تخلصت ... إلى وباب السجن دوني مغلقُ
عجبت لمسراها وسرب سرت به ... تكاد به الأرض البسيطة تشرقُ
مثلت عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء
قال ابن جني: أي لما نظرت إليك جرحت قلبي جراحة أشبهت لسعتها عينك. وقوله: كلتاهما نجلاء، في موضع نصب على الحال، كأنه قال فتشابها نجلاوين. وإن شئت لم يكن لها موضع من الإعراب كقوله تعالى) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهمُ (ورابعهم كلبهم، جملة لا موضع لها من الإعراب.
وقال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى شاهدت كثيرا من الفضلاء يغلطون في معنى قوله: مثلت عينك في حشاي جراحةً ويظنون أن معناه خيلتها إلي، وصورتها عندي جراحة، ويقولون هذا كما يقول:) فلان غصة في صدري، وشجى في حلقي (. وإن لم يكن كذلك حقيقة. ويراد به وهو يحل محل الغصة من الصدر، والشجى في الحلق، وكذلك هذه العين، تحل محل الغصة من الصدر، والشجى، وكذلك هذه العين تحل محل الجراحة في حشاي وهذا كقوله في شعره أيضا:
ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كأن اليأس من وصلك الوعدُ
وقوله أيضا:
كانت من الحساء سؤالي إنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا
أي تخيل، وهذا خطأ فاحش، إذ كان آخر البيت هذا القول بقوله: فتشابها، إذ هي عين واحدة، وتشابها فعل اثنين ومعنى البيت مثلت أي أحدثت لعينك مثالا في حشاي، أي جرحته جراحة واسعة مثل عينك. وهذا كما يقول: مثلث أي جعلت له مثالا للحروف يكتب مثلها.
نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
قال ابن جني: معنى البيت أن عينك نفذت ثوبي إلي، فتمثلت في حشاي جراحة، فإن قيل: كيف تندق الصعدة في الثوب الرقيق قيل: معناه إنه إذا طعن بقناة اندقت القناة دون أن تعمل فيه، فكأن ثوبه درع عليه لمكان جسمه من تحته يؤكد هذا قوله:
طوال الردينات يقصفها دمي ... وبيض السريجات يقطعها لحمي
كأنه نظر إلى قول قيس بن الخطيم:
ترى قصد المران تهوى كأنها ... تذرع خرصان بأيدي الشواطب
وقريب منه قول أبي تمام:
أناس إذا ما استلحم الروع صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
إلا أن المتنبي جعل نفسه مؤثرة في السلاح ولم يجعل للسلاح فيها أثرًا يفخر بذلك. ألا ترى أن بعد هذا) أنا صخرة الوادي (ويجوز أن يكون عنى بالسابري: الدرع كقول دريد:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في السابري المسردِ
فيكون على هذا نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي فنفذت حينئذ من قوله:
وقى الأمير هوى العيون فإنه ... ما لا يزول ببأسه وسخائهِ
وكلا القولين مذهب.
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء
قال ابن فورجة: صخرة الوادي هي أتان الضحل وهي صخرة تكون في الوادي قد بل الماء أسفلها فازدادت رسوخًا في الأرض. الضحل الماء القليل يترقرق على وجه الأرض، وجمعه ضحول وأضحال وأتان الضحل أراد امرؤ القيس بقوله: حجارة غيل وارساتٌ بطحلبِ والغل الماء بين الشجر. ومثله:
عيرانة كأتان الضحل ناجية ... إذا ترقص بالقور العساقيل

1 / 3

وإنما سميت أتان لان هذه الصخرة تلامس بالطحلب فشبهت بالأتان التي املاست فأكثر لحمها. والأتان أيضا مكان على حافة البئر سمي بذلك لاملاسه، ونراكب الطحلب عليه. وإنما يعني أني إذا زوحمت لم يقدر إزالتي عن موضعي كما أن هذه الصخرة لا تزال عن موضعها يريد لا أزال عن شر في وفضلي عند المساماة والمفاخرة. أو يعني أني إذا حاربت لم انهزم. وقوله) فإذا نطقت فإنني الجوزاء (فإن المنجمين يزعمون أن الجوزاء من البروج التي تختص بالكتاب. فهو وصاحبه عطارد يدلان على المنطق والبراعة فيقول: أنا الجوزاء، أي: مني تستفاد البراعة، ومني يقتبس الفضل كما أن الجوزاء تعطي من يولد به البراعة والنطق وإلى هذا أشار بقوله:
ومني استفاد الناس كل غريبةٍ ... فجازوا بتركِ الذم إن لم يكن حمد
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
قال الشيخ ﵀: يقول ناقتي هذه تشككها الليالي، فلا تدري أصدري أفضى أم البيداء التي هي سائرة فيها وأراد ألف الاستفهام فحذفها وذلك كثير موجود، وقد حملوا على ذلك قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
كأنه قال: أكذبتك عينك وقوله) أفضى (يحمل أن يكون اسمًا وفعلا. فإذا كان اسما فهو على معنى التفضيل كأنه قال: أصدري أشد سعة أم البيداء، وإذا كان فعلا فهو من أفضى إلى الشيء يفضي كأنه قال صدري يفضي بهذه الناقة. أي يصيرها في الفضاء أم البيداء.
فتبينت تسئد مسئدًا في نيها ... إسادها في المهمهِ الإنضاء
قال ابن جني: الاساد إغذاذ السير، والني الشحم، يقال نوت الناقة تنوي نوايةً. والمهمه: الأرض الواسعة. والأنضاء مصدر أنضاه إذا هزله وأذابه والمعنى. فتبيت هذه الناقة تسرع السير في شحمها. أي يهزلها الانضاء لشدة السير. كما تسرع هي في قطع الأرض. أي كما قطعت الأرض قطعت الأرض شحمها، على احتذاء مثال هذا. هكذا حصلته عنه وقت قراءتي عليه شعره.
ونصب) مسئدًا (على الحال منها، والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليها من هذه الحال الهاء في نيها. وإسآدها منصوب على المصدر، والناصب له) مسئدًا (لا يسئد وتقديره، فتبيت هذه الناقة تسئد مسئدًا الإنضاء في نيها إسآدًا مثل إسآدها هي في المهمه. ونظير هذا: بيت هند: تصلي مصليًا عمرو في دارها صلاتها في المسجد أي تبيت تصلي على هذه الحال. فتسئد فعل الإنضاء، وجرى حالًا على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيها كما تقول:) مررت بهند واقفًا عندها عمرو (.
بَيني وَبَينَ أبي عليٍّ مِثْلُهُ ... شُمُّ الجبالِ وَمِلْئُهُنَّ رَجاءُ
قال ابن جني: نصب مثلهن لأنه كان في الأصل في وصف النكرة التي هي رجاء أراد ورجاء مثلهن. ونعت النكرة المرفوعة إذا قدم عليها نصب على الحال كما تقول فيها قائمًا رجل ومثله: لِعَزَّةَ موحِشًا طَلَلُ ومعنى البيت: بيني وبين الممدوح جبال مثله في العظم، وهو في نظائر اللفظ تعظيم للممدوح لأنه شبهه بالجبال، يريد حلمه ورزانته كقول مسلم:
كَبيرُهُم لا تَقومُ الرَّاسِياتُ لَهُ ... حِلْمًا وَطِفْلُهُمْ في هَدي مُكْتَهِلُ
أي: بيننا هذه الجبال، ورجاء مني له مثلها تعظيمًا لرجائه وتأكيدًا له. وقال الأحسائي: شم الجبال مثله في الحلم والرفعة والشدة.
ورفع مثله على الابتداء والخبر " بيني وبين أبي علي " وشم الجبال بدل من مثله، ولا يجوز نصب مثلهن ولا مثله على الحال، لأن مثله ليس صفة لشم الجبال فينصب إذا تقدم. لأن الجماعة لا توصف بالواحد، ومثلهن عطف على الجملة، والتقدير ورجاء مثلهن، فقدم حرف العطف وهو الرجاء، ونيته تقديم رجاء وتأخير مثلهن. ومثله قولهم) إن في الدار لزيدًا (وحكم اللازم أن تكون في الخبر مؤخرة، وليس للاسم فيها حظ، فلما قدم الخبر بقيت اللام في موضعها في التأخير، ووقع الاسم بعدها، والنية تقديمه، فاللازم في الحقيقة للخبر لا للاسم. وكذلك واو العطف في البيت لما كانت للرجاء وتقدمت الصفة والواو قبلها، لم يعتد بتقديمها، وأجريت في الاتباع مجراها متأخرة لوقوع الواو، مقتضية لتقديم الموصوف، لأن حرف العطف لا يكون في الصفة، إنما هو للموصوف، والصفة تابعة ولولا الواو لنصبت الصفة المتقدمة على النكرة، كقوله: لعزة موحشًا طلله.

1 / 4

وَكَذا الكريمُ إذا أقامَ بِبَلدَةٍ ... سالَ النُّضارُ بها وَقامَ الماءُ
قال ابن جني: معنى البيت أن الكريم إذا أقام ببلدة، أعطى المال وفرقه في وجوه الكرم، فكأنه ماء سائل، وقام الماء أي جمد، لما رأى من كرمه وسخائه فوقف متحيرًا، فلم يسل. ويشهد لصحة هذا التفسير قوله بعده:
جَمَدَ القِطارُ ولو رَأتْهُ كما رأى ... بُهِتَتْ فلمْ تَتَبَجَّسِ الأنواءُ
يقول: جمد القطار لما رآه، تحيرًا من كرمه، فلولا أن الأنواء رأته كما رآه القطار لبهتت فلم تتبجس بالماء، استعظامًا لما يأتيه. وهذا تفسير للذي قبله. قال الشيخ أبو العلاء أحمد ﵀: الصواب أن تكون الأنواء مرفوعة برأته، لأنه أولى الأفعال بها، إذ كانت الرؤية هي التي يؤديها إلى البهت، فكأنه قال: لو رأته الأنواء، بهتت فلم تتبجس.
وقال ابن فورجة: أراد بالكريم الممدوح نفسه، لا كل كريم، إذ كان شارعًا في ذكره، وهذا كما قال الشاعر: أبى القَلْبُ إلاَّ أُمَّ عمروٍ وذكرَها وكقول نُصيب: وقُلْ إن تَمِلّينا فما مَلَّكِ القَلْبُ
مَن يَهْتَدي في الْفِعْلِ ما لا يهتدي ... في القَوْلِ حتّى يَفْعَلَ الشُّعَراءُ
قال الشيخ: فعل الشعراء: هو قوله يهتدي. والمعنى أن هذا الممدوح يهتدي في الفعل ما لا يهتدي إليه الشعراء، وهم موصوفون بالفطنة، وادعاء الأشياء المتعذرة، فهذا الممدوح يفعل الأشياء التي لا تهتدي الشعراء إليها حتى يفعلها فتعرفها حينئذ.
مَنْ يَظْلِمُ اللُّؤِماءَ في تَكْليفهم ... أنْ يُصْبِحوا وَهُمْ لَهُ أكْفاءُ
قال ابن جني: يقول تكليفه اللؤماء أن يصبحوا مثله في الكرام، ظلم لهم منه، لأنهم لا يقدرون على ذلك.
وقال أبو العلاء: " مَنْ " في البيت استفهام، والمراد أن أحدًا من الناس لا يظلم اللؤماء، بأن يكلفهم أن يفعلوا كفعل هذا الممدوح، كما يقال للشيء إذا بَعُد: من يقدر على هذا؟ أي: لا يقدر عليه أحد.
اِحْمِدْ عُفاتَكَ لا فُجِعْتَ بِفَقْدِهِمْ ... فَلَتركُ ما لم يأخُذوا إعْطاءُ
قال ابن جني: يقول: " لا فجعت بفقدهم " حشو في غاية الملاحة والظرف، وهو يحتمل أمرين، أقربهما إلى ظاهر البيت، إنه دعا بأن لا يعدم القصاد والطلاب، إذ كانوا لا يقصدون إلا ذا مال وثروة.
لا تكْثُرُ الأمواتُ كثرة قِلَّةٍ ... إلا إذا شَقِيَتْ بِكَ الأحياءُ
قال ابن جني: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، وكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة، وقوله شقيت بك أي: شقيت بفقدك، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما تشقى به الأحياء، لمفارقته إياهم وقال الشيخ: معناه أن الأموات، إذا حارب هذا الممدوح أعداءه، كثروا لأنه يقتلهم، وكثرة هذه الأموات مؤدية إلى القلة، لأنها فناء.
وقال ابن فورجة: قوله: كثرة قلة، لأن الأموات تدفن أو تبلى، فتذروها الرياح، أو تأكلها الوحوش والطير، فهي تقل وإن كثرت، وكأن هذا البيت ينظر به إلى قول القائل:
لِكُلِّ أُناسٍ مَقْبَرٌ بِفَنائِهِمْ ... فَهُمْ يَنْقُصونَ وَالْقُبورُ تَزيدُ
وهذه الطريقة سلك أيضًا بقوله:
متى ما ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التَّناهي ... فَقَدْ وَقَعَ انْتِقاصي في ازدِيادي
جعل زيادته بعد تناهيه نقصانًا زائدًا، كما جعل في هذا البيت، كثرة الأموات قلة. وقوله: " شقيت بك الأحياء " ليس يريد به الشقاء بعينه، وإنما هو من قولهم: شقيت بفلان، إذا كان يبغضك، كقول الطرماح.
وَنِّي شَقِيٌّ باللئامِ ولن ترى ... شَقِيًَّا بِهِمْ إلا كريمَ الشَّمائِلِ
أي: اللئام يبغضونني، ولا ترى أحدًا يبغضونه إلا كريمًا. وقال أبو الطيب:
لولا ظِباءُ عَديٍّ لما شَقِيتُ بِهِمْ ... ولاَ بِرَبْرَبِهِمْ لولا جآذِرُهُ
يريد: لولا ظباء عدي، لما أغضبتني عدي، ولا أضمرت لي الأحقاد، والمعنى أنك إذا كرهت حياة قوم وأبغضتهم، قتلتهم فكثرت بهم الأموات، كثرة تؤدي إلى قلة.

1 / 5

وقال الأحسائي: الأموات في قول جمهور الناس بعدد الأحياء، وأنه لا يموت واحد إلا ولد بازائه مولود، وهذا قول تشهد الحكمة بصحته، وتسكن العقول إلى وجوبه، يقول: فإذا صرت في الأموات كثروا على الأحياء كثرة قلة كما أن الأحياء بكونك فيهم، أكثر من الأموات كثرة نباهة وشرف، لا كثرة عدد وكذلك تكثر الأموات بموتك كثرة قلة لا كثرة عدد، وكشف معنى قوله: كثرة قلة أن شخصك حينئذ يصير إلى الأموات فقط، والذكر والشرف والمجد والفخر في إحياء لم يدفن معك ولا مات فتصير للأموات فيها حظ. وإنما كثروا بالشخص الذي عدمته الأحياء، وكثرة الأموات على الحقيقة قلة.
لم تسم يا هارون إلا بعدما ... اقترعت ونازعت اسمك الأسماء
قال ابن جني: يقول لم تسم يا هارون بهذا الاسم إلا بعد أن تقارعت عليك الأسماء، فكل أراد أن تسمى به فخرًا بك وقال الشيخ: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس، فهذا يحتمله ادعاء الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لان العالم لا يخلو أن يكون فيه هارون فهذا يحتمل ادعاء الشعراء هو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيه جماعة يعرفون بهارون ويجوز أن يكون الأسماء في آخر البيت جمع اسم أي صيت وتحتمل أن تكون جمع اسم يعني به اسم الرجل الذي هو معروف به مثل زيد وعمرو وما جرى مجراه.
فبأيما قدم سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء
قال ابن جني: تعجب من القدم التي تسعى بها إلى العلا ثم دعا له فقال) أدم الهلال لأخمصيك حذاء (كأنه دعا للقدم المعنى: لا تزال عاليًا وهو كقوله: أتتركني وعين الشمس نعلي قال الشيخ: ذكر أن قوله أدم الهلال دعا للممدوح وليس في ذلك فائدة وإنما الشاعر مخبر للممدوح يقول فبأيما قدم سعيت أي في حال طلبت المعالي فأنت رفيع القدر كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت وإنما أراد في أي حال طلبت المعالي، فأنت رفيع القدر، كأن أدم الهلال حذاء لأخمصيك، ولم يرد والله معنى الاستفهام في أول البيت، وإنما أراد في أي حال طلبت المكارم، فأنت في غاية لا يبلغها غيرك، وكأنه جعل سعيه إلى المعالي مختلفًا فلذلك حسن أن يقول " فبأيما قدم سعيت ". كأنه جعل سعيه إلى الحرب قدمًا، وإعطاءه النوال قدمًا أخرى، وعفوه عن الجاني ثالثة.
لو لم تكُنْ من ذا الوَرى اللَّذ منكَ هوْ ... عَقِمَتْ بمولدِ نَسْلِها حَوَّاءُ
قال ابن جني: قوله: اللذ، بسكون الذال وكسرها، لغة، يقول لو لم تكن من هذا الورى كأنه منك، لأنك جماله وشرفه وأنفس أهله، ولكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد.
وقال الأحسائي: إن الله تعالى إنما خلق آدم وحواء، لتكون منهما ولولا ذلك لما أنسلا، وحذف الياء من الذي وسكون الذال كقوله:
كنت من الأمرِ اللذي قد كيدا ... كاللذْ تَزَيَّى زُبْيَةً فاصطيدا
ومن التي أولها:
ألا كُلُّ ماشيةِ الخيزلى ... فِدا كُلِّ ماشيةِ الهيدبى
قال الشيخ: الخيزلى مشية فيها تفكك من مشي النساء يقال: مشت الخيزلي والخيزلى والخيرزي والخورزي بمعنى واحد. والهيذبي ضرب من مشي الخيل. ويقال: الهيدبي بالدال والذال. ومعنى البيت ألا كل امرأة فدا كل فرس.
وَكُلِّ نَجاةٍ بُجاوِيَّةٍ ... حَنوفٍ وَمَا بِيَ حُسْنُ المِشى
قال ابن جني: بجاوية منسوبة إلى البجاوة، وهي قبيلة من البربر، يطاردون عليها في الحرب. قال يرمي الرجل بالحربة فإن وقعت في الرمية، جاء الجمل إليها حتى يتناولها صاحبها. وإن وقعت في الأرض أسرع الجمل إليها حتى يضرب بجرانه الأرض فيأخذها صاحبها. هذا لفظ المتنبي.
قال الشيخ: ناقة نجاة في معنى ناجية، وهي السريعة التي تنجي صاحبها. وهو اسم وضع للإناث دون الذكور، لأنهم قالوا للناقة نجاة، ولم يقولوا للبعير نجي. وبجاوية منسوب إلى البجاة، ويقال أنه اسم جيل من الناس، وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة، ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي. والخنوف: التي نقلت خفها الوحشي والاسم الخناف، والمشي جمع مشية كما يقال الفِرى جمع فرية.

1 / 6

وَأَمْسَتْ تُخَبِّرُنا بالنِّقَا ... بِ وادي المياهِ ووادي القُرى
قال ابن جني: النقاب موضع يتشعب منه طريقان إلى وادي المياه ووادي القرى، أي صرنا إلى النقاب عليها، وقدرنا سلوك إحدى الطريقين عليها، صارت كأنها مخيرة لنا إحدى الطريقتين، وإن كانت في الحقيقة غير مخيرة.
وقال الشيخ: قوله النقاب، ليس هو اسم موضع بعينه، وإنما هو من قولهم ورد الماء نقابًا إذا لم يعلم حتى يرده، فكأنه ادعى للإبل أنها من خبرتها تخبرهم بالمياه. ووادي المياه ووادي القرى بدل من النقاب بدل تبيين.
ولاحَ لها صَوَرٌ والصَّباحَ ... وَلاحَ الشُّغورُ لها والضُّحى
قال الشيخ: ذُكر عن أبي الفتح ابن جني أنه قال: صور لا يعرف في هذه المواضع وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والمحدود. وإنما أراد أبو الطيب صورًا فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها، وقد ذكر الفرزدق هذا الموضع في شعره فقال:
فما جَبَرَتْ إلاَّ على عَتَبٍ بها ... عَرَاقيبُها مُذْ عُقِرَتْ يومَ صَوارِ
وفي هذا المعنى كانت المعاقرة بين غالب أبي الفرزدق وسحيم بن وثيل الرياحي. والمعنى أن هذا الموضع لاح للإبل مع الصباح، ولاح الشغور لها مع الضحى، ويجوز في الصباح الرفع على العطف، والنصب على أنه مفعول معه. وكذلك يجوز في الضحى، والشغور يجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم بلاد شاغرة، إذا لم يكن لها من يحميها.
وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ... وَباقِيهِ أكثرُ مِمَّا مَضَى
قال الشيخ: الجوز الوسط، وبعض ما لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظن أنه مستحيل، لأنه يحسب أنه لما ذكر الجوز وجب أن تكون القسمة عادلة في النصفين، فيذهب إلى أن قوله " وباقية أكثر مما مضى " للكلام المتقدم وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث الليل الثاني كالوسط وهو الجوز. ثم قال " وباقية أكثر مما مضى " كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه وبقي ثلاثة أرباعه، وأكثر هذا بيّن واضح. وقد ذكر ابن فورجة في كتابه الموسوم) بالفتح على أبي الفتح (أن القاضي أبا الحسن علي بن عبد العزيز، نقم على أبي الطيب في قوله: وَرَدْنا الرُّهَيْمَةَ في جَوْزِهِ ونسب إليه الغلط في ذلك، فقال: كيف يكون باقيه أكثر مما مضى، وقد قال في جوزه، والجوز الوسط؟ قال ابن فورجة: وعندي أن المخطئ هو القاضي، فإنه لم يفهم البيت فتجنى، ثم اعتذر بما وضعه الله عنه، وقد تقدم قوله:
فيا لك ليلًا على أعكُشٍ ... أحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُّوى
فظن القاضي أن جوزه الهاء لليل وأنه كقول عمر بن أبي ربيعة:
وَرَدْتُ وَما أدري بَعْدَ مَورِدي ... مِنَ اللَّيْلِ أمْ ما قَدْ مَضَى مِنْهُ أكْثَرُ
ولعمري أنه لو كان كما ظن، لكان كلامه محالًا، وإنما الهاء في جوزه لأعكش، وأعكش مكان واسع، والرهيمة ماء مكانه وسط أعكش، فهذا كلام صحيح ثم قال وباقيه، أي باقي الليل، فقد بان أن المعنى لم يفهمه الذي رده.
فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرِّمَا ... حَ فَوْقَ مَكارِمِنا والعُلا
قال الأحسائي: في هذا البيت وجوه من المعاني، أحدها: أن مكارمهم طبقت الأرض، ووصلت إلى كل موضع منها، ووسمت الأرض بآثارها، فأين ما نزلوا وطئوا مكارمهم، وأناخوا على آثارها، وركزوا الرماح عليها، وهذا وجه والثاني: أن عادة العرب إذا عادوا من سفر أو وقعة، فوصلوا إلى المنزل الذي يستريحون فيه، حطوا أثقالهم في الأرض، وعددوا مفاخرهم ومناقبهم، ثم ركزوا عليها الرماح.
ووجه ثالث: وهو أنهم ركزوا الرماح بالرهيمة في أرض كانت فيها وقائع لأهل الكوفة، ظفروا بأعدائهم فيها من أهل الشام وغيرهم في قديم الزمان، فذكر أنها مكارم لهم، وفعال سلفت لقومه هناك.
ووجه رابع: وهو أن فوق تستعمل كثيرًا بمعنى دون، فأراد أنهم ركزوا الرماح وإن كانت طوالًا دون مكارمهم وعلاهم، والشاهد لكون فوق بمعنى دون، قوله تعالى) إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها (أي فما دونها. وقول أبي الطيب:
وَمِنْ جَسَدي لمْ يَتْرُكِ السَّقْمُ شَعْرَةً ... فما فَوْقَها إلاَّ وَفيها لَهُ فِعْلُ
أي دونها.
ومن التي أولها: إِنَّما التَّهْنِئاتِ لِلأَكِفَّاءِ

1 / 7

وَبَساتينُكَ الجِيادُ وَما تَحْمِلُ مِنْ سَمْهَريَّةٍ سَمْراءُ قال ابن جني: يقول إنما بساتينك الخيل والقنا، وهما نزهتك وجعل القناة على الفرس كالحمل في الشجرة.
وقال الشيخ: قوله " تحمل من سمهرية " يحتمل وجهين. أحدهما: أن يكون تحمل للجياد. والآخر: أن يكون للممدوح، وهو أبلغ في المدح، ومن المبالغة في البيت أن تكون القناة بمنزلة الغصن المثمر، وتكون ثمرته ما تحمل على السنان من رؤوس الأعداء.
فَتَراها بَنُوا الحُروبِ بأعيا ... نٍ تَراهُ بِها غَداةَ اللِّقاءِ
قال ابن جني: أعيان جمع عين، وأعين أكثر من الكلام، وتراها عائدة على الملوك والهاء في تراه عائد إلى كافور.
وَما سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للثُّرَيَّا ... وَلاَ سَلَّمْتُ فَوْقَكَ للسَّماءِ
قال الشيخ: فوق لم تجر عادتها أن تستعمل مفعولًا ولا فاعلًا، وإنما تجيء ظرفًا منصوبًا، أو غاية مثل قولهم: من فوق، ومن تحت، وقد جاء شعر نُسب إلى سُحيم عبد بني الحساس وهو شاذ قليل وهو:
أتيت النساءَ الحارثياتِ غدوةً ... بوجهٍ بَراهُ اللهُ غيرَ جميلِ
فشَبَهتَني كلبًا ولست بفوقه ... وَلا دونَه إن كان غَير جميلِ
حرف الباء
أحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ به ... وخاضبِيهِ النَّجِيعُ والغَضَبُ
قال ابن جني: خاضبيه في موضع جر، معطوف على ما، وجمعه التصحيح لأنه أراد من يعقل وما لا يعقل. وهذا كقوله تعالى:) والله خلق كل دابة فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع (لما خلط الجميع بقوله كل دابة، استعمل من يمشي على بطنه، وعلى أربع والمعنى: أحسن ما يخضب الحديد به الدم، وأحسن خاضبيه الغضب، فجمع اللفظ وهو ينوي التفضيل. وذكر الغضب هاهنا مجازا، وإنما يريد صاحب الغضب.
وقال الشيخ: إن جعل خاضبيه منصوبا، على أنه مفعول معه، فلا يمتنع. وقال ابن فورجة: الذي ذكره الشيخ أبو الفتح غير ممتنع إلا أن فيه من التعسف ما ترى. والذي عندي أن قوله وخاضبيه. قسم قد حصل المعنى الذي أراد، وزال ذاك التكليف، وجعل الغضب خضابا للحديد، لأنه لخضبه بالدم على سبيل التوسع في الكلام، وحسن أيضا ذلك لأن الغضب يحمر منه لون الإنسان وتحمر عيناه، كما قال الشاعر:
هَلاَ سَألتِ غَداةَ الرَّدعِ ما حِسبي ... عندَ الطَّعانِ إذا ما احمرَّتِ الحَدَقُ
وكما قال الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري يصف سهيلا:
وسُهيلٌ كوجنَةِ الحِبِّ في اللّوِنِ ... وقلبِ المُحبّ في الخَفَقانِ
يُسرِعُ اللّمحَ في إحِرارِ كما تُسرِعُ ... في اللّمحِ مُقلةُ الغَضبانِ
وقد رويت عن جماعة ممن أثق بهم، رووه عن المتنبي) وخاضبيه (الباء بالفتح، كأنه يريد أحسن خاضبيه تثنيه خاضب، كأن النجيع خاضب، والذهب خاضب فقال أحسنها الدم، ويكون الغضب حينئذ تاكيدا للنجيع أتى به للقافية، ولأن النجيع يخضب عند الغضب، فكأنه جعل النجيع والغضب شيئا واحدا.
ومن التي أولها:
أيَدرِي ما أرابَكَ مَنْ يُرِيبُ ... وهل تَرقَى إلى الفَلَكِ الخُطُوبُ
قال ابن فورجة: قد سمعت جماعة من متكلفي الأدباء يفسرون هذا البيت، فيقولون من يريب: يريد به الله تعالى وهذا كلام إلحاد وإقدام على إثم عظيم، يريد هل يدري الذي أرابك بهذا الدمل. ما الذي أرابك حقارة، وصغر قدر، وهذا خطأ فاحش، ودعوى على هذا الفاضل قد برأه الله منها، والذي أراده أبو الطيب، أيدري ما أرابك وهو الدمل.) ما (لما لا يعقل. وهي فاعلة أيدري. ومن يريب يريد من يريبه من الناس، ولم يأت بالهاء لأن المعنى مفهوم، ويريد بهذا الكلام هل يعلم هذا الدمل بمن حل ومن الذي راب ثم قال:) وهل ترقى إلى الفلك الخطوب (أي أنت كالفلك بعدا عن الآفات وعلوا في الأشكال.
إذا دَاءٌ هَفا بُقراطُ عَنْهُ ... فَلَمْ يوجد لصَاحِبِهِ ضَرِيبُ

1 / 8

قال الشيخ: الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت. وأصح ما يقال إذا داء. أي هذا داء. ويكون الألف للتقرير أو للاستفهام الخالص، كأنه لما ذكروا سيف الدولة وأنه حب الحرب وشوقه إليها. قال هذا الداء لم يعرفه بقراط، فأما من يروي: إذا داء فلا وجه له، على أنه يؤدي انفراد سيف الدولة بهذا الداء. إذا جعلت الفاء جوابا لإذا. والذين رووا:) أذى داء (أقرب إلى الإصابة؛ لأنه يحمل على أنه أراد أذى داء، ويجوز يقول أصحاب هذه الرواية: أن الهمزة للنداء، والمعنى يا ذا داء أي: أنت سيف الدولة صاحب هذا الداء.
وقال ابن فورجة: وغلط الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت. وزعم أنه سمعه من أبي الطيب قال ﵀: جواب إذا) فلم يوجد (أي: فليس يوجد لصاحبه شبيه. كذا قال لي وقت القراءة عليه. واستعمال لم في موضع ليس لمضارعتها إياها، ثم تكلم في قوله داء بالرفع. وأنه بالنصب أجود لأن) إذا (تطلب الفعل، وهذا كقولك) إذا زيدا مررت به فأكرمه (فكان يكون تقديره، إذا أهمل وأغفل بقراط داء. وقد رفع فكأنه قال إذا أعضل داء. وأفنى في هذا الكلام عدة صفحات من كتابه، وهب أنا سلمنا له هذا التعسف. وقلنا أن) لم (بمعنى) ليس (فهل يحسن أن يجعل سيف الدولة صاحب الداء، يريد به صاحب دوائه والعالم بطبه، وهل يقول زيد صاحب الاستسقاء، أي صاحب مداواته، بل يفهم هنا أن زيدا به استسقاء، إلا أن يتقدم كلام يفهم هذا.
والذي أراد أبو الطيب أن بعيد ما طلبت قريب، إذا هفا بقراط عن داء. فلم يوجد عليل به، تلك العلة ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب، ويعني بالداء أدواء الزمان، والحروب والأعداء.
ومن التي أولها:
بغيرك راعيًا عَبَث الذِّئابُ ... وَغَيرَكَ صَارِمًا ثَلَمَ الضِّرَابُ
قال الشيخ: يجوز نصب راع وصارم على التمييز وعلى الحال.
ولَو غَيرُ الأميرِ غَزَا كِلابًا ... ثَناه عن شُمُوسِهِمُ ضَبابُ
قال الشيخ: لما كانت المرأة تشبه بالشمس، جعل نساء القوم شموسا وجعل دونها من حمايتهم ضبابا، وأصل ذلك أن المرأة يقال لها كأنها الشمس ثم يحذف حرف التشبيه قال قيس بن الخطيم:
فرَأيتُ مثلَ الشَّمسِ عندَ ذُروِّهَا ... في الحُسنِ أو كَدُنُوِّها لِغُرُوبِ
وقال آخر فحذف حرف التشبيه:
من الشمسين شمس بني عقيل ... إذا حضرت وشمس بني هلال
ولاَقى دُون ثأيِهِمُ طِعانًا ... يُلاقِي عندَهُ الذَئْبَ الغُرَابُ
قال الشيخ: الثأي جمع ثأية، وهو مراح الإبل، إذا كانت عازبة. ويقال: أنه يتخذ من الشجر، وقوله:) يلاقي عنده الذئب الغراب (أي: يجتمعان على أكل القتلى، وبعض الناس يذهب إلى أن الذئب لا يأكل إلا ما يفترسه، وأنه لا يجري مجرى الضباع والكلاب. وعلى ذلك فسروا قول الشاعر:
ولكُلِّ سَيَدِ مَعشَرٍ من قَومِهِ ... دَعَرٌ بِدنِّس مجده ويعيبُ
لولا سِوَاهُ لجردت أوصَالَهُ ... عُرجُ الضّبِاعِ وَصَدَّ عنهُ الذِّيبُ
ومن التي أولها: يا أُختَ خَير أخٍ يا بنتَ خَيرِ أبِ
جَزَاكَ رَبُّكَ بالأحزَانِ مَغفِرَةً ... فحُزنُ كلِّ أخي حُزنٍ أخو الغَضَبِ
قال ابن فورجة: يقول: جزاك الله مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فقد أثمت به، قال الله تعالى) لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم (والحزن أخو الغضب، لأسباب كثيرة. فمنها أن الحزن غضب في الحقيقة، لأنه يغضب لما نال منه الدهر فيحزن، ومنها أن الرجل يأثم بالحزن ويأثم بالغضب، قال الله تعالى:) والكاظمين (. ومنها أن الحزن ينال من الإنسان، ويخلط عليه، كما أن الغضب ينال منه ويخلط عليه أمره، وقد دل على ذلك بقوله في عضد الدولة:
آخِرُ ما المَلكُ مُعَزّىً بِه ... هَذَا الَّذي أثَّرَ في قَلبِهِ
لا جَزَعًا بَلْ أنَفًا شابَهُ ... أن يَقدِرَ الدَّهرُ على غَصبِهِ
ألا تراه قرن بينهما، وجعل تأثيره في قلبه، لا الجزع والحزن، ولكن للغضب والأنف والحمية، وقد فسر بذلك بقوله بعده:
وأنتُمُ مَعشَرٌ تَسخُو نُفُوسُكُم ... بِمَا يَهَبنَ ولا يَسخُون بالسِّلَبِ
ومن التي أولها: فَهِمتُ الكِتابَ أبَرَّ الكُتُبْ
وَقَد كانَ يَنصُرُهُمْ سَمعُهُ ... ويَنصُرُني قَلبُهُ والحَسَبْ

1 / 9

قال ابن جني: أي يسمع منهم، إلا أن قلبه كان على كل حال معي، أي يميل إليهم بسمعه، ويميل إلي بقلبه.
ومَا قُلتُ للبَدرِ أنتَ اللُّجَينُ ... ولاَ قُلتُ للشَّمسِ أنتِ الذَّهَبْ
قال الشيخ: يقول أني تناهيت في مدحك، فلم أقل: وأنت البدر فضة، ولم أقل أنك أنت الشمس ذهب، لأن الذهب والفضة يستهلكان والشمس والقمر ليسا كذلك.
وقد زَعَمُوا أنَّهُ إن يَعُدْ ... يُعَدْ مَعَهُ المَلِكُ المُعتَصِبْ
قال الشيخ: المعتصب يحتمل وجهين: أحدهما وهو الأجود: أن يكون من الاعتصاب بالتاج، والآخر: أن يكون مفتعلا من العصبية.
ومن التي أولها:
فَديناكَ أهدى النَّاس سَهمًا إلى قلبي ... واقتلُهُم للَّدارعينَ بِلا حَربِ
قال الشيخ: قوله) أهدى الناس سهما (يحتمل وجهين: أحدهما ان يكون مأخوذا من قولهم هدى الوحش إذا تقدم، فيكون سهم منصوبا على التمييز، ويكون أفعل مبنيا من فعل له فاعل، ويكون الفعل للقسم. والآخر: أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم هديته الطريق. فإذا حمل على ذلك، فسهم ينتصب بفعل مضمر يدل عليه قوله أهدى، لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولا، وكذلك أفعل الذي للتفضيل، وعلى ذلك حملوا قول الشاعر:
فَلَم أرَ مِثلَ الحَيّ حَيًّا مُصبِحًّا ... ولا مِثلَنا لما التَقَينَا فَوارسَا
أكَرَّ وأحمى للحَقِيقَةِ مِنهُمُ ... وأضرَبَ مِنَّا في اللقاءِ القَوانِسا
نصب القوانس بفعل مضمر، كأنه قال وأضرب منا في اللقاء فتم الكلام، وأضمر بضرب القوانس، والدارع، الذي عليه الدرع. الذي عليه الدرع.
وَمَنْ خُلِقَتْ عَيناكَ بينَ جُفُونهِ ... أصابَ الحَدُورَ السَّهلَ في المُرتقى الصَّعبِ
قال الشيخ: الحدور كل مكان ينحدر فيه. وهو أسهل من الصعود. ولذلك يصعدني الأمر إذا شق علي، ومنه قوله تعالى) سأرهقه صعودا (.
وقال الهذلي:
وإنَّ سيادةَ الأقوامِ فأعلم ... لها صَعداءُ مَطلَعُها طويلُ
وكلام أبي الطيب مؤيد هذا المعنى، كأنه قال اصاب الحدور السهل في الصعود. والصعود والحدور يستعملان على التأنيث، وذكر الحدور هاهنا لأنه جعله كالنعت للمكان.
ومن التي أولها: دَمعٌ جَرَى فَقضَى في الرَّبعِ ما وَجَبَا
دَارُ المُلِمَ لها طَيفٌ تَهَدَدَني ... لَيلًا فَما صَدَقتْ عَيني وَلا كَذَبا
قال ابن فورجة: الألف واللام في الملم بمعنى التي. يريد دار التي ألم لها ليلا طيف يهددني. ويهدني الطيف على عادة المحبوب في كثرة الدلال والصلف والابتعاد بالهجران والتجنب، فقال ما صدقت عيني لأنها أرتني ما لم تكن حقيقة، وما كذب الطيف في التهدد، فأنه قال لأهجرنك وقد هجر، ولأبعدن عنك، وقد بعد عني، ولأعذبنك وقد فعل.
كأنَّها الشَّمسُ يُعِيي كَفَّ قَابِضِها ... شُعاعُها وَيَراهُ الطَّرفُ مقتَربا
قال ابن جني: هذا مثل قول الشاعر:
فأصبحتُ مَما كانَ بَيني وبينها ... سوى ذِكرها كالقَابضِ الماءَ باليدِ
وقال الشيخ: حسن تقديم ضمير الشعاع قبل ذكره، لأنه اتصل بمخفوض قد أضيف إليه مفعول، كما يقال) خذ ثوب غلامه الأمير (فيحسن تقديم الهاء التي هي عائدة على الأمير لأجل ما ذكرناه، فإذا اتصل الضمير الفاعل قبح تقديمه على المفعول، فلا يحسن أن يقال: خان غلامه الأمير إلا في الضرورة كما قال الشاعر:
جَزَى رَبُّه عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتمٍ ... جزاءَ الكِلاَبِ العَاوياتِ وقد فعلْ
وهذا المعنى مأخوذ من قول الأول:
فقلتُ لأصحَابي هي الشَّمسُ ضَوؤُها ... قريبٌ ولَكِنْ في تَناوُلَها بُعدُ
مُبَرقِعي خَيلِهمْ بالبيضِ مُتَّخِذِي ... هامِ الكُماةِ على أرماحِهم عَذَبَا
قال ابن جني: أي جعلوا براقع خيلهم حديدا على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها. وجعل شعر هام الكماة، وهم الأبطال، عذبا لرماحه، وقد جمعوا) كميا (على) أكماء (.وقال الشيخ: يريد أنهم يمدون أيديهم بالسيوف للضرب، فتصير أمام الخيل، فكأنها لها براقع، ويمكن أن يريد أنهم قد ستروها بالبراقع، وقوله متخذي هام الكماة يريد ذوائب هام الكماة، وقد يجوز أن يجعل الهامة كالذؤابة، وعذبة الرمح ما تشد في طرفه، والكماة جمع كمي وهو الذي كمى نفسه بالسلاح أي سترها، وقيل هو الذي يستر شجاعته.

1 / 10