تفسير الجيلاني
تفسير الجيلاني
{ فإذا نقر } ونفخ { في الناقور } [المدثر: 8] أي: الصور المصور؛ لتصويت الأموات؛ ليبعثوا من قبورهم أحياء كما كانوا، ثم نقر ثانيا؛ ليحشروا إلى المحشر، ويحاسبوا بين يدي الله، ثم يجازوا على مقتضى ما يحاسب، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
{ فذلك } أي: وقت النقر الثاني للحشر والوقوف بين يدي الله { يومئذ } أي: يوم القيامة { يوم عسير } [المدثر: 9].
{ على الكافرين } إذ عسر عليهم حينئذ الأمر، واشتد الهول، وتشتتت أحوالهم واضطربت قلوبهم، وبالجملة: { غير يسير } [المدثر: 10] عليهم حسابهم؛ لذلك عسر عليهم.
وبعدما سمعت قيام يوم القيامة وتنقيد الأعمال فيها، والجزاء عليها، لا تستعجل يا أكمل الرسل لانتقام المشركين المسرفين، ولا تعجل عليهم، بل { ذرني } يا أكمل الرسل { ومن خلقت } أي: مع شخص خلقته { وحيدا } [المدثر: 11] متفردا من أهل عصره، مفروزا منهم بكثرة الأموال والأولاد، والثروة والجاه، إلى حيث لقب بين قومه بريحانة قريش؛ يعني: وليد بن المغيرة.
{ وجعلت له } توسيعا عليه، وامتنانا له { مالا ممدودا } [المدثر: 12] كثيرا وافرا، متزايدا يوما فيوما بالتجارة والنتاج والزراعة وغير ذلك.
{ وبنين شهودا } [المدثر: 13] حضورا معه دائما، لا ينفصلون عنه زمانا؛ لاستغنائهم عن التجارة والحراثة وسائر المصالح؛ لكثرة خدمهم وحشمهم، بحيث لا احتياج لهم من تهيئة أسبابهم إلى ترددهم بأنفسهم؛ لذلك يحضرون معه في جميع المحافل والمجالس، والأندية تكميلا لثروته ووجاهته.
{ ومهدت له تمهيدا } [المدثر: 14] أي: بسطت له بسطا واستيلاء، يتحسر ويتحسد بحاله جميع بطون العرب وأفخاذه.
ومع تلك الوجاهة العظمى، والكرامة الكبرى الموهوبة له لم يشكر علي، ولم يرجع إلي قط { ثم يطمع } ويرجو { أن أزيد } [المدثر: 15] على ما آتيته وأعطيته من النعم العظام، مع أنه مصر على الكفر الكفران، وأنواع الفسوق والعصيان.
{ كلا } أي: كيف أزيد عليه، مع أن كفرانه وطغيانه يوجب ويقتضي زوال ما أعطي به، وكيف لا يوجبه { إنه كان لآياتنا } الدالة على كمال عظمتنا، واقتدارنا على أنواع الإنعام والانتقام { عنيدا } [المدثر: 16] معاندا منكرا، وعناده أمارة زوال ماله وثروته وجاهه؟!
وبالجملة: { سأرهقه } أي: سأغشيه وأكلفه بالعنف في النشأة الأخرى { صعودا } [المدثر: 17] عقبة شاقة المصعد والمهوى، فأكلفه على الصعود والهبوط دائما، بحيث لا نجاة منها، وعنه صلى الله عليه وسلم:
صفحه نامشخص